جاهة نيابية لتأبين إصلاح متعثر

انشغلت الأردن في الفترة الماضية بجاهة نيابية تتعلق بإثناء أحد المرشحين عن منصب نائب رئيس مجلس النواب، وأثارت هذه الواقعة انتقادات حادة لما مثلته من تسوية ذات طابع عشائري لقضية سياسية، وتبين للأردنيين أن المجلس لا يستطيع أن يخوض في إرساء الإصلاح السياسي، ولا الاستجابة لمتطلباته، وأنه مرتهن وبشدة لممارسات رجعية عادت لتطفو على السطح وتتحول إلى ظاهرة مقلقة.
الجاهة لمن لا يعرفون العادات في الأردن، هي إحدى وسائل تسوية الأمور في المجتمع العشائري من الزواج وحتى جرائم القتل، وتعتمد فكرتها على توجه عشرات من الرجال يتزعمهم بعض الشخصيات ذات المكانة الاجتماعية لإقناع الطرف الآخر، أو استرضائه أو إحراجه من أجل القبول بطلب معين تحمله هذه الجاهة، ومن المفهوم أن تتفاخر الفتيات اللواتي يخرجن للتو من سن المراهقة بالجاهة التي تقدم لطلبهن للزواج، وأن يحرجن الأزواج المستقبليين بطلباتهن حول مواصفات الجاهة، ويحدث أن تقف الفتاة في شرفة المنزل مع صديقاتها ليقمن بإحصاء عدد السيارات التي تأتي لطلبها للزواج، ويختلف الأمر حسب الطبقة الاجتماعية، فبينما يمكن لبعض العائلات أن تحصل على شخصية دسمة، مثل رئيس وزراء سابق أو وزير متقاعد لتزعم الجاهة، فإن كثيرين يكتفون بمدير مدرسة أو رئيس مخفر سابق، وتكاد تنطبق هذه الأمور على حالات طلب العفو في القتل الخطأ ومؤخراً العمد أيضاً.
الفقرة التي تقدمت تشرح بعضاً من طقوس الجاهة، وهي بالطبع لا يمكن أن تنطبق على السياسة، ولا أن تجد موقعاً لدى الجهة التشريعية والرقابية الأعلى في الأردن، ولاسيما أن الجاهة كما يتضح مبدئياً وجوهرياً، تعتبر أحد وسائل التعامل خارج القانون، ومع ذلك، فالمشهد الذي تناقلته وسائل الإعلام في فيديو جرى إعداده ليحفل بالاستعراضية والتكلف، يدلل بأن بعضاً، أو كثيراً، من أعضاء البرلمان الأردني لا يملكون أفقاً أوسع من فتاة خرجت للتو من مرحلة المراهقة.
يعكس المجلس في حالته الراهنة طبيعة المجتمع الأردني وممارساته، ومع نجاح النواب في المحافظة على ماء وجه زميلهم، يهدرون ومن دون رمشة عين ماء وجه الأردن، الذي يحاول أن ينطلق تجاه مرحلة جديدة من التحديث، ويظهر بالطبع تهالك نخبته السياسية لتتواضع في صورة مجموعة من المقاولين، وليس رجال الأعمال للأسف الذين لا يجدون مكانهم في مجلس يمكن أن يعتبر مضيعة للوقت، إذا كانت طريقة تفكيره على هذه الشاكلة، ومعهم مجموعة أخرى من الباحثين عن (الجاه) من الأثرياء غير العمليين، الذين تشكلت ثرواتهم في إطار الاقتصاد الريعي وطفراته.
أما السياسيون فيجلسون إلى طاولات صغيرة في ما تسمى بالمكاتب السياسية لأحزاب وجدت صعوبة كبيرة في استقطاب أعضائها، ونسبة كبيرة منهم تشكل أقارب أعضاء المكاتب السياسية واللجان المركزية.
يتحمل مسؤولية هذه الوضعية تدخل الأجهزة الأمنية في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي في ترسيم الحراك الاجتماعي الأردني، والبدعة التي جعلتها تتدخل في قرارات تعيين الحكومة وحتى مؤسسات القطاع الخاص تحت ذريعة ما يسمى بحسن السلوك، الذي كان يعني ضمناً عدم الانخراط في أي عمل سياسي لا يتفق مع توجهات الدولة، أو عدم الالتحاق بأي مبادرة سياسية من باب الحض على السير بجانب الحائط، وترك الكعكة بالكامل للمشتغلين في هذه الأجهزة، التي قدمت أكثر من رئيس للوزراء وعشرات الوزراء لاحقاً، وصحيح أن هذه الممارسات توقفت في عهد الملك عبد الله الثاني، إلا أنه لم يحدث تغيير جوهري في شكل النخبة السياسية التي تكونت أصلاً في مرحلة سابقة، وما زالت تخوض حرباً شرسة من أجل المحافظة على مواقعها، وتسعى لأن تجر الجميع لمعاركها الشخصية، وحتى عندما يشهد الأردن نزعة غير مسبوقة للنقد والتجريح الشخصي، كان تعبير الملك هو مجرد النقد المقابل، مندون إجراءات عقابية أو قمعية، إلا أن هذه الفئة من الساسة تحاول أن تحوط تصرفاتها غير المسؤولة بقوانين وتشريعات تجعلها فوق النقد والمساءلة.
وصفهم الملك بالديناصورات، ووضعوا تصريحاته في إطار الهجوم على العشائر، وهو الأمر غير الصحيح، فالنقد كان متوجهاً لمن يستغلون الثقل والعلاقات العشائرية في الحصول على مواقع سياسية متقدمة تعود عليهم بمنافع شخصية، وأثاروا تخوفات الشارع بأن البديل سيكون من أطلقوا عليهم (الديجتاليون) في الإشارة التي تيار الليبرالية الجديدة، الذي شهد صعوداً كبيراً أيضاً في مرحلة ما، والحقيقة أن التيارين المتنافسين اليوم لا يعبران عن الأردنيين، فالفريق الأول الذي يزعم تمثيله للبيروقراطية والدولة العميقة، ويتلاعب بالحديث عن الأمن والاستقرار، يمثل حرساً قديماً تجاوزه الزمن ووجد مكانه في حالة الخوف التي سادت أبناء الطبقات البسيطة من فقدان فرصهم في حالة العمل بالسياسة، ما جعل الطريق أمامهم ممهدة والملعب خالياً لعقود من الزمن. والفريق الثاني أخذ يهبط مظلياً في مساحات أخرى من الفراغ التي تشكلت أثناء عصر التجريف السياسي.
كان المشهد عبثياً ووجده البعض مسلياً، وربما كان يمثل نكتة سمجة في كل تفاصيله المزعجة التي أظهرت جزءاً من الضحالة والركاكة التي تتسيد المشهد السياسي العام، وللأسف، كان مشهداً مرعباً أيضاً، فهذه النخبة التي وجدت مكانها على المقاعد الوثيرة في منزل النائب، الذي قصدته الجاهة لا يمكن التعويل عليها في ظل فاتورة من التحديات السياسية التي اقترب طرحها على الأردن، في منطقة برسم الحرب والصفقات المشبوهة في كواليس لعبة الأمم، وإذا كانت الجاهة طريقة ناجعة لتسوية الأمور محلياً، فربما لم يشهد التاريخ تطبيق هذه المسألة على المستوى الدولي، وإلا لنجحت جاهات كثيرة حاولت أن تثني صدام حسين عن مغامرته الانتحارية في الكويت.
انتخب بعض الأردنيين المجلس، ونسبة المشاركة في الانتخابات تدلل على أن المجلس يعبر عن حالة من اليأس في إصلاح الوضع السياسي، ويسعى النواب لتكميم الأفواه وضرب الديمقراطية في أحد أهم أسسها، المتمثل في حرية التعبير، ومع وجود مؤشرات لجملة من الإجراءات القانونية في مرحلة التشريع، فإنهم يجدون أنفسهم غير مضطرين من الأساس للتفكير في نتائج تصرفاتهم أمام الناخبين، وكل تفكيرهم لا يبتعد عن منطق أغنية سميرة توفيق الشهيرة في الأردن وحده (حنا كبار البلد) متناسين أن قواعد الحراك الاجتماعي التي صعدت بهم لم تعد قائمة اليوم، وأن حربهم ضد الإصلاح والديمقراطية وسكناهم الفارهة في الماضي، لن تطيل في أمد تواجدهم في المشهد، وإن كانت ستستنزف الأردن والأردنيين وستزيد من الأعباء التي يتحملها الأردن، سواء اقتصادياً واجتماعياً.
كاتب أردني

جاهة نيابية لتأبين إصلاح متعثر

سامح المحاريق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية