مفارقات البحث عن «غيفارا» أهل السنّة والحاضنة الأوليغارشية لـ«حزب الله»

حجم الخط
1

خروج جيش الوصاية السورية من لبنان، وابتعاد الاهتمام الغربيّ عنه ليُحصَر بملف اللاجئين السوريين في السنوات الأخيرة، لم يؤدّ بالبلد إلى «انتعاشة سياديّة» تدوم طويلاً. وبعد أن بدت الأوضاع تتطوّر فيه باتجاه «نظام إشرافات إقليمية متوازية»، إثر الجلاء السوريّ عنه، وقوامه رعاية كل من طهران والرياض لحليفين «امتداديين» لهما في لبنان، خرجت العلاقات السعودية ـ الإيرانيّة عن معهود توتراتها وتهدئاتها في العقود التي أعقبت انتصار الثورة الإسلامية بقيادة الإمام خميني، وخرج معها البلد الصغير شرق المتوسّط عن معهود أزمته في الإثني عشر عاماً التي أعقبت الانسحاب السوريّ، ليرزح أكثر من أيّ وقت مضى أسيراً لصراع إقليميّ عاتي بين دولتين غير مجاورتين له، إيران والسعودية.
الأولى، لعب علماء من جبل عامل وبعلبك في القرنين السادس عشر والسابع عشر دوراً أساسيّاً في إنجاح عملية تشيّع امبراطوريّتها الصفويّة، وفي إبعاد هذا التشيّع عن الغلوّ «اللافقهيّ» في الوقت نفسه (المحقق الكركي وبهاء الدين العاملي) وعن المهدويّة «الملكيّة» التي كانت شائعة بين التركمان «القزل باش» في إيران وشرق الأناضول.
والثانية، لعب عالم سنيّ من قضاء طرابلس (الشام، ثم عاصمة الشمال اللبناني) هو الشيخ محمد رشيد رضا، دوراً أساسيّاً في «إعادة الاعتبار» في مطلع القرن العشرين، ومن داخل المؤسسة الفقهية السنيّة، وفي انعطافة لحركة الإصلاح الدينيّ المحتكة بالتحديث والتغريب، لمذهبها الوهابيّ، والوصل معه، ومحاولة التكيّف معه وتكييفه، بعد أن كانت هذه المؤسسة حتى ذلك الوقت تنأى بنفسها عنه بوصفه إلى الخروج والغلوّ أقرب.
الأولى، إيران، توسّع تأثيرها في «العالم الشيعي» بعد ثورتها، أكثر من القرون الثلاثة الماضية. إلا أنّها لم تعثر بين شيعة الهند وباكستان وأذربيجان والعراق والبحرين على ما لقيته عند «حزب الله» في لبنان، ثم في سياق مختلف إلى حد كبير عند «أنصار الله» في اليمن. لقيت عند «حزب الله» التجسيد الأمضى لفصيل يدين بنظرية خميني، حول ولاية الفقيه المطلقة الشرائط، وينمو ليكون على صورة «الحرس الثوريّ» ومثاله، ويتكيّف في الوقت نفسه مع تركيبة مجتمعية لبنانية، لعلّها الأكثر «تأوروباً» بين المجتمعات العربية، والأكثر «تنطّطاً» بين التصادمات التناحرية بين جماعاتها، وبين لغة التفاهمات والتوازنات.
والثانية، السعوديّة، لم يلتغ في يوم الاختلاف المذهبيّ بين حنبليتها الوهابية، وبين أنسجة عربية سنية على غير مذهب، وتطوّرت علاقاتها مع اليمين المسيحي اللبناني قبل عقود طويلة من ظهورها بمظاهر المرجع الإقليميّ للطائفة السنّية. هذا تطوّر فقط في مرحلة ما بعد انكفاء دوري مصر والعراق، وصعود خطاب «المدّ الثوري» الإيراني، والسياسة المنهجية للنظام السوريّ في لبنان تجاه الطائفة السنّية فيه، احترازاً من كلّ «تمرّدية سنيّة» في الداخل السوريّ.
لم يعمل الحليف اللبناني الشيعي لإيران بجديّة على تقوية العلاقات الاقتصادية والتجارية والثقافية بين البلدين، لكنه عمل على نقل التجربة الإسلامية الخمينية في تنظيم أحوال الطائفة الشيعية، وفي زمن صار فيه لبنان نفسه بعد الحرب، يأخذ طابعاً متشيّعاً يزاحم طابعه المارونيّ قبل ذلك. أما الحليف اللبنانيّ السنّي للسعودية، الذي انبثق من حركة الهجرة للعمل في المملكة، من سائر الطوائف، لكن على نحو متزايد، من الطائفة السنية، فلم يعمل على نقل المذهب الوهابيّ إلى سنّة لبنان، بل شكّل أسلوبه في ممارسة «الاعتدال الدينيّ» مقرونة بحركة ملحوظة لتشييد لمساجد و«تديين» الثقافة الشعبية، حلقة اختبار متقدّمة بالنسبة لفكرة الاعتدال هذه في السعودية وبلدان الخليج.
لكن، ما حصل في العشرية الماضية، بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وغياب الملك فهد، من جهة، ونجاح نظام ولاية الفقيه في إيران باحباط الإصلاحوية الخاتمية ثم قمع «الثورة الخضراء» من جهة ثانية، كان «تفاوتاً» في تطور العلاقة بين إيران و«حزب الله» وشيعة لبنان، وبين تطور العلاقة بين السعودية وآل الحريري وتيار المستقبل وسنّة لبنان. بعد أنّ كان «حزب الله» مضطراً للتكيّف مع متشدّدي إيران وإصلاحييها في الوقت نفسه (من يذكر كيف نظم الحزب استقبالاً جماهيرياً للرئيس خاتمي في المدينة الرياضية) صارت مروحة التمايز بين القيادات الإيرانيّة، وطاعتها للمرشد، تشبهه أكثر (هذا إلى حين عودة السؤال حول هوية من يرث خامنئي). أّمّا في سعودية «ما بعد فهد» فكان على الحالة الأقوى ضمن الطائفة السنّية اللبنانيّة أن تعاصر «ضغطين»، كلّ في إتجاه غير الآخر. في مرحلة الملك عبد الله، سياسة التوافق بين السعودية وسوريا (السين سين الشهيرة)، تأخذ على «الاعتدال» السنيّ في لبنان تطرّفه تجاه دمشق، أو تطلب من سعد الحريري زيارة بشار الأسد والمبيت في العاصمة السورية. ثم مرحلة الملك سلمان، المنهمكة بالتحصين السريع لعملية توريث العرش إلى ما بعد «مرحلة الأخوة من أولاد عبد العزيز»، تأخذ على هذا الخط تأخّره في فهم الانتقال الحاسم نحو خيارات المواجهة القصوى مع إيران وحلفائها في المنطقة.
مفارقتان، وراء كل هذا. الأولى، أنّ ما أصبح يطالب به سعد الحريري سعودياً، هو أن يكون بمثابة حسن نصر الله «السنّة»، وقبل كل شيء أن يكون رجل أعمال وارنستو تشي غيفارا في نفس الوقت.
وحتى البحث عن بدائل عن سعد الحريري بقي بحثاً عالقاً في هذه النقطة: البحث عن بديل يكون رجل أعمال «غيفاري». هذا كلّه كما لو كان المسألة «تحلّ» بشخص أو بقيادة، في اغفال لـ«التفاوت في التطوّر» بين سنّة وشيعة لبنان. صحيح أنّ السنوات الأخيرة دلّت على هوّة متزايدة بين القيادة الحريرية وبين شرائح واسعة من الطائفة السنية، على الصعيد الاجتماعي بخاصة، والقيادات السنية الأساسية اليوم، هي من طبقة رجال الأعمال في لبنان، لكن حتى في هذا الافتراق الطبقي الملحوظ عند السنّة أكثر مما عند المسيحيين والشيعة، ثمة حـــالة انعكاس أيضاً: ليست الطائفة السنية في لبنان «طــائــفة محاربة» أو حربية، فكيف تكون قيادتها «مجلساً حربياً»؟!
المفارقة الثانية، أنّ «حزب الله» ليس فقط التيار الأكثريّ في طائفته، وهو لا يتحصن فقط وراء وجوده في المؤسسات الدستورية، وخصوصاً في الحكومة. هو «حزب» يتمترس أيضاً وراء النظام الأوليغارشي والمصرفيّ اللبنانيّ، حتى في زمن العقوبات الأميركية المتزايدة المستهدفة تجفيف مصادر الاقتصاد السرّي للحزب. صحيح أنه ليس لإيران وديعة في المصرف المركزي، لكن الغائب عن النظر أنّ المصرف المركزيّ ككل وديعة عند «حزب الله»، مثلما أنّه، في جانب من الصورة، في بعد غائر من أبعادها، «حزب الله» وديعة فيه.
ليس لدى السعودية «حزب الله» سنيّ في لبنان ولن يكون. وليس «حزب الله»، الحليف الإيرانيّ، من خارج النسق الرأسمالي اللبنانيّ، للتفكير بأنّه يمكن عزل الحزب من هذا الباب. لمعرفة ما في الجوزة ينبغي كسرها، كان يحب أن يردد فردريك انجلز. هذا أصعب بالنسبة الى «حزب الله» والنظام الأوليغارشي اللبنانيّ: حتى اشعار آخر، كلّ يحتميّ بالآخر، كلّ للآخر «لُب».
«مركنتيلية» لبنان لا تعترف حتى اليوم بأنّها مستمرّة بدعامة «خمينية» مركزية، وبأنّ «غيفارا شيعي» يناسبها، وليس «غيفارا سنّي». مثلما أن البحث عن «غيفارا أهل السنّة» هو بحث يكابر حتى الآن، ليس على الواقع الطائفي اللبنانيّ فقط، بل.. على واقع احتماء «حزب الله» بالنظام الرأسمالي اللبنانيّ، من حيث هو «رهينة» للحزب، «رهينة متواطئة» حتى آخر نفس مع خاطفها.

مفارقات البحث عن «غيفارا» أهل السنّة والحاضنة الأوليغارشية لـ«حزب الله»

وسام سعادة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية