الثورات العربية: من الخوذة الى الحذاء العسكري!

حجم الخط
0

زعموا أن العرب عاشوا على امتداد السنوات الثلاث الأخيرة ثورات حرية أسموها ‘ربيعا عربيا’ تيمنا بتجارب ثورات خاضتها كثير من الشعوب. ولأن اسم الربيع لم يكف كثيرين فقد حاولوا ابتداع مسميات أخرى كثورة الياسمين وغيرها. كانت بدايات الوهم يوم الرابع عشر من ديسمبر 2010 حين استيقظ التونسيون على مفاجأة قيامهم بثورة ناجحة أسقطت زين العابدين بنعلي، وهم الشعب الذي لم يتحدث أو يسمع من يتحدث عن ثورة أو خلافه على مدى أيام التظاهرات التي عرفها الجنوب التونسي. وكانت وقفة واحدة لساعات امام وزارة الداخلية كافية ليسقط الديكتاتور والنظام البوليسي الذي بناه لبنة لبنة بعد ان امتنع الجيش التونسي عن قمع التظاهرات وتفريقها. قيل وقتها ان الجيش الوطني انحاز للشعب. عاش الجيش!
انتقلت العدوى إلى مصر يوم عيد الشرطة في الخامس والعشرين من يناير التي سقطت (أي الشرطة) بعدها بثلاثة أيام في غزوة حرق مقرات الأمن وقتل الضباط والمجندين ليسقط معها مبارك ويغادر إلى شرم الشيخ مسلما أمانة قيادة البلاد إلى المجلس العسكري. لقد انحاز الجيش هنا أيضا للشعب في مفارقة غريبة. وقتها جف حلق المصريين وهم يرددون شعارهم الخالد الجيش والشعب يد واحدة. عاش طنطاوي وعنان!
في ليبيا الجماهير، تحولت الثورة منذ بداياتها إلى عمل مسلح أفرزت كتائب تدين بالولاء لمموليها من الخارج بالسلاح والعتاد، ولم يكن الأمر لينتهي بالقذافي قتيلا إلا بدعم قوات الناتو وتدخلها المباشر في العمليات العسكرية. عاشت الكتائب المسلحة وعاش الناتو!
في اليمن، اعتصم من لقبوا بشباب الثورة في العاصمة صنعاء وهم يحظون بحماية مدرعات الجيش بزعامة اللواء الركن علي محسن الأحمر، قائد الفرقة الأولى مدرع وقتها ومستشار الرئيس الحالي. ولولا هذه الحماية لما تمكن المعتصمون من الصمود شهورا. وفي الأخير قبل الثوار بتولية الفريق الركن عبد ربه هادي رئيساً للبلاد مكان عسكري أخر اسمه علي عبدالله صالح. عاش الفريق الركن!
في سورية، رفض الجيش التخلي عن النظام البعثي ورئيسه بشار فأسس الثوار جيشا أسموه الجيش السوري الحر المقاتل بجانب جماعات تكفيرية تعددت أسماؤها وولاءاتها فلازم الفشل الثوار وجعل ثورتهم تراوح مكانها رغم كل الدعم الغربي والعربي المستتر منه قبل المعلن.
من المسلم به أن ليس هناك من جيش ثائر أو مساند للثوار. لتدخل الجيوش مسمى واحد هو الانقلاب على النظام القائم شرعيا كان أو غير شرعي. وكل من يتباكى، هذه الأيام، على ما آلت اليه الأوضاع بمصر وما قد تؤول إليه في بقية بلدان ذلك الشيء المسمى ‘ربيعا عربيا’ فهو واهم. تدخل الجيش في كل ما عرفته المنطقة العربية في السنوات الثلاث الأخيرة انقلابات اختلفت أشكالها لكنها توحدت في الرضوخ لرغبة القبعة العسكرية أو الريادة أو الحذاء. لم يختلف الأمر نهائيا في الثلاثين من يونيو بمصر غير أن المواقع هي التي تبدلت فحاول البعض اللعب على المسميات لكنها أبت إلا أن تبقى راسخة في الأذهان لفضح كل المؤامرات التي حيكت على هذه الشعوب المغلوبة باسم العيش والحرية والعدالة الاجتماعية. الانقلابيون كانوا في الحكم ولا يزالون، لكن تحالفاتهم هي التي شابها بعض من التغيير فصار المسبحون بحمدهم آناء الليل والنهار بالأمس يتقمصون دور الضحية اليوم منددين بسطوة العسكر ورافعين الشعار البديل: يسقط يسقط حكم العسكر!
وعلى الجانب المقابل عادت كل ‘رموز’ العهد السابق والمؤلفة قلوبهم إلى الواجهة تصول وتجول في الفضائيات معلنة نهاية الاستبداد وبداية مرحلة محاربة الإرهاب. والإرهابيون، ويا للمفارقة، هم ذاتهم من كانوا يحتلون نفس الكراسي داخل نفس الاستوديوهات ينفتون نفس السموم الفكرية في أدمغة مدمني برامج ‘التوك شو’.
الكراكيز تتغير والماسك بزمام أمور التحريك نفسه يلاعبها كيف يشاء ويوجه معها الرأي العام حيث يشاء. وكل ذلك باسم الشعب الذي يريد.. أما زلتم تذكرون هذا الشعار؟ الحقيقة أنه الجيش الذي يريد وهو فعال لما يريد، وقد أراد ولا يزال يختار حلفاءه و سدنته حسب متطلبات المرحلة ولو إلى حين.

[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية