الشباب في الرؤية المستقبلية للمفكر مهدي المنجرة

حجم الخط
1

تُعد علاقة التوتر بين السلطة الحاكمة والشباب في كثير من الدول العربية من بين أهم مظاهر أزمة التدبير السياسي في هذه الدول. وقد عبرت الأحداث التي بدأت مع ما اصطلح عليه بـ«الربيع العربي»، وما رافق هذه الأحداث من احتجاجات، عن غياب الشباب في استراتيجيات التنمية الاقتصادية، وعن ضبابية الرؤية في كيفية تصريف قوة الشباب وطاقاته من أجل نهضة اقتصادية واجتماعية، تجعل الشباب عنصرا مُحركا لها، ومُستفيدا منها.
يكفي أن نقوم بتحليل خطابات الشباب في المواقع الاجتماعية حتى نُدرك الهوة السحيقة بين الشباب، باعتبارهم قوة اقتراحية من شأنها أن تُحقق التنمية الاجتماعية بأساليب جديدة، والسلطة السياسية والحزبية التي لا تزال تتعامل مع الشباب باعتباره موضوعا طيعا لبرامجها، تستفيد منه في سياستها الانتخابية. كما تُؤكد خطابات السخرية التي باتت تملأ الوسائط التكنولوجية، عن فقدان الشباب للثقة في هذه السلطة. نلمس أيضا، مظاهر أزمة التدبير السياسي، من خلال خطاب الأحزاب، الذي ما يزال يتعامل ـ في جوهره ـ مع الشباب باعتباره موضوعا مفكرا فيه، بعيدا عن الإيمان بشراكته.
أدى هذا الوضع إلى خروج منطقي للشباب عن ثقافة السلطة السياسية، والتحرك في موقعٍ جديدٍ بلغته ومقارباته واقتراحاته. وعليه، تزداد الأزمة حدة، كلما اتسعت الفجوة مع اشتغال الموقع الجديد للشباب.
نطرح بهذا الصدد بعض الأسئلة على منتجي هذه الفجوة: لماذا لا يهتم السياسي بما يُفكر به المثقف بشأن القضايا الإستراتيجية؟ لماذا لا يقرأ السياسي التدابير الفكرية التي يقترحها العلماء والمفكرون والمثقفون؟ كيف يُمكن تفسير رُعب السياسي من اقتراحات المثقف؟ ألا يستفيد السياسي من الرؤية التي يقترحها المفكر؟ ما هي مقاصد السياسي في ما يخص علاقته بالتدبير السياسي؟ هل خدمة البلد، وربح الرهان؟ أم خدمة الحزب، وموقعه وخسران الوطن؟ هل يقرأ السياسيون والحزبيون؟ هل لهم علاقة بمفهوم تحولات السلطة، وبمعنى الشراكة التي ليست امتيازا أو اختيارا، وإنما حتمية تاريخية بموجب منطق الزمن التكنولوجي؟ هل يعمل السياسي على تحيين تكوينه وعلمه ومعارفه؟
نُضيف هذه الأسئلة إلى الفجوة السياسية، ونستحضر موقع الشباب في الرؤية المستقبلية لعالم المستقبليات، المغربي المهدي المنجرة، الذي منذ الثمانينيات من القرن العشرين، وهو يتحدث عن الشباب العربي، باعتباره النخبة الجديدة التي ستقوم بالتغيير، وذلك ضمن التحولات التي يعرفها العالم مع مجتمع المعرفة، ومفهوم الشراكة.
يحضر الشباب في الرؤية المُستقبلية لدى المهدي المنجرة، باعتبارهم محركي التحول المجتمعي، وقائدي سيناريو التغيير. ولهذا، فقد حدد النخبة الجديدة التي تحمل مفاهيم التغيير، باعتماد البُعد المحلي من الشباب. منذ الثمانينيات كان المنجرة يُقر بعدم استمرار سيناريو الاستقرار في البلدان العربية، بل أكثر من هذا، فقد حدد المرحلة التاريخية التي ستبدأ بالتغيير: «وأتوقع أننا لا يمكن أن نصل سنة 1995 بسيناريو الاستقرار»(الحرب الحضارية الأولى). وبعض الدول بدأت التغيير في منتصف التسعينيات مثل المغرب، خاصة مع مشروعين، تاريخي «المصالحة مع الماضي» وسياسي ـ حقوقي «الانتقال الديمقراطي». غير أن المنجرة كان يستبعد سيناريو التغيير بشكل سريع، معتبرا سيناريو الإصلاح له قابلية للتحديث، من خلال فتح باب أمام احترام حقوق الإنسان، وحرية الصحافة، وتطوير المجتمع المدني، والاهتمام بمشاكل التنمية. وهذه مقاربات استراتيجية، لو اشتغل بها السياسي، ما اتسعت الفجوة وأحدثت الأزمة.
ويعود ذلك، حسب المنجرة، إلى صعود نخبة جديدة من جيل الشباب القادم من الجامعات بمفاهيم جديدة ومختلفة عن مفاهيم النخبة السابقة. ولهذا، يتحدث المنجرة عن صعود نوع من الديمقراطية، مع ظهور مفاهيم وتصورات النخبة الجديدة. تعتمد هذه الديمقراطية على البُعد المحلي، وبالنظر إلى التحولات المجتمعية التي عرفتها ـ وتعرفها ـ سواء الدول التي عاشت ما اصطلح عليه بـ»الربيع العربي»، أو التي عرفت انعكاسات هذا المفهوم، فإننا نلاحظ، بالفعل، صعود جيل الشباب باعتباره شريكا في تدبير الفهم واقتراح المقاربات، باعتماد وسائط التكنولوجيا، خاصة المواقع الاجتماعية. وعبر هذه المواقع بدأ صوت الشباب يتحدد، كما نلاحظ البُعد المحلي في خطابات هذا الجيل، والانطلاق من أسئلة محلية. لهذا، تراجعت مفاهيم من نوع تلك التي كانت تجمع العرب في أيديولوجية واحدة، وانفتحت المجتمعات العربية على بعضها، بروح الاكتشاف والتعرف، مع انحرافات في علاقة التعرف التي تجلت في خطاب الشتم والسب بين أفراد المجتمعات، عوض التواصل بقصد التفاعل المُنتج. وهذا موضوع يستحق التحليل الثقافي.
لعل من أهم نقاط القوة في رؤية المنجرة للشباب، وتقديره لهذه الفئة، هو انخراطه مبكرا في الثقافة التكنولوجية، التي ساعدته على الاقتراب من حاجيات الشباب، يقول في كتابه «قيمة القيم»: «وعدد الرسائل الإلكترونية التي أتلقاها تساعدني على البقاء في موقع قريب من هذه التحولات». ويسمح له ذلك بالتفاعل المنتج معهم: «ينتج عن هذا الوضع، مراسلة مكثفة. ولا أؤخر الجواب أكثر من 48 ساعة. إن الزمن مطلب كبير في التواصل الإلكتروني».
يعد المنجرة من المفكرين الأوائل الذين تفاعلوا بسرعة مع الحاسوب، وشبكة النت. يقول عن أول حاسوب اقتناه: «حاسوبي الأول، وهو من صنع أمريكي كندي، يرجع تاريخه إلى سنة 1981، لقد كان جديدا في السوق. كان وزنه عشرة كيلوغرامات ولنقله عبر الطائرة، كان يستلزم ترخيصا من الطاقم» (قيمة القيم). كما تعود علاقته بشبكة الإنترنت إلى منتصف يونيو/حزيران من السنة نفسها 1996 التي ارتبط فيها المغرب بالشبكة. أما موقعه فقد انطلق سنة 1997. كما أنه كان أول من وضع ثلاثة من كتبه على الإنترنت. كما يحضر رجل الشارع إلى جانب جيل الشباب في التفكير المستقبلي عند المنجرة، من خلال الانخراط في أسئلة الواقع، والتعبير عن صوته ورأيه، بدون انتظار سلط مرجعية أخرى، سواء ثقافية أو سياسية، تقوم بدور الوسيط في التعبير عنه. وهنا، نُلاحظ انخراط المنجرة في زمن المعرفة، و في التفكير الترابطي، والانتماء إلى الزمن التكنولوجي، حيث السلطة المعرفية أصبحت شراكة بين فئات عديدة ومتنوعة، تتوزع بين المثقف والعالم ورجل الشارع والشباب والاقتصادي وغير ذلك. واعتبر أن الأزمة الحضارية التي تعيشها البلدان العربية، تسمح لرجل الشارع والشباب بالانطلاق في المشاركة في تغيير الوضع: «يجب على كل مواطن ـ بقطع النظر عن شهاداته ـ أن يعتبر الآن أن عليه الاعتماد على نفسه، كجزء من المجتمع لتغيير هذا المجتمع»(الحرب الحضارية) بدون أن يقصد بهذه الدعوة إقصاء دور المثقف في تهيئة شروط التغيير، من حيث إنتاج الأسئلة، وصياغة مقاربات التغيير، وبث الوعي الثقافي، ولكن في تصوره، فإن الكل أصبح مسؤولا عن الشراكة في تدبير المجتمع. وبتأمل قصير في علاقة الشعوب العربية بالمواقع الاجتماعية اليوم، سنلاحظ بأن الأفراد (الشباب ورجل الشارع) أصبح لهم صوت مُؤثر في تدبير السياسة والاقتصاد والمجتمع، تجلى في عمليات فضح الاختلالات القانونية، وتعرية الأوضاع الاجتماعية، والكشف عن حقيقة المشاكل الاقتصادية، وإطلاق صرخة الظلم والابتزاز، وإعلان أسماء الناهبين للثروات بكل جرأة بعيدا عن الرعب، كما تحولوا إلى قوة ضغط لتغيير الأسلوب السياسي. ويتم ذلك، عبر التدوينات والتعليقات، والصور والفيديو، أو من خلال البث المباشر الذي يحقق متابعة مجتمعية. وبهذا، فإن تصور المنجرة في صعود صوت الشباب، ورجل الشارع منذ بداية العقد الأخير من القرن العشرين، نراه يتحقق مع القرن الواحد والعشرين، وبالخصوص مع الوسائط التكنولوجية، وتحولات «الربيع العربي».
لا شك في أن هذه الرؤية الحاضنة للشباب، باعتباره شريكا في السلطة السياسية، يقف وراءها تصور المنجرة للقيم من جهة، وللثقافة والمثقف من جهة أخرى. إن تقدير الشباب واحترامه يدخل في قيمة القيم، التي يعتبرها المنجرة أساسية في خلق التواصل الثقافي والحضاري، وفي غيابها تدخل المجتمعات في نزاعات وأزمات، وهو ما يحدث في يومنا، وكان المنجرة قد نبَه إلى ذلك في كتابه «الحرب الحضارية الأولى»، أما التفاعل مع الشباب فإنه يدخل في مفهوم المنجرة للثقافة التي يعتبرها سلوكا منتجا، وليس مجرد أفكار وشعارات، ويدعو المثقف إلى أن يحيا ويتعامل بالأفكار التي ينادي بها، وحسب تعبيره فإن «المعرفة لا تقبل التكبر». إن تقليص الفجوة بين السياسي/الحزبي والشباب، تبدأ من اعتراف السياسي بالفكر والدراسات المستقبلية والثقافة والإبداع، بكونها أساسيات ترتيب وتنظيم الرؤية، وكما قال المنجرة «إن انعدام الرؤية، هو أخطر من التخلف».

روائية وناقدة مغربية

الشباب في الرؤية المستقبلية للمفكر مهدي المنجرة

زهور كرام

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية