الأبارتايد الخَفي والنظرة الى الجزائري

حجم الخط
0

لم يعرف الجزائريون منذ أن طردوا الاستدمار الفرنسي من أرضهم وطرَدوا معه – أوهكذا كانوا يظنّون- جميع أشكال التمييز العنصري والقوانين المنظِّمة لها، بدءاً بمشروع كافينياك في الجزائر العاصمة، مروراً باللسيناتيس كونسيل المنظِّم لنزع الملكية عن الأراضي الفلاحية وتمليكها للأسياد الجدد، وانتهاء بقانون العار المسمّى قانون الأهالي. قوانين وتنظيمات أكثر تَجَلياً في حَيفها وضيمها من تلك المتعلقة منها بالامتيازات الممنوحة استثناء لما اصطُلح على تسميته في الجزائر في صُلب نص القانون، بالأسرة الثورية وذوي الحقوق، وما يكتنف التسمية في حد ذاتها من تمييز جَلِيّ وتفرقة واضحة بين أفراد الشعب الجزائري، الذي يُفترض بعد تأسيس الجمهورية ألا يوجَد وألا يقوم تكليف الفرد منه وتقرير حقوقه إلا على أساس المواطَنة ولا شيء غيرها.
ولئن خضع أجداد الجزائريين لكل صنوف تلك القوانين الجائرة تحت نير الإستدمار الفرنسي، وما سلبتهم من حقوق وما أرهقت به كاهلهم من واجبات لأكثر من قرنٍ من الزمن، فإنهم لم يكونوا عهدئذ في اعتبار الإدارة الاستعمارية مواطنين، بل عبيداً سُمُّوا ‘تأدُباً’ بالأهالي، وانعكس ذلك على واقعهم الاجتماعي والمهني التعليمي والاقتصادي، وحتى أمام القضاء، فالجزائري لم يكن يصلح في نظر المستعمرين إلا للحرث والبذر وتحميل البواخر وتنظيف إسطبلات الخنازير، كما قد يصلح وقود حرب للموت في سبيل فرنسا إبان الحربين العالميتين، أما التعليم والمناصب الإدارية والحقوق المدنية والانضمام والترقي في مؤسسة الجيش والقروض الاستثمارية و.. و .. فلا يصلح لها إلا البيض الأوروبيون. وما طالت هذه الحال وتعامت الإدارة الاستدمارية عن واقع الجزائريين المهين وصمّت آذانها عن صيحات رموزهم من السياسيين المطالبة بالمساواة حتى كانت نهايته ثورةً عارمة لم يقبل فيها الجزائري بكل وعود الإدماج والتجنيس وغيرها من المحاولات الخادعة لرده عن ثورته. هذه الثورة التي لم تكن نخبوية ولا حزبية ولا طائفية، بل كانت شعبية كما سُمّي بها جيشها في ما بعد ووجّهت نداءها النوفمبري الخالد إلى عموم الشعب الجزائري بدون تصنيف ولا تمييز، ولعلَّ ذلك مَكمَن سرّ نجاحها وانتصارها .

مرحلة الرئيس بن بلة :

لم تعرف هذه المرحلة القصيرة في عمر الجمهورية قوانين وتنظيمات ذات ظاهر تمييزي على الأقل لِقصر أمدها من جهة والظروف العصيبة والأحداث المتسارعة التي ألمّت ببلاد خرجت لتوِّها من حرب إلى مرحلة توتّر مستمرّة لم يأخذ فيها الرئيس الراحل نفَسَه حتى انقلب عليه خَلَفُه.
ولكن ما ميّز وبقوة هذه المرحلة بالذات هو الانقضاض وبالعنف أحياناً على بيوت ومباني المُعمرين الفرنسيين وما فيها، من طرف المجاهدين الذين نشروا آنذاك حالة من الذعر والترهيب في أوساط الشعب، مكّنَتهم من السطو وبسهولة في المدن والبلديات على أحسن العقارات السكنية والتجارية والفيلات الكولونيالية الفخمة، التي سيتمّ تمليكها لهم نهائيا في ما بعد تحت طائلة قانون عبثي سمُّوه قانون التّنازل عن أملاك الدولة مقابل دينار رمزي .

مرحلة الرئيس هوّاري بومدين :

وتعتبر المرحلة الذهبية في ما تعلّق بشُحّ التنظيمات والقوانين التي ميّزت طبقة المجاهدين وأرامل الشهداء وذوي الحقوق، ففي ما عدا إعفاء أبناء الشهداء من أداء الخدمة الوطنية وتخصيص بعض الأنشطة التجارية المحدودة كالحانات والمقاهي وسيّارات الأجرة وامتيازات الحصول على قروض صغيرة لاستخراج شاحنات نقل البضائع على فئة المجاهدين دون ‘باقي الشعب’ لم تعرف القوانين تشريعات تمييزية أخرى تمسّ هذه الطبقة بشكل واسع وملموس قد يؤَدّي إلى حالة من التذمّر الاجتماعي.

مرحلة الرئيس الشاذلي بن جديد:

وكانت تلك بداية الانحراف الصّارخ في ما تعلّق بسَنّ القوانين التمييزية المانحة لامتيازات مهمة للمجاهدين (وليس كل المجاهدين) دون باقي مكوِّنات المجتمع الجزائري، فقد عرف عموم بلديات الجزائر توزيع الأراضي الفلاحية الخصبة المسترجَعة من المعمّرين على المجاهدين العاملين في المزارع دون زملائهم من أبناء الشعب الفقير، واستمرت وتوسعت الامتيازات الخاصة برخص استيراد السيارات من الخارج وبرُخَص استغلال سيارات الأجرة والبارات والمقاهي وحتى المحلات التجارية المُشَيّدة حديثاً وقد لعب الحزب الواحد فيها دوره الأبرز في تكريس هذا الواقع. وقد عرفت كما تمت الإشارة إليه سابقا الجزائر في هذه المرحلة قانون ما سُمّي بالتنازل عن أملاك الدولة أو الأملاك الشاغرة مقابل دينار رمزي، ليستفيد كبار المسؤولين وكلّهم من طبقة المجاهدين من آلاف العقارات والمحلات التجارية وفِلات المعمرين، التي لا تُقَدّر بثمن، وتمّ في هذه المرحلة أيضاً توزيع أراضٍ فلاحية شاسعة بلغت الخمسمئة هكتار أحيانا، كما في حالة الرئيس اللاحق علي كافي في منطقة المتيجة والتي نشر تفاصيلها في عهده رئيس الحكومة مولود حمروش وفجّر القضية ونشر القوائم الإسمية كاملة على صفحات الجرائد. كما عرفت مرحلة رئيس الحكومة مولود حمروش ولأول مرة في تاريخ الجزائر إلغاء وزارة المجاهدين وتوسيع رُخص استيراد السيارات لتشمل أبناء وأرامل الشهداء وأُلغيت في ما بعد بمجرد رحيل مولود حمروش .
مرحلة المجلس الأعلى للدولة:

هذه المرحلة التي عرفت تأسيس تنظيمين وطنيين سيكرّسان وبصفة مفضوحة تمييزاً عنصرياً خطيرا، وهما منظمتا أبناء الشهداء وأبناء المجاهدين، وفي هذه المرحلة بالذات من عمر الجزائر تبرز حاجة النظام الجزائري أكثر من أي وقت مضى إلى عكّازةٍ يتوكأ عليها ويهُشّ بها على نفسه سياسياً وحتى أمنيا. فبعد توقيف المسار الديمقراطي في الجزائر ودخول البلد في عاصفة العنف الدّموي، لجأ القائمون على الشأن آنذاك، إلى تشكيل ما عُرف بمجموعات الدفاع الذاتي المسلّحة لتكون سنداً عسكرياً وأمنياً وسياسياً للنظام القائم، ولكن العجيب الغريب في الأمر أن تسليح هذه الوحدات وما اكتنفها من امتيازات مادية من سكن وعقارات للبناء اقتصر على طبقة المجاهدين وأبنائهم وأبناء الشهداء حصرياً دون ‘باقي الشعب ‘في رسالة واضحة أنّ الأسرة الثورية هي الوحيدة المستأمنة على البلاد، وأن الوطنية حِكرٌ على هؤلاء ويُتوِّجها رئيس الدولة آنذاك علي كافي بتصريح غريب في التلفزيون ‘لباقي الشعب’ في الرابع والعشرين من كانون الاول/ ديسمبر 1994 يقول فيه وبالحرف الواحد ‘لينا ولولادنا وأولاد أولادنا’ مُؤذِنا ببدء مرحلة جديدة من التشريعات العنصرية، ليُطلق ما عُرف بقانون عُنصري سمي ‘قانون المجاهد والشهيد وذوي الحقوق’ الذي تقررت بموجبه مِنَحٌ لبنات الشهداء دون بنات ‘باقي الشعب’ وحصص مخصصة للأسرة الثورية من الأراضي المخصصة للبناء والسكنات الاجتماعية وإدراج المجاهدين استثناء في لجان التوزيع ومنح امتيازات قانونية في التوظيف والترقية المهنية والتقاعد ليُطلق علي كافي انذاك القانون العنصري الخاص بتقاعد أبناء الشهداء دون أبناء ‘باقي الشعب’ الذي يمنحهم حق الاستفادة من سبع سنوات ونصف السنة عمل من دون اشتراك في الصندوق الوطني للتقاعد -المُفلس أصلاً- وترقية درجتين في سُلّم درجات التصنيف المهني والإحالة المبكّرة على التقاعد للخلود إلى الراحة.

مرحلة ليامين زروال:

وعرفت هذه المرحلة استمراراً طبيعياً لمرحلة علي كافي وتفجّرت فيها فضيحة ما عُرف بالمجاهدين المُزيفين التي بيّنت أنّ الأمر يتجاوز أرقام العقود إلى الآلاف المؤلفة من الذين هرولوا نحو’التّمَجهد’ ليحصلوا على الإمتيازات الممنوحة ويتمتعوا بوضع اجتماعي أكثر أريحيةً من ‘باقي الشعب’ ما أدّى بمنظمة المجاهدين إلى تجميد لجان الاعتراف ووضع حدّ لتلك المهزلة. كما يجب التذكير بأنه في فترة ليامين زروال تقرّر إدراج مادة ‘خارجة عن الطبيعة’ في دستور 1996 تنصّ على شرط الجهاد في رئيس الجمهورية من المولودين قبل 1942، وألاّ يكون من أبناء الحرْكة (الخَوَنة أثناء الثورة) من المولودين بعد 1942 .

مرحلة الرئيس بوتفليقة:

وهي أطول المراحل على الإطلاق، حيث تأكدت فيها التشريعات الخاصة بالأسرة الثورية واستمرّ الرئيس السابق علي كافي من بيته يقترح مشاريع القوانين المؤَسِّسة لمَيْزٍ فِئوي صريح لتشمل تذاكر الخطوط الدولية لشركة الطيران وتخفيض 60′ من سعر تمليك السكنات و50′ من تكلفة فواتير الهاتف الجوّال وتقرير مِنح للمعوقين من أبناء المجاهدين دون إخوانهم المعوَّقين من أبناء ‘باقي الشعب’ وهذا هو الجنون بعينه ومنح تقاعد ‘مجّاني’ لكل من لم يشتغل يوما في حياته من أبناء الشهداء، واعتُمدت حصص في قوائم الناجحين في مسابقات توظيف المديرين والمفتّشين في قطاع التربية والتعليم، بل بلغ الجنون بمصالح التوظيف العمومي حد طلب إدراج شهادات الجهاد في ملفات التوظيف والترقية، وتستمرّ المهزلة.

‘ كاتب جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية