النفاق الأوروبي – تعجبك أقوالهم وتتعجب من أفعالهم

في ذكرى مئوية وعد بلفور الذي أسفر عن تدمير وطن وتشتيت شعب، شاركت هذا الأسبوع في مؤتمر أوروبي في العاصمة البلجيكية بروكسل، هو الأول من نوعه حول مناهضة الاستيطان الإسرائيلي، ودعم نضال الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وبناء دولته المستقلة، وتوسيع حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (بي دي إس) في القارة الأوروبية، نظمته لجنة الصداقة الفلسطينية البلجيكية بالتعاون مع دائرة شؤون المغتربين التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية.
شارك في المؤتمر نحو 150 شخصية أوروبية، من بينهم عدد مهم من أبناء الجاليات الفلسطينية والعربية في أوروبا. وما يتكشف أمام المشارك في هذا المؤتمر بكل وضوح وبعد الاستماع إلى المداخلات الرصينة والموثقة، أن أوروبا على المستوى الرسمي تمارس النفاق في أبشع صوره. فمن جهة تعلن بأنها تعارض الاستيطان وتعتبره غير شرعي وعقبة في طريق السلام، ومن جهة ثانية تدعي أنها ملتزمة بالقانون الدولي وحقوق الإنسان ومكافحة التمييز ومساءلة المجرمين، لكن الأمور تتغير عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، حيث تتغير اللغة المباشرة لتحل مكانها لغة غامضة مواربة لا تفهم منها أين موقفهم الحقيقي. يؤيدون بالكلام قيام دولة فلسطينية وعند التصويت عام 2012 على رفع مستوى التمثيل الفلسطيني إلى دولة «مراقب»، ينتظمون في صف واحد ويصوتون بـ»امتناع»، حتى فرنسا صوتت لصالح قرار اليونسكو بقبول فلسطين دولة كاملة العضوية عام 2011 وعادت وصوتت بـ»امتناع» عند قرار رفع التمثيل في الجمعية العامة. وسأتعرض لثلاث مسائل حول النفاق الأوروبي:
المعاملات التجارية مع الاستيطان
في عام 1995 وقعت المفوضية الأوروبية اتفاقية تجارية مع إسرائيل تدعى «اتفاقية الشراكة». وبموجب الاتفاقية تعامل إسرائيل وبضائعها معاملة مفضلة وتعفى مستورداتها من الجمارك. لم تتطرق الاتفاقية مباشرة إلى الاستيطان، وكأنه غير موجود، لكن نص البند الثاني في الاتفاقية على أن العلاقات بين الأطراف وبنود هذه الاتفاقية مبنية «على أساس احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية». تحفز حينها المجتمع المدني الناشط في أوروبا وبدأ يعبئ الرأي العام ضد الاتفاقية على أنها ساومت على حقوق الشعب الفلسطيني. وتحت الضغط أصدرت المفوضية بيانا عام 1998 يشير إلى «أن هناك شكوكا بأن إسرائيل في حالة انتهاك لبنود الاتفاقية» بدون أن يلحق بالبيان أي إجراء عملي أو تهديد أو الدعوة لإعادة النظر بالاتفاقية. قام المجتمع المدني عندها برفع القضية إلى محكمة العدل الأوروبية، لإثبات أن إسرائيل لم تلتزم بالاتفاقية، وأنها في حالة انتهاك لحقوق الإنسان، خاصة أن بضائع المستوطنات بدأت تنتشر في الأسواق الأوروبية تحت إشارة «صنع في إسرائيل». أصدرت المحكمة عام 2010 قرارا رخوا يقول «إن بضائع المستوطنات لا ينطبق عليها قانون الأفضلية».
إسرائيل اعتبرت القرار لا قيمة له وردت بجملة بسيطة، أن البضائع المصدرة لأوروبا ليست من إنتاج المستوطنات لذلك لن تلتزم بهذا القرار. الضغط الشعبي لم يتوقف لأن قرار المحكمة انتهى إلى الإهمال. وتحت مواصلة التعبئة الشعبية اتخذ البرلمان الأوروبي قرارا عام 2015 بضرورة تمييز بضائع المستوطنات عن تلك المنتجة في إسرائيل. ودعا إلى وضع إشارة واضحة على كل سلعة تقول «صنع في المستوطنات الإسرائيلية». فاتهمت إسرائيل البرلمان بالعنصرية ومعاداة إسرائيل. وقد أرفق الاتحاد الأوروبي مذكرة توضيح لاتخاذ هذا القرار تؤكد «أن الاتحاد الأوروبي، التزاما بالقانون الدولي، لا يعترف بالسيادة الإسرائيلية على الأراضي التي احتلت عام 1967». النفاق هنا واضح، فما دامت هذه المواد المستوردة، خاصة من الفواكه والخضروات والزهور والتوابل من إنتاج المستوطنات، والمستوطنات غير شرعية حسب التعريف الأوروبي، إذن لماذا يتم استيرادها أصلا؟ كم من المتسوقين يدقق في هذه الملصقات المكتوبة بخطوط صغيرة ليتأكد من أين جاءت؟ لقد بلغت قيمة المستوردات الأوروبية السنوية من المستوطنات من الخضروات والفواكه فقط، ما قيمته 300 مليون دولار وهو ما يعادل سبعة عشر ضعفا عما تستورده أوروبا من الأراضي الفلسطينية المحتلة بكاملها. وهكذا تعطي أوروبا الرسمية الفلسطينيين وعودا ومواقف جوفاء وتدعم عمليا المستوطنات ومنتجاتها.
القانون الدولي والاستيطان
لا تختلف دول الاتحاد الأوروبي على أن الاستيطان بكافة أشكاله غير شرعي. وتقر أوروبا أن إسرائيل وضعت يدها على المنطقة «جيم» بالكامل، التي تشكل 60% من أراضي الضفة الغربية. وخصصت إسرائيل نحو 68% من مناطق «جيم» لبناء المستوطنات بينما خصصت 1% فقط للفلسطينيين. وأوروبا تعرف أن استخدام هذه الأراضي المحتلة للأغراض الزراعية وسرقة مياهها الجوفية يتواكب مع حرمان الفلسطينيين من استغلال أراضيهم والاستفادة من مياههم، حيث يخسر الفلسطينيون ما يزيد عن خمسمئة مليون دولار، نتيجة حرمانهم من استغلال أراضي الغور الزراعية. ليس هذا فحسب، بل تشترك أوروبا مع إسرائيل في أكثر من 205 مشاريع للسنوات الثلاث المقبلة. وكثير من هذه المشاريع تتعلق بالمستوطنات أو تشرف عليها شركات إسرائيلية تعمل في المستوطنات. وتقوم البنوك الأوروبية والإسرائيلية بتقديم قروض أو ضمانات قروض لمشاريع تقام داخل المستوطنات. وقد أدرج أحد المتحدثين الفرنسيين في المؤتمر المذكور العديد من البنوك الفرنسية التي تتعامل إما مباشرة مع المستوطنات أو عن طريق بنوك إسرائيلية، تقوم بإيصال الأموال أو القروض الأوروبية للمستوطنات. أوروبا هي الشريك التجاري الأول لإسرائيل إذ فاقت قيمة الواردات الإسرائيلية مبلغ 36 مليار دولار سنويا. يذهب منها جزء ولو صغير للمستوطنات.
النفاق الذي تتقنه أوروبا في محاولة التحايل على موضوع لا شرعية الاستيطان مفضوح وموثق ولا ينطلي على أحد. ونود أن نطرح الأسئلة المنطقية التالية: هل جاء الاستيطان من الفراغ؟ أليست إسرائيل هي من باشر بالاستيطان وما زالت؟ هل توقف الاستيطان ليوم واحد منذ الاحتلال ؟ من يمول الاستيطان ومن يحمي المستوطنات؟ ومن يصادر الأراضي التي تقام عليها المستوطنات؟ ومن يعد البنى التحتية للمستوطنات من ماء وكهرباء ومواصلات، ومن يسلح المستوطنين؟ والجواب واحد عن كل الأسئلة. إذن كيف نترك الذئب الذي نراه أمام عيوننا ثم نحاول أن نقتفي أثره؟
إسرائيل وعضوية مجلس الأمن
النفاق الأوروبي يتجلى أكثر في الادعاء بأن القارة ملتزمة بالقانون الدولي وتصرخ في وجه الدول التي تنتهك القانون الدولي، إلا عندما يتعلق الأمر بإسرائيل فتلك حكاية أخرى، علما بأن إسرائيل هي الدولة الأكثر انتهاكا للقانون الدولي في تاريخ البشرية جمعاء. ضمت مجموعة «دول أوروبا الغربية ودول أخرى» إسرائيل إلى عضويتها عام 2000 بشكل مؤقت ليصبح عدد المجموعة 27 دولة، بما فيها كندا وأستراليا ونيوزيلندا، لكن المؤقت أصبح دائما واستقرت إسرائيل في هذه المجموعة، ثم ما لبثت المجموعة نفسها في جنيف، أن ضمت إسرائيل إلى عضويتها عام 2013 وبالتالي رفعت كل القيود التي كانت تمنع إسرائيل من الترشح والترشيح في كل منظومة الأمم المتحدة. وبعد ذلك بدأت إسرائيل بالترشح بدعم من المجموعة فانتخبت نائبا لرئيس الجمعية العامة عدة مرات، بما فيها الدورة الحالية، وانتخبت نائبا للجنة الرابعة 2014 وعضوا في لجنة الاستخدام السلمي للفضاء الخارجي 2015 ورئيسا للجنة السادسة (القانونية) 2016. وأود أن أنبه المعنيين بالأمر إلى أن إسرائيل تعمل بدأب وسرية وبدعم من الولايات المتحدة لإقناع المجموعة الأوروبية للترشح لمقعد في مجلس الأمن لعامي 2019 و2020. الأمور ليست واضحة تماما لغاية الآن لأن هناك مرشحين أوروبيين للمقعدين (السويد وهولندا) وبدون أن ينسحب أحد المرشحين فليس هناك حظ لإسرائيل بالفوز. أما إذا نجحت الولايات المتحدة وأصدقاء إسرائيل في المجموعة الأوروبية مثل، ألمانيا بإقناع هولندا بالانسحاب لصالح إسرائيل فسيرى العالم مهزلة لا مثيل لها عندما تجلس إسرائيل في مجلس الأمن لصنع سلام في العالم، وهي تحتل دولة منذ أكثر من 52 سنة (آنذاك) وتنتهك القانون الدولي حتى في وجودها. فماذ سيبقى من مصداقية للأمم المتحدة؟
لا يستغربن أحد إذا حدث هذا بفضل نفاق الأوروبيين. فهم على الورق ضد الاحتلال ويقيمون أوثق العلاقات مع الدولة المحتلة، وهم على الورق ضد الاستيطان ويدعمون منتجات المستوطنات، وهم على الورق يقفون مع القانون الدولي ويدعمون الدولة الأكثر انتهاكا للقانون الدولي لانتخابها في أجهزة الأمم المتحدة، فما الذي يمنع بلاد النفاق التي أنشأت إسرائيل ودعمتها منذ قرن من الزمان أن تتفق على ترشيح إسرائيل لعضوية مجلس الأمن غير الدائمة، خاصة في ظل الوضع العربي المزري في الوقت الحاضر؟
محاضر بمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز بولاية نيوجرسي

النفاق الأوروبي – تعجبك أقوالهم وتتعجب من أفعالهم

د. عبد الحميد صيام

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية