ليسوا مهووسين كما في المخيال البريطاني… العنف التلفزيوني بين الأمانة التاريخيّة وحساسيات المتلقي

حجم الخط
2

 

عشيّة الاحتفال السنوي المعهود بإفشال محاولة غاي فوكيز ورفاقه تفجير مقر البرلمان البريطاني في ويستمنستر، أثار مسلسل درامي بريطاني جديد عرضَهُ التلفزيون البريطاني (بي بي سي) جدالات تكاد لا تنتهي بين المشاهدين والإعلاميين والمؤرخين والصحافيين، وتسبب بسيلٍ من الشكاوى إلى القناة والهيئة البريطانيّة المكلفة بمتابعة التزام القنوات التلفزيونيّة فيما تعرضه من مواد بأحكام القانون بوصفه يعرض مشاهد عنف تفصيلية تسببت بإثارة حساسيات الكثيرين.
(مؤامرة البارود) الذي يستعرض في حلقاته الثلاث خلفيّة المؤامرة التي دُبّرت بالفعل عام 1605 – والتي كانت أودَتْ لولا إخفاقِها بحياة كافة أعضاء مجلس اللوردات البريطاني وقتها – ويقدّم تصويراً نادرا للاضطهادات والتعذيب العنيف وأساليب القتل المؤلم التي تعرّض لها السكان البريطانيون الكاثوليك في تلك الفترة سواء من قبل جيرانهم أو من قبل السلطة الحاكمة، ويقترح نوعاً من صورةٍ متوازنة عن دوافع فوكيز ورفاقه للتآمر ضد رمز الحكم الملكي البريطاني بوصفهم أقرب أن يكونوا نوعاً من مقاومة مارسها المضطَهَدون، لا مجرد عصابة مجرمين مهووسين كما في المخيال الجمعي البريطاني.

صدمات عاطفيّة: أي تاريخ يطلبه المتلقون؟

ورغم اتفاق معظم النقاد وكذلك أغلبية عظمى من المشاهدين على الإشادة بالقيمة الدراميّة ل (مؤامرة البارود)، وأيضاً ارتياح الأقليّة الكاثوليكيّة في البلاد لتوازنه في استعراض تلك الفترة المظلمة من التاريخ البريطاني، فإن عديدين اشتكوا من صدمات عاطفيّة أصابتهم عند مشاهدتهم مقاطع تسجّل إعدامات بعض الضحايا ممن نكّلت بهم السلطات مع أن تلك المشاهد مستلهمة من أحداث حقيقيّة مسجلّة في مصادر تاريخيّة موثوقة ومتقاطعة. وكما هي عادة البريطانيين اليوم الانقسام حول كل شيء من البريكست إلى طريقة التهام الحلوى التقليديّة (السكونز)، فإن استطلاعاً للرأي أظهر أن 52% أحسّوا بأن مقاطع العنف كان مبالغاً بها بينما كان النصف الآخر متقبلاً لها دائماً في إطار السرد الدّرامي التسلسلي. واحتج آخرون على العمل بمجملهِ بوصفهِ يقدّم المسيحيين على أنّهم منقسمون فيما بينهم، ويفتح جروحاً ربما كان الأفضل لو أنها التئمت.
الواقع أن بعض تلك البصريات العنيفة كانت بالفعل مؤلمة، وربما اعتمدها منتجو العمل كأداةٍ لإكساب نوعٍ من التأثير المضاعف على المتلقي، كما هي حال معظم المنتجات الدراميّة اليوم. ومع ذلك، فإن صورة العنف المطروحة بدت بشكلٍ عامٍ مطابقة للأوصاف المسجلة التي بصمت تلك الفترة وتروي أحداثاً حقيقيّة من التاريخ البريطاني تعرضت فيه الأقليّة الكاثوليكيّة للاضطهاد من قبل السّلطات في فترة حكم الملك جيمس الأول بداية القرن السابع عشر لأسباب سياسيّة محضة بزعم الشكّ بولائهم للبابا في روما لا للملك في لندن، وأصبح أداء الطقوس الدينيّة وفق الطريقة الكاثوليكيّة كافياً بحد ذاته لتوجيه الاتهام بالخيانة – التي ليس لها عقاب إلا الموت الأليم -. وتكتمل الصورة إظلاماً عند التيقن بأن تلك السياسة الرسميّة للمجموعة المهيمنة على البلاد رافقها في ذات الوقت تأييد شعبي عارم، إذ كانت الإعدامات وقتها كما رياضة تتقاطر الجموع لحضورها في أجواء كارنفاليّة، وأن السلطات تفننت في تقديم أشكال متنوعة من الموت لإشباع حماس هؤلاء.

عن أي غاي فوكيز تتحدثون؟

اشتكى كثيرون من أن مشهد إعدام السيدة دروروثي في (مؤامرة البارود) كان جرعةً غير محتملة على مائدة الرؤية البصرية، إذ جُردت من ثيابها وسُحقت تحت الحجارة حتى ماتت. والواقع أن عقوبة (السحق حتى الموت) لمن يرفض الإقرار بخيانته وإعلان ولائه للبيت الملكي البريطاني كانت ممارسة واسعة استمرت عقوداً طويلة ولم تُلغى من القانون قبل عام 1772 بينما كان نُفذ آخر إعدام رسمي مسجل بهذي الطريقة عام 1741. لكن المسألة فيما يبدو تتجاوز موضوعة العنف البصري الشكليّة إلى صدمة على مستوى أعمق للمخيال الجمعي البريطاني الذي عاش عدة قرون متتابعة وهو يتغذى على بروبوغاندا الطبقة المهيمنة والتي تقدّم روايات منتقاة ومشغولة بدقة عن الأحداث التاريخيّة لتتناسب مع سرديّتهم الخاصة للتاريخ. وهكذا بقيت الأجيال المغيبة تحتفل سنوياً بعنجهيّة مفرطة لأكثر من 400 عام بحرق غاي فوكيز بوصفه شريراً تجرأ على التخطيط لنسف البرلمان، دون أن يعبأ الكثيرون بحقيقة الاضطهاد المؤلم وغير المبرر الذي كان ذلك المجلس النخبوي يُشرعه قوانيناً لملوك بريطانيا على مقاس أفكارهم السقيمة والمتطرفة ضد أبناء الشعب.
وهنا قد تجوز ربما التساؤلات عن الخيارات الصعبة التي يواجهها صانعو الدراما التاريخيّة بين ضرورة تقديم الحدث التاريخي بأمانة لتعكس وقائع الأمور، وفي ذات الوقت السير على ألغام حساسيّات المشاهدين المعاصرين وتابوهاتهم والذين في غالب الأحايين يريدون عنفاً مقنناً ناعما لا يؤرقهم عندما يهجعون إلى مخادعهم وسرديات ليست بصادمة لمخيالهم الجمعي. وحتى المتحدث باسم ال BBC بدا منزعجاً من الانتقادات ومدافعاً بحرارة عن الدقة التاريخيّة.

متى سيتحرر البريطانيون من
التاريخ الذي كتبه المنتصرون؟

والحقيقة أن غالبية الجمهور البريطاني تستمرأ تاريخها كما أملته عليهم الفئة المنتصرة، ولذا هم يريدون نتاجات تُظهر الأمة البريطانيّة موحدة على قلب رجل واحد ضد الطغاة، ونصيرة للحريّة والضعفاء، وملاذاً آمناً ضد الأشرار. وهكذا لا تكاد تخلو ليلة من البث التلفزيوني البريطاني أو عروض السينما من عمل يحتفل بمعركة «الطرف الأغر» أو «الأرامادا» أو انتصارات الإمبراطوريّة (عسكريّة وثقافيّة) عبر البحار أو أيّام المعركة الجويّة مع الألمان خلال الحرب العالمية الثانية أوعلى الأقل إدانة صريحة أو مبطنة للنازيين – كنقيض لبريطانيا الحريّة.

التاريخ المبستر والمؤدلج
لا يخدم المصالح؟

لكن هذا التاريخ المبستر والمؤدلج لا يخدم بالفعل مصالح الشعب البريطاني اليوم الذي تُوَجَهُ مشاعره الوطنيّة المفتعلة لتجديد الولاءات لذات النخبة التي تُنفق بلايين الجنيهات على الأسلحة النووية في وقت تتزايد أعداد المشردين في الشوارع، وتتراجع مداخيل الفقراء، وترتفع الضرائب ويتردى مستوى الخدمات العامة. وهي ذات المشاعر الموهومة التي تلاعب بها حزبيّون قصيرو النظر لوضع بريطانيا المعاصرة في مواجهة خاسرة حتماً مع الاتحاد الأوروبي من خلال (البريكست)، وهي ذاتها المشاعر التي تجعل حكومة جلالة الملكة تُفاخر وتحتفل بصلفٍ بمئوية وعد بلفور المشؤوم رغم كل ما تسبب به من آلام لشعوب الشرق الأوسط عبر قرن كامل، وأيضاً هي ذاتها المشاعر القابعة وراء تلك الرؤية المنفصمة لأحداث العالم التي تقدم ثورة 1917 الروسية على الإعلام الجماهيري البريطاني وكأنه مجرد انقلاب على القيصر، وهي ذاتها المشاعر التي تجعلُ وزارة الخارجيّة البريطانيّة – المتنتقلة من فشل ديبلوماسي لآخر في عهدة الوزير الحالي بوريس جونسون – تتفرغ لقيادة جهودٍ دوليّة لمنع تشغيل المواطنين الكوريين الشماليين الفقراء في الصين وروسيا.
الدّراميات التاريخيّة الجريئة على نسقِ (مؤامرة البارود) إذن – وبكل عنفها – ربما تكون أفضل أملٍ للبريطانيين للخروج من شرنقة هذي السّرديّة المنحازة باتجاه معرفةِ حقيقةِ تاريخهم الحالك السواد، الذي لم يغيّره سوى تأثيرات عصر النهضة الإيطالي، وطموحات الثورة الفرنسيّة، والمنافسة مع الهولنديين والإسبان.
وبالمقارنة العاجزة فنحن قد لا نجرؤ حتى حُلماً بـ(مؤامرة بارود) عربيّة تُعيد طرح ملفات تاريخنا الملتبَس كلّه دون الظلال المؤدلجة الكثيفة وفلاتر المؤسسات الرسميّة، ودون استعادات وتوظيفات تخدم مصالح محدودة لفئة مستفيدة من خلال سرديّات موهومة.
إعلامية لبنانية تقيم في لندن

ليسوا مهووسين كما في المخيال البريطاني… العنف التلفزيوني بين الأمانة التاريخيّة وحساسيات المتلقي

ندى حطيط

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية