الفيسبوك والبناء الفني في «مملكة الفراشة» و«أنثى افتراضية»

حجم الخط
0

إن توظيف الفيسبوك كإحدى وسائل التواصل الاجتماعي داخل البناء الروائي، هو تجل من تجليات الأدب ما بعد الاستعماري، الذي يتسم بالاشتغال على البنى الفكرية المتأرجحة بين التحرر واللاتحرر، أو الانفتاح على الآخر والانغلاق على الذات.
وليس غريبا أن تدخل وسائل التواصل إلى داخل تضاعيف السرد، لتشكل جزءا من أجزائه الرئيسة والمهمة، على اعتبار أن الرواية هي صورة الحياة في انشغالاتها وتعقيداتها.
وإذا كان الأدب التفاعلي، الذي ينقل ميدان الأدب ومضماره من عالمه الحر المادي المجسد في صيغة ورقية، إلى عالم إلكتروني مقيد بشاشة الكمبيوتر، وخاضع لضرورات الطاقة التي بدونها لا يستديم؛ فإن في جلب الإنفوميديا إلى عالم الورق وسحبها من إطارها الافتراضي المادي إلى إطار واقعي متخيل، هو التحدي الأهم في التوظيف لوسائل التواصل، كالماسنجر واليوتيوب وتويتر والفيسبوك في الرواية العربية.
وهذا ما يجعل النقد أمام حقيقة التفكير في الإنفوميديا والتليميديا والميتاميديا معا، والكيفية التي ينبغي عليه التعامل معها والاصطلاحات التي ستوطن الانفتاح على علوم أخرى كالجيوسياسة والإعلام والاجتماع واللغة والأدب، وماهية التعيين المعياري الذي سيكون عليه الأدب المواكب للميديا وطبيعة امتزاج الميديا بموضوعات الرواية كالقومية والجندر والنسوية، إلخ.
ولا عجب في أن يكون الفيسبوك في حياتنا اليومية، اشتغالا ثقافيا قد يعني فكرة التقاطع المجتمعي في الاستعاضة عن العلاقات الطبيعية، كالصداقة والجيرة بالعلاقات الافتراضية كنوع من المقاومة لحالة الاستغراب التي تعيشها المجتمعات المتعولمة، التي لا تخفي نزعتها في التغيير وعدم الرضوخ لنظام إقطاعي يرى الأمة مصنعا للرجال والرئيس هو أبو الأمة والأب هو رب الأسرة.
وما رفض التعاطي المادي مع الصداقة إلى تعاط غير مادي افتراضي، إلا نوع من المقاومة الثقافية للمركزيات الأبوية، ورغبة في بزوغ كينونة التابع لا كينونة المتبوع بالمفهوم ما بعد الكولنيالي، أو كنوع من الاسترداد في إعادة تمثيل علاقات الإنسان الاجتماعية، ضمن ثقافة عولمية فيها الانفتاح في أوسع معانيه، والانزواء في أقصى دلالاته. ومن هنا صرنا نجد في وسائل التواصل حرية وانفتاحا افتراضيا لم نشهدها في العقود الماضية، مع انحسار للصداقات وابتسار في العلاقات الاجتماعية الواقعية.
وصارت المرأة بفضل الفيسبوك قادرة على التمظهر ضمن حدود طاقاتها الأنثوية، في التعبير والتمثيل والتنفيس للآخر، رجلا أو امرأة، ممتلكة ثقافتها الخاصة محققة رغبة أنثوية لاشعورية، تنقلب فيها على كونها مجرد كيان تابع غير قادر على أن يتكلم بتعبير جاياتري سبيفاك، إلى كيان متبوع يستطيع أن يتمظهر في معان عميقة وبلا قيود مفروضة ولا ممنوعات أو محظورات. كما سيكون أمام الرجل مضمار لإظهار فروسية غابرة يكون فيها سيدا لا تابعا لنظام أبوي رمزي في قوته وعنفه وقتاليته.
وعلى مستوى الكتابة الروائية أخذنا نشهد في العقدين الأول والثاني من القرن الواحد والعشرين بعض الاهتمام بهذا اللون من الكتابة الروائية، التي تمزج بين السرد ووسائل التواصل، كالفيسبوك وتويتر والفايبر والماسنجر والجات والواتساب وغيرها من تطبيقات الشبكة العنكبوتية في الرواية، موظفة متعلقات تلك الوسائل ومسمياتها وإمكانياتها.
والخطورة أن الكاتب وهو يوظف الفيسبوك سيتعامل مع شخصيات لا واقعية، أي مجرد كينونات وهمية وافتراضية عادة ما تكون أنثوية، سواء أكان الروائي رجلا أو امرأة؛ فهل هذا من تبعات النقد الذكوري؟ أم أنه من تبعات الانفتاح العولمي؟
قد يكون الأقرب إلى الصحة هو الاحتمالين معا، وصحيح أن النظام الأبوي بوجود هذه الوسائل ما عاد قادرا على فرض هيمنته التي طالما تمتع بها في ظل المراحل الاستعمارية السابقة؛ إلا إنه اليوم وبفضل العولمة تنازل عن بعض امتيازاته السيادية، وتفاعل وتحاور، وربما رضخ لبعض متطلبات المتبوعين، لكنه في الوقت نفسه لم يلغ نفسه، ولم يفقد قوته كلها، واستطاع أن يقولب هيمنته من هيمنة تامة ومركزية، إلى هيمنة جزئية تعطي بعض الحرية للمتبوعين الذين يظلون تحت سيطرة مركزية تعكسها أنظمة الهيمنة الكبرى.
وكذلك الحال مع الأدب في ظل سيادة النظام الذكوري متعاطيا مفاهيم الاندماج بين الأجناس والتداخل بين المعارف، ولكن مع ذلك يظل النظام الذكوري مهيمنا، وهذا ما يجعل التوظيف للفيسبوك كوسيلة تواصل افتراضية؛ يصنع لنا شخصيات تابعية ومتبوعية معا، هي في الغالب مؤنثة؛ فهل التقصير يكمن في تمثيل المرأة ككاتبة للكيان المؤنث؟ أم هو التسيد شبه الجزئي الذي ما زال يمارسه الرجل الكاتب في تمثيله للمرأة؟
لعل الإجابة تتوضح إذا ما طالعنا الكيفيات التي تعامل فيها الكاتب الروائي مع الفيسبوك، والأسلوب الذي وظفه في سبيل ذلك، وسنأخذ روايتين، الأولى هي «مملكة الفراشة» 2013 لواسيني الأعرج والثانية «أنثى افتراضية» 2017 للأردني فادي مواج الخضير .
وكلتا الروايتين تخضعان لنمطية الأدب الذكوري، الذي يماشي النسق الثقافي الرومانسي الحالم، بدءا من غزليات الأمويين، ومرورا بشعر العشاق الأندلسيين ووصولا إلى أدب الرومانسيين التنويريين الانكساريين كجبران خليل جبران ومي زيادة ونزار قباني وغادة السمان. وعلى الرغم من الخضوع لهذا النسق الضارب في القدم؛ إلا إن التعدي على نمطية النسق الذكوري فيهما تعادل اعتيادية الانسياق معه.
ولا غرو أن الاختلاف بين الروائيين واضح وجلي؛ إلا إن توظيف الفيسبوك جعل كلا منهما يحاول خرق النسقية بتجريب فني ماهر، وواسيني الأعرج بمشواره الروائي الحافل، يحاول الخرق تارة باللعب على التاريخ، حفرا في جوانياته، وتارة أخرى بالتعاطي مع أبعاد ما بعد الحداثة التي تخرق مواضعات الكتابة الروائية بالميتاسرد.
وفي رواية «مملكة الفراشة» تتعامل الساردة مع شخصية فيسبوكية وهمية كبديل عن الشخصية الواقعية، ويكون التواصل متحققا بشهوة الانفصال عن الواقع ما بين البطلة الساردة (ياما) والشخصية الافتراضية (فادي) وضمن أفق إلكتروني أزرق مضيء ومفتوح، هو بمثابة ألسنة النار التي ستحرق جناحي الفراشة، كإدمان عبَّر عنه عنوان الفصل الأول «مصابة بك حتى العظم».
وتدور أحداث الرواية في الجزائر في زمن ما بعد الحرب الأهلية، حيث تسود على المستوى الواقعي سنوات الصمت واللاتواصل، فتستعيضها البطلة بتواصل افتراضي على الفيسبوك، بعد أن وجدت أن كل ما حولها قد أصيب بالتشظي واللاندماج «أحاول أن أنسى كل شيء وأعبر مثل الفراشة على ألسنة النار، أن أنام وسط ألوان يخلقها قلبي ويؤثثها جنوني الخفي». وهذا هو التحدي الذي سيجعل البطلة مضحية في سبيل حب افتراضي «لا أعرف لماذا ذهبت نحوه وأنا أدرك سلفا أنه لن يقبل مني أي شيء. أعتقد أنه من يومها وضعني في كفه وعركني بقوة ثم رمى بي في قنديل الزيت مثل الفراشة وتأمل احتراقي بمتعة في النهاية». وباسترجاع طفولي لذكرياتها مع حبيبها ديف، وعودة إلى اللحظة الحاضرة التي انفصلت فيها عن فرقة ديبو جاز، تتلاعب الساردة بمرونة مع الزمان، تارة بضمير المتكلم، وتارة يضمير الخطاب، موظفة طريقة الرسائل معلنة فيها عن حبها الخفي لفادي.
وبالضميرين معا نلمس رغبة الأنثى في كسر العزلة وتحدي الصمت الذي هو مأساة ياما.. «ألوان أجنحتي تتطاير كلما لمع اسم فاوست أمامي». وتكون لعبتها هي الأسماء، بأن تجعل لكل شخصية مسرودة اسمين أحدهما حقيقي والآخر تخترعه هي.. والسبب:
أولا: انشطارها ما بين عالمين، واقعي وافتراضي فهي ياما وماريا ومايا ومارياما وتسمي فادي فاوست وتسمي أمها فرجينيا وأخوها نعمان رايان.
ثانيا: تعبيرها عن تراجيديا الموت التي تعيشها في ظل الحرب التي هي الوحش المرعب لها.
ثالثا: إن الفيسبوك هو مأساتها التي تجعلها مندفعة للتفكير في التخفي والتنصت..
وسيكون الفيسبوك هو مملكة الفراشة الذي فيه هلاك البطلة، ولكن فيه تتحقق رغبتها في البوح والتعبير اللامتداري… لتغدو الرواية ناقمة على الواقعية باللاواقعية وداعية إلى المثالية كي ترى الجمال بهذا الامتداد الافلاطوني ما بين الواقع والافتراض.
وفي رواية «أنثى افتراضية» يراهن فادي الخضير على الفيسبوك، سواء في توظيف الإيقونات والإشارات أو في التمويه بالرمز والغموض.
وينشطر البطل بين عالمين واقعي وآخر افتراضي، ضمن لعبة الأسماء أيضا فاسمه الواقعي ربيع والافتراضي زاهر محمود، واسم الأنثى الواقعي ميسون والافتراضي سناء. ويتولى السارد الموضوعي مهمة الحكي بضمير الغائب تارة، وقد يستعمل ضمير المخاطب للمؤنث أو المذكر تارة أخرى، كنوع من الكتابة المقولبة لدور القارئ، بغية جعله مشاركا في الحدث السردي. ومأساة البطل تتمثل في تابعيته للمؤنث، وهذا ما يجعل الرؤية السايكولوجية طاغية، باستعمال طريقة التداعي الحر «هواجس الأنثى الشرقية كانت هواجسها، تعالت في فكرها مخاوف الإيقاع بها، وكان شبح الاستدراج حاضرا في مشهد أفكارها». ويكون عنوان الفصل الأول «غارة عاطفية» مناورة افتراضية تتداعى عبرها الأفكار والمونولوجات «أخشى أن تكون روحك وطنا نسويا بامتياز لا تنتمي إليه سوى نساء».
وعلى الرغم من توظيف الرؤية الأحادية باستعمال السرد الموضوعي؛ إلا إن المنظور كان معبرا عن وجهة نظر الأنثى المقموعة، بما يجعل الرواية نسوية، شأنها شأن مملكة الفراشة، كونهما تجعلان من المؤنث موازيا للمذكر محتلا الصدارة والبطولة، بدليل أن الروائي المواج سمى الملف الافتراضي بـ«أنوثتي غير»، ويكون الصمت عالما واسعا يثير الشهوة والغرابة، مع توظيف المونولوغ والتزام قصدي بجعل الفيسبوك عاملا سرديا يتحكم في شكل الكتابة وحجمها ونوعية الخط، ضمن مسار افتراضي كنتيجة لحالة الانفصام أو الانشطار التي يعانيها البطل، مستعملا الصور والرسائل مع النكزات والأيقونات ومحرك بحث ولايكات إعجاب ووجوه تعبيرية صفراء وغير ذلك.
وتعكس استهلالات الفصول الشعرية نوعا من الإحساس بالتقويض الداخلي من جانب، والرغبة في الاندماج والتداخل من جانب آخر، لكن المفارقة التي تقلب المسار الرومانسي إلى مسار واقعي صادم تتضح في خاتمة الرواية حين يكتشف البطل أن أنثاه الافتراضية هي نفسها زوجته «قطعت على نفسها عهدا ألا تشرب فنجان قهوتها إلا مع نصفها الآخر، وعندما أرادت أن تشربه لهدف نبيل جاءت لتشربه مع نصفها الآخر في الوقت الخطأ في المكان الخطأ». وهنا يجد البطل ملاذه في العالم الافتراضي مجددا، فيتقوقع فيه جاعلا من نفسه سرابا «أحرص على أن ترتبط بأنثى كل ما يشغلها عنك المسافة التي تفصلك عنها، أما أنا فلا أريد أن أظل سرابا تطارده بدون أن تروى أو أورى لأنه فعلا لاهب حيث الأذى».
تماما كما كانت بطلة «مملكة الفراشة» سرابا حين احترقت أجنحتها وتماهت في الوجود حرة لتكون هذه الرواية هي النص الغائب للنص الحاضر، الذي هو رواية «أنثى افتراضية» وفي شكل تناص سردي موضوعه الفيسبوك ومسروده وسارده هــــو المؤنث.

٭ ناقدة وأكاديمية عراقية

الفيسبوك والبناء الفني في «مملكة الفراشة» و«أنثى افتراضية»

نادية هناوي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية