كتالونيا هي الإقليم الأكثر «تأورباً» في إسبانيا. مدّة السيطرة العربية الإسلاميّة عليه لم تزد عن قرن، في مقابل أربعة قرون بالنسبة إلى قشتالة، التي لم تكن في البدء عاصمتها مدريد، غير حصن أمويّ يدعى «مجريط»، أي مجرى نهر ايطو، ولم يظفر بها الكاثوليك إلا في العام 1081، وعام 1236 بالنسبة لقشتالة وإشبيلية، و1492 بالنسبة لغرناطة، فيما استمرّ الوجود الإسلاميّ الموريسكيّ في الأندلسية حتى الإنتفاضة التي لم يتمكن العثمانيّون والمراكشيّون من إسعافها رغم الإنتظارات والوعود، مطلع القرن السابع عشر.
وكتالونيا هي الأكثر «تأورباً» أيضاً لأنّ لغتها، الكتالونية، المحكية في بعض جنوب الغرب الفرنسي أيضاً، وفي بلنسية، وجزء من ساردينيا الإيطالية، أقرب إلى لهجات الجنوب الفرنسي وللإيطالية، منها إلى اللغة الإسبانية، «القشتالية»، التي تأخرت ظهورها لأكثر من خمسة قرون بعد ظهور الكتالونية. انعكس ذلك مجاراة كاتالونية، للمراحل التي قطعتها «الأزمنة الحديثة» في أوروبا الغربية، الواحدة تلو الأخرى، في مقابل تدهور حال المملكة الإسبانية من مرتبتها كأقوى كيان عسكريّ في العالم، يوم شكلت القاطع الغربي من إمبراطورية آل هابسبورغ، في القرن السادس عشر، إلى التدهور السريع بعد ذلك، وابتعادها الواسع عن أوروبا عصر التنوير، ثم عن أوروبا الثورة الصناعية، هذا في حين انخرطت كتالونيا في هذه الثورة، بما عمّق الفارق بين مختلف جوانب التمدّن والتصنيع والتحديث وازدهار الذاتيات الفردية فيها، نهاية القرن التاسع عشر، وبين بقية اسبانيا، التي استمرت تنوء تحت ثقل مجتمع زراعيّ بعلاقات شبه اقطاعية، إلى حين تمكّنت من انجاز طفرتها التحديثية والتصنيعية، في ظلّ نظام تسلّطي ورجعيّ ودموي، كنظام فرنشسكو فرانكو. قرّب فرانكو المسافات، اقتصادياً، بين كتالونيا وقشتالة، لكنه، سواء بقضائه على الجمهورية الكتالونية، في آخر الحرب الأهلية الإسبانية، أو بمفارقة تزايد «المحاكاة الضدية» بفعل تصنيعه قشتالة، عمّق الشقاق.
وهذا الشقاق اليوم هو بين كتالونيا وقشتالة، لكنه أيضاً بين كتالونيا وكتالونيا. فالانقسام داخل الإقليم بين الإستقلاليين والوحدويين على أشدّه. الإستقلاليّون يعوّلون على كل فظاظة تتصرّف بها حكومة مدريد، والشرطة، أو الجيش، لتأجيج أوارهم وتغليب الكفّة. والوحدويّون يعوّلون على عدم الإعتراف الأوروبي والدوليّ بمسار الإنفصال، لإظهار شعبوية كارليس بيغديمونت وتهوره. ولئن كان التقدّم الإقتصاديّ والصناعيّ لكتالونيا نسبة إلى بقية اسبانيا عامل لا يمكن اهماله عند مقاربة الحيوية القومية فيها، فإنّ هذا العامل هو جزء من «النظرة إلى الذات» أكثر منه عنصرا تفسيريّا محوريّا لما يجري. ذلك أنّ «احتسابها بالمال» يدفع في الإتجاهين، الإنفصاليّ والوحدوي، في وقت واحد. لكتالونيا، مقومات اقتصادية ناجزة لبناء نفسها كدولة أمة على حدة، لكن عليها أن تدفع ثمن ذلك بشكل باهظ مالياً (هذا ان استبعدنا، جدلاً، المعوقات الأخرى). فالإنفاق الزائد عن حدّه، أدخل الإقليم في مديونية هائلة، ويضاف إلى الفاتورة حصّة من مديونية إسبانيا على الكتالونيين سدادها، ويستتبع ذلك تراشق بين استقلالييهم ومدريد، الأوائل يتهمون مدريد بأنّها سبب ثقل كاهل مديونية إقليمهم، وحكومة ماريانو راخوي ترد التهمة على أعقابها، بأنّها بسبب حكومة الإقليم.
والحقّ أنّ إسبانيا بعد رحيل فرنشسكو فرانكو لم تتبنّ بشكل ناجز مفهوم الفدرالية. دستور ،1978 الساري، لا ينصّ عليها. يقول بإستقلالية ذاتية للأقوام والأقاليم التي تتشكّل منها اسبانيا، لكنها تبقى فدرالية مضمرة، غير رسمية، متفاوتة بين المناطق، غير مستقرّة على حال، ويستحضر المنصوص عنه دستوراً لجهة عدم قابلية التجزئة، لتبرير التعنت المركزي القشتالي، كما فعلت المحكمة الدستورية عام 2010، حين طعنت بوجود «الأمة» الكتالونية، بل ورفضت أن تكون للغة الكتالونية «الأفضلية» في الإقليم، وأصرّت على السواسية بينها وبين القشتالية (والحالة الإسبانية في هذا المجال متخلفة تماماً عن النموذج الفدرالي الهندي الذي يقوم، إلى حد كبير، على مبدأ الولايات اللغوية).
يتغذى راخوي في مدريد، وبيغديمنت في برشلونة، اليوم من نفس المعين: الشعبوية اليمينية، التي يبدو عليها أكثر فأكثر الرغبة في محاكاة النموذج الجانح نحو السلطوية، التي تدهورت اليه الحال في المجر مع فيكتور اوربان (وانعكس تدهوراً للديموقراطية في معظم بلدان أوروبا الشرقية العضو في الإتحاد الأوروبي). بيد أنّ غرف راخوي من هذا المعين أعمق وأخطر. صحيح أنّه يبدو أقل أيديولوجية في شعبويته، وأقلّ احيائية لبعض التركة الفرانكية، من رئيس الوزراء الأسبق خوسيه ماريا أزنار، حليف جورج بوش الإبن، لكنّه يقود بالنهاية حزباً لم يكن حتى وقت متقدم من الثمانينيات يخفي نوستالجياه للمرحلة «شبه الفاشية» من تاريخ اسبانيا.
هناك أساساً مبالغة في تقدير جذرية تحوّل اسبانيا من حال إلى حال بعد فرانكو. كما هناك شقاق بين كتالونيا وكتالونيا، هناك شقاق بين اسبانيا واسبانيا يحاول أن يخفيه راخوي من خلال «حزمه» في المسألة الكتالونية. وهو إلى حد كبير شقاق لا يمكن النأي به عن الخلاف حول الفرانكية ومحاولتها إعادة ضبط المسار الوطني الإسباني من وراء القبر. المحاولة الإنقلابية عام 1981 النوستالجية للديكتاتورية، ليست بتفصيل في تاريخ التحوّل الديمقراطي الإسباني، وبالنسبة إلى بلد لن يقبل في المجموعة الأوروبية الا عام 1986 (أي بعد خمس سنوات من قبول بلد يقلّ عنه في المؤشرات الاقتصادية، وديمقراطيته طرية العود وهشة، اليونان).
ومن ضمن استمرار هذا الشبح الفرانكي، عدم تبني مبدأ الفدرالية بشكل كامل وناجز في بلد كان يحتاجه بالفعل، وبشكل واضح، منذ كتابة دستور 1978. وفي المقابل، فإن بريطانيا، التي لا يقول دستورها الشفهي بالفدرالية، استطاعت أن تتعامل بدراية مع واقعة الحراك الإستقلالي الاسكتلندي، فأجازت الإستفتاء، وفشل الإستقلاليون فيه، وعادوا ليكتسحوا مقاعد اسكتلندا في مجلس العموم البريطاني بعد ذلك، كما لو أنّهم «يتداولون على الإنفصال أو البقاء» مع الفريق المواجه لهم. النموذج الإسباني هو النقيض لذلك. لكنه نموذج لا تقتصر مشكلته مع كتالونيا، فحتى حكومة راخوي في مدريد ليست لها الأكثرية البرلمانية إلا لأن أحزاباً قومية إقليمية تبحث على طريقتها عن أجندة تفلتية من قشتالة، تدعمها.
قد تكون المقارنة السياسية فظة ونافرة بين اسبانيا وبين سوريا، ولن يقلل من ذلك المشترك الأمويّ التاريخيّ بينهما.. وهي مقارنة نافرة وغليظة بالتأكيد، لولا عنصر واحد، أن التوحيد القسري في ظلّ فرانكو، كما في ظلّ حافظ الأسد، كان نقمة على وحدة البلاد في الحالتين، مع استمرار «مفاعيل» شبحيهما من وراء القبر، مع اختلاف مطلق بين التحول الديمقراطي بعد فرانكو، وبين مسخ الأسدية لنفسها أكثر فأكثر في ظلّ بشار الأسد. ومع فارق جوهريّ، في كون السياق الأوروبيّ، محكوم بـ»اجماعات الغرب»، وفي طليعتها «اللاعودة» إلى أي حرب أهلية «كاملة» في النطاق الغربي، في مقابل سياق حرب أهلية كليّة في سوريا، ينظر إليها، خلسة، كما لو أنّها «الحرب» التي تتيح للكوكب بأن يعيش بسلام.
٭ كاتب لبناني
وسام سعادة