ما يزال كثير من الدراسات الأدبية الجامعية في البلاد العربية، يعنى كلما تعلق الأمر بكاتب أو شاعر، بتتبع نسبه وسيرته وألوان مزاجه، وثقافته وثقافة مجتمعه؛ وتجعلها من مستلزمات فهم أدبه. وهذا منحى قد يكون سائغا مقبولا، إذ لا يمكن أن ننكر أنه خلف كل نظام أدبي، يختفي نظام ثقافي ما. ومن ثمة يكون من حق الناقد أن يُفيد من هذا كله في إضاءة النص، والقراءة التي تجري في مداره. ولكن هل من حقه أن يتدخل في النص، كأنْ يصوب خطأ، أو يعدل جملة، أو يصلح إيقاعا؟
أقدر أن كثيرا منا سيعترض على هذا التدخل، حِفاظا منه على «نقاء النص» كما أداه صاحبه؛ باعتباره نوعا ثابتا ينبغي أن لا يمتزج بلغة غيره؛ أو لأن ما يعد «خطأ» أو «مخالفة» أو «تقصيرا» من الكاتب أو الشاعر؛ ليس إلا حرْف قاعدة أو عدول عنها، أو ضرورة من ضرورات الكتابة.
على أن أسلافنا كان لهم رأي آخر، فقد أجازوا كما أبين في ما يأتي من المقال، للقارئ أو الراوية أن يعمل قلمه في نص الشاعر؛ لأسباب لا يمكن أن أستوفيها حقها في هذا الحيز. ولكني أشير إلى بعضها، فمنذ أن تقوضت صورةُ «الشاعر» الجاهليةُ، مع الحدث القرآني، وحلت محلها صورة «الصانع»؛ دأب القدامى على تجريد كلمة «شاعر» من محمولها الجاهلي، وما علق بها من «مفهوم» أسطوري للشعر أو «قرآن إبليس» بعبارة أبي العلاء في رسالة الغفران. وصار الشعر صناعة أو علما يكتسب بالخبرة والدربة والمراس، وكلاما بائنا عن الوحي. وصار الشاعر صانعا، مادة صناعته اللغة. وهذه اللغة هي التي تثبت الصناعة وتهبها صلابة، أي تضفي عليها هيئة في حيز اللغة نفسها.
ويجري ذلك على طريقتين لا نخالهما تحتاجان منا إلى فضل إبانة أو تحقيق: إحداهما أن اللغة هي التي تسمي «المصنوع» أي هذا «الشعر» مثلما تسمي كل ما يفسر ويتأول أي هذا «النقد».
والأخرى أن اللغة أصل في الصناعات كلها، وبها وفيها يرتبط المصنوع بنظامه. وربما التزم «الشاعر الصانع» في هذه الصناعة طريقة أسلافه، وربما حرَفها. ولكنه في هذا أو ذاك إنما يغير نظام الأشياء، وقد يقطع صلة أشبه بصلة الرحم، أو يخل بقانون أو بقاعدة. وهذا ما جعلهم يجمعون في نسخ الدواوين وشرحها بين النص والقراءة ، لأسباب من أظهرها أن النص هو دائما مقروء أو مفسر. وهو لا يملك حياته الخاصة ولا سلطته المرجعية، إلا متصلا بأفهام قرائه.
والقراءة من حيث هي دمج الوعي الشخصي بمجرى النص، أو من حيث هي سلطة معرفية ترتب علائق تبادل التأثير بين النص ومتلقيه، هي التي تعضد النص، بل لعلها أن تضفي عليه سمة الوجود، وتخرجه إلى الكثرة والعدد. وكان أن اصطنعوا مرتكزاتهم ومناهجهم النقدية في ظل هذه النصوص، خاصة «التأسيسية» منها، وتوسعوا ما أمكن في فحص تركيب الكلام، ولم يقفوا في منعطف دون آخر من منعطفاته ؛ وإنما تتبعوه في أنظمته الصوتية والإيقاعية والصرفية والنحوية والبلاغية. ولم يوردوا شاهدا من الشعر إلا نظروا في مختلف رواياته، ورجحوا بعضا، ورمموا بعضا؛ بدون تهيب من سائد أو خشية.
إن القصيدة العربية القديمة نص «متراكب» يصنعه الشاعر والراوية أو الشارح أو الناسخ كلاهما. وقد يتلابس الصنيعان في أبيات غير قليلة، حتى ليستعصي تمييز الفروق الدقيقة والظلال الخفية فيهما، أو إظهار تواشجهما واشتباكهما. فالشارح لا ينقل القصيدة أو يستظهرها وينشدها وحسب، وإنما له أن يتعهدها ويقومها ويهذبها أيضا.
يقول المرزباني نقلا عن الأصمعي: قرأت على خلف شعر جرير، فلما بلغت قوله:
ويــومٍ كإبهـام القطاة محببٍ / إليّ هواه، غالب لـي باطلُه
رزقنا به الصيد الغرير ولم نكن / كمن نبله محرومة وحبائلُـه
فَيالكَ يـــوما خيره قبل شره / تغيبَ واشيهِ وأقْصرَ عاذلـُه
فقال: ويله وما ينفعه خير يئُولُ إلى شر؟ قلت له: هكذا قرأته على أبي عمرو فقال لي: صدقت، وكذا قاله جرير، وكان قليل التنقيح مشرد الألفاظ، وما كان أبو عمرو ليقرئك إلا كما سمع فقلت: فكيف كان يجب أن يقول؟ قال: الأجود له لو قال: «فيا لك يوما خيره دون شره»، فاروه هكذا، فقد كانت الرواة قديما تصلح من أشعار القدماء فقلت: والله لا أرويه بعد هذا إلا هكذا».
و يروي أبو الفرج في «الأغاني» عن شيخ من هذيل أنه دخل على رواة الفرزدق (هكذا بصيغة الجمع)، فوجدهم «يعدلون ما انحرف من شعره» وعلى رواة جرير فإذا هم «يقومون ما انحرف من شعره وما فيه من السناد».
ويقول قدامة : ومن عيوب المعاني فساد المقابلات.. وللعدول عن هذا العيب غير الرواة قول امرئ القيس:
فلو أنها نفس تموت سوية / ولكنها نفس تَساقطُ أنفسَا
فأبدلوا مكان «سوية» «جميعة»، لأنها في مقابلة تساقط أنفسا – أليق من سوية.
ففي هذه الأمثلة القليلة وفي غيرها وهو كثير، ما يفيدنا في إدراك الصلة التي وشج القدماء بين فن الشعر وفن روايته، وبين «ما ينبغي قوله» و»ما لا ينبغي قوله» كلما كان في البيت تعارض بين مقتضى القول ومقوله. وعلى مثل هذه الهيئة في تعهد النص وتقويمه حتى يجري أمره على الجادة التي أرادوا، وإلى الغاية التي نصبوا، كانت تستوي صنعة الشعر وتطرد أحكامها.
ولكن إذا كان من الشعراء من سوغ للراوية أن يقوم من شعره مقام المصلح، وأشرعه على هذا الطريق النافذ إلى حمل القصيدة أو أبيات منها حملا ثانيا، فإن منهم من كان يتحوط لنصه بالكتابة، حتى لا يختل ضبطه وحفظه ولا يعروه شيء من مخالفة الأصل. ففيما يقول تميم بن مقبل: «إني لأرسل البيوت عُوجا فتأتي الرواة بها قد أقامتها»، يقول ذو الرمة: «أكتب شعري فالكتابُ [الكتابة] أعجب إليّ من الحفظ، لأن الأعرابي ينسى الكلمة قد تعبت في طلبها ليلة. فيضع في موضعها كلمة في وزنها، ثم ينشدها الناس، والكتاب لا ينسى ولا يبدل كلاما بكلام». ويروى عنه أنه قال لعيسي بن عمر: «أنت والله أعجب إليّ من هؤلاء الأعراب، أنت تكتب وتؤدي ما تسمع؛ وهؤلاء يهون على أحدهم وقد نحته من جبل أن يجيء به على غير وجهه». وقد نتعجل ونحن أحوج ما نكون في هذا الموضوع الشائك، إلى التوقف والتثبت؛ فنستنتج من هذه الأخبار وأشباهها، مما هو مبثوث مفرق في مصنفات الأدب وكتب الأخبار والتراجم والسير، أن الرواية والكتابة عند العرب قطبان سالبان متدافعان. وقد نسترسل إلى هذا الاستنتاج، ونسلم به تسليما، فنتخذ منه مناطا وعلة لتشريع كلام فيه سعة وتعميم، على «شفوية الشعرية العربية» وعلى ما نشأ عنها من معايير وقواعد في تحمل القصيدة وأدائها وشرحها. وهذا استنتاج قد لا ينهض له سند في ثقافة العرب، خاصة الإسلامي منه، وقد لا يترجح، بناءُ أحكام قاطعة عليه. فهذا الفن فن رواية الشعر هو عند العرب ميدان للبحث مضلل، يكاد لا يسلمنا إلى شيء من اليقين القاطع والقول الفصل. فقد نشأ في ثقافة الجاهلية وكان قُصاراه الحمل الأدبي المحض، ثم توارثه العرب المسلمون، فخالطته أمشاج من أنظمة وانساق معرفية ترجع إلى نوع من «التناسب الوضعي التوالدي» الذي كان رابطا بين شتى الفنون والعلوم في وحدة الثقافة العربية. وربما أشكل علينا أمره، واشتبه، بسبب من هذا التناسب، ما لم نتميز رواسمه وعلاماته متجاذبة، حيث هي تتجاذب، ومتدافعة حيث هي تتدافع.
لنقل إذن إنه بميسور القارئ المتمكن أن يرأب صدعا في نص القصائد، ويسد ثلمة. ومن حقه أن يهمل رواية مجهولة ويسترسل إلى أخرى منسوبة موثقة، وقد ينحي الضعيفة ويبقي الأقوى فيفترض عليها شتى الافتراضات، ويثق بعض الثقة من أن أمورها تسير على أصول من المنطق والتعليل. على أنه حتى في هذه الحال لن يظفر إلا بنص قلق. وليس لنا إزاء ذلك إلا أن نتقبل النص كما صنعه صاحبه، لكن شريطة أن نصوب ونعدل ونحذف ونصلح.
هل من حقنا اليوم أن نعود إلى نصوص كبار شعرائنا المعاصرين، و»عليها»، فنقوّمها ونصوب ما شاب بعضها من أخطاء لغوية، هي ليست قط من ضرورات الشعر، ولا من جوازاته؛ وقد تكون سهوا منهم. وبعضها يخل بالمعنى إخلالا معيبا؟
٭ كاتب تونسي
منصف الوهايبي