عبدالناصر ترك لمصر ميراثا قاتلا!

حجم الخط
19

اعتقدت دائماً أن اشتراكية جمال عبد الناصر وفرديته، صنعت من مصر دولة رثّة ومهلهلة، وأنّه ترك ميراثاً ثقيلاً، أشبه بالداء الّذي لا يسهل شفاؤه، والسبب في هذه المعضلة، كما كنت أعتقد، هي الكاريزما والحضور الّذين كان يتمتّع بهما لدى قاعدة جماهيرية عربيّة عريضة، لم تكسرها حتّى الهزيمة المُدوّية في حزيران67. ذاك البريق وتلك الجاذبية، وفّرا غطاءً خادعاً وبرّاقاً للحقبقة الهزيلة القابعة تحتهما، كان هذا رأيي طبعاً، والّذي كنت أتمنّى أن أجد من يشاركني إيّاه خارج دائرة الإخوان المسلمين، والّذين قبعوا في محبس النبذ والتهميش، في غمرة المدّ القومي العاتي، هذا في الدول الّتي منحتهم حرّية الحركة، كما في المملكة الأردنية على سبيل المثال!
أما في الدول القومية، فقد قبعوا في السجون، او تدلّوا من أعواد المشانق!وأخيراً جاء المدد وحدث ما تمنّيت:وافق ناصر على مبادرة وليام روجرز، المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط، في ذلك الزمان، والّتي تتضمّن توقيع صلح مع إسرائيل مقابل العودة إلى حدود ما قبل 5 حزيران1967!مسقطاً لاءاته الثلاث الّتي رفعها في قمّة الخرطوم لوهلة خلت: لا صلح، لا اعتراف، لا مفاوضات! كانت تلك صفعة لأنصاره ومريديه، والمستدفئين بألحفته وخطاباته من الناصريين والقوميين العرب، وبينما آوى الناصريون إلى الصمت، على أمل أن يجدوا تخريجاً لهذه الزندقة القومية، كان رد القوميين العرب مُمثّلين بالجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين ‘جورج حبش’، سيّئاً جدّا ً، ومتناسباً مع حجم الخذلان الّذي أصابهم، على يد أقرب الحُلفاء!
لقد وضعوا صورته بالمقلوب على مؤخّرة حمار، وساروا بها في شوارع المدن الأردنيّة، إيذاناً للقاصي والداني، بسقوط الرمز وتخليه، وإيذاناً أيضاً بمواصلة المسيرة، من دونه! فالقضيّة تصنع الأبطال ولا يصنعها أحد!كان ذلك في العام 1968 حيث كانت حركة المقاومة الفلسطينيّة، حاضرة وحُرّة الحركة، على أرض المملكة الاردنبّة!
والدي الّذي كان ذا ميول ناصريّة، استطال وجهه فجأة وغشيه الحزن، ولم يعد يرغب في النقاشات السياسيّة، الّتي كان يستمتع بها كثيراً! أمّا أنا فقد قلت لنفسي أنّ زماني قد حان، وأنّ وعياً جديدا سيتشكّل، في منأىً عن أصنام السياسة، وأنّ جيلاً جديداً سيولد! ويا الله! لكم كنت مخطئاً! مضت الاُمّة في صنع أصنامها، بحكم العادة، وكأنّنا بحاجة إلى نبي جديد، ليُخرجنا من عبادة الأصنام والعبيد إلى عبادة الله وحده!
استطال الزمان وتمادى، وتجذّرت ديكتاتوريات بذرائع مختلفة، في الأقطار العربيّة، ليس على مستوى الدول فقط، وإنّما على مستوى الحركات السياسيّة، ولدت رموز جديدة، وترسّخت سياسات الإستخلاف، وتربّع كثيرون على عروش عظمة زائفة، هم منها براء، وصار لنا سادة وكبراء، حولهم راقصون وأولياء!هي إذن العبارة المجاملة والضحكة المجاملة والخطابة المجاملة، وكُلُّها مجلجلة، وعلى حساب ماذا؟ الحققيقة ذاتها! فهل نحن هكذا من دون خلق الله جميعاً؟ نستمرىء جاهليّتنا ونعلي غرانيقنا، ونفني ذواتنا، لنُعزّ الوهم، ونُسمّي الأشياء بغير أسمائها؟!
لقد بعث فينا الربيع العربي الحياة من جديد! وبسقوط حسني مبارك، ظننّا أنّ الدهر استعاد سيرته وهيأته، وأنّنا على أوّل الطريق المؤدي إلى الخلاص! وما لبثنا حتّى انتفضت جيوش الرّدة، لتعيد المتمرّدين إلى الحظيرة، وتعيد تنصيب الأصنام من جديد!
أين نقف الآن يا ترى؟ هل نرفع السلاح في وجه جيش الرّدة، أم هل نتقاسم معهم الآلهة؟ هذا إذا قبلوا بالمشاركة! إذ يبدو أنّهم لن يقبلوا بنا إلّا خُدّاما لمعبدهم! فماذا نحنُ فاعلون؟ اخي ايُّها العربي الأبي؟ وأيُّها المسلم الموحّد؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية