دماء الربيع العربي: نهرٌ يبحث عن مصب

حجم الخط
0

لقد سالت دماء عربية غزيرة ولا زالت في منطقة الربيع العربي، وأصبح الإحتقان الذي تعيشه الأمة يومياً، يجعل ورد الأمة مزرقاً يقطر ألماً دون نهاية. هل كانت دماء الشعوب التي سقطت بعشرات الملايين، في الحربين العالميتين الأخيرتين، السبب الوحيد في التطور العام الذي شهدته ولا زالت مختلف الدول الأوروبية؟
لقد قتل من بين كل أربعين إنساناً، إنسانٌ واحدٌ، على مستوى المعمورة خلال الحرب العالمية الثانية. كان الخبراء والمحللون والمفكرون والكتاب والمثقفون والفنانون لهم تأثيرهم، إلى جانب القادة السياسيين؛ فهؤلاء هم من يتعمق في تشخيص الوضع والخروج من المأزق، من خلال إبداء الرأي لزعماء وصانعي القرار في تلك الدول الأوروبية ؛ حيث خسرت النصيب الأكبر من البشر في الحروب آنفة الذكر. فهل كلما خسرنا دماءً أكثر، كلما حققنا تقدماً مستقبلاً أكبر؟
في منطقتنا العربية ـ ورغم وجود المفكرين وآراؤهم ـ فطبيعة الأنظمة العربية لا تأخذ على محمل الجد آراء مفكري الأمة، دون نسيان أن بعض المفكرين ينطلقون من خارج المصلحة العليا للأمة، وهو ما ينعكس من خلال تحليلات غير دقيقة أو محبطة أو متفائلة ؛ كما الحلم الوردي في واقع أسود.
إن شروطاً كثيرة مطلوبة للولوج من باب الدمار والدماء، ولا بد لهذا النهر من الدماء ـ كبداية ـ من مصب نتخلص به من الإحتقانات الضاغطة على كل خلية حية في الجسد العربي الجريح، ثم ترتيب وضع المفكرين لهذه الأمة، من خلال توحيد توجهاتهم في تشخيص الواقع ووضع حلولاً واقعية، تأخذ بعين الإعتبار المصلحة العليا لشعوب المنطقة. وهنا ضرورة إسماع الصوت الوحدوي لهؤلاء المفكرين على إمتداد الوطن العربي؛ فيسمعه المسؤول كما المواطن. إن غياب الدور الفاعل للمثقفين والمفكرين العرب، يترك فراغاً، سيملؤه بالضرورة الدجالون والمشعوذون والمنافقون والقادة المتسلقون الذين، لا يرون أبعد من أرنبة الأنف ـ إن صدقت النوايا عندهم ـ ويتخبطون بمواقفهم التي تجعل الشعوب تدفع عرقاً ومعاناة ودماً دون فائدة. قد تمحى أقوال وأفعال بعض القادة في الوضع الطبيعي، ولكن آراء المفكرين تبقى محفورة في عقول ووجدان الشعوب عندما تلامس آلامهم وتنير طريق الخلاص.
إن الإنقسامات التي تشهدها الساحة الفكرية العربية، تشكل الخطر القاتل على خروج الأمة من أزمتها؛ فآراء منقسمة بشكل لم يسبق له مثيل، أصبح يلقي بظلاله على كل شعوب المنطقة، وما يجره من حدوث إنقسامات أفقية تطال معظم مواطني الأمة العربية، في مختلف أصقاع الأرض. لقد شهدت البلدان العربية خلافات حادة بين بعض زعمائها معظم الأوقات، ولكن هذه الخلافات لم تؤثر في الشعور الوحدوي العربي؛ لإن الثقة لدى المواطن العربي قليلة تجاه نظام الحكم العربي، ولم تنعكس تلك الخلافات على التوجهات المصيرية للأمة؛ فبقيت الشعوب العربية برؤيتها (القضية الفلسطينية، الغزو الأجنبي للأرض العربية، الغزو العربي – العربي… ) موحدة عموماً. إن الشرخ الفكري وما تساعد في نشره تكنولوجيا الإتصالات المتنوعة، يسهم بترتيب إصطفافات عند المواطنين وهم يتابعون الإنقسامات الحادة بين المفكرين المتحاورين؛ وهنا ضرورة التمييز بين الإختلافات في وجهات نظر ليست مصيرية، وبين إنقسامات بحد السكين تطال ماضي وحاضر ومستقبل أمة، مع التشكيك أحياناً بحقائق كعين الشمس.
لا يمكن أن تشهد الأمة تطوراً، دون قيادة من فلاسفتها ومنظريها ومفكريها ؛ فبدون هؤلاء، تبقى الأمة تعيش أيامها في حقول التجارب ؛ فتتخبط دون أفق لتقدمها. قال الكاتب الكولومبي ماركيز، بما معناه، أن كل الناس في الوضع الطبيعي أبطال. ولكن في الظروف الصعبة والإستثنائية تحتاج الأمة لمنظرين متعمقين في حال الأمة، ليرسموا درب الخلاص.
لقد دفع كثير من المفكرين ـ ولا زال الكثيرون ـ ثمن مواقفهم المنحازة لشعوبهم وشكلوا نبراساً لأمتهم لا تنثني لهم إرادة. إن إستمرار غياب دور مفكري الأمة، سيكون سكوتاً عن وضع الحلول، بل كالذي يشارك في إبقاء المعاناة؛ وسيزداد الوضع سوءاً، بما فيه من تمزيق أكثر لبلدان العرب.
إن إعادة ترميم جدران الوعي لأي مواطن، تتطلب أكثر من أي وقت مضى، وقوف كافة المفكرين والمثقفين العرب عند مسؤولياتهم في قراءة عقلانية بعيدة عن الإنتهازية بكافة أشكالها، ووضع الحلول بشكل سريع قبل أن يخترقنا قطار الجهل المتهور الذي لا يفقه من التكنولوجيا سوى سرعته القياسية. كما أن على كل وسائل إنتاج المعرفة ونشر المعلومة، أن تحكم ضميرها في تناول أي حدث؛ تفادياً ‘لتلويث’ الوعي الجنيني الهش الذي ينطلق منه المواطن، ويحيط به من كل حدب وصوب، في ظل حالة، أقل ما توصف بأنها تصيب المرء بالصداع.
عبدالله أبو مازن

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية