قليل من التواضع وفهم للتاريخ يا جنرال

حجم الخط
2

التواضع مهم جدا ومطلوب، في حال الفرد أو في حال المجموعة، أو حتى في حال الدول. فالتواضع من شيم الكبار والأقوياء ويعكس ثقة بالنفس. وهذا بالطبع لا ينطبق على دولة الامارات العربية المتحدة، فالتواضع ليس من خصالها في ظل الحاكم الفعلي الحالي، مع أن هذا البلد في عهد الوالد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، كان التواضع أحد أقوى خصاله إلى جانب موقفه العروبي.
والدافع إلى هذه المقدمة هي المقابلة المصورة التي أجرتها الوكالة الأمريكية «ديفنس أند ايروسبيس»، مع وكيل وزارة الدفاع الإماراتية المساعد الطيار الركن الجنرال عبدالله محمد الهاشمي، على هامش معرض دبي للطيران، ومؤتمر قادة الأسلحة الجوية في الإمارات، التي خلت من أي تواضع.
استمعت للمقابلة التي لفتت انتباهي، بعدما ذكرت بعض الوكالات أن المساعد الطيار الركن الجنرال، قال إن الامارات وإسرائيل مثل الاخوة، وهو في الحقيقة لم يضعها في هذا السياق، وكان في هذا القول بعض من التجني على الجنرال الطيار، رغم أنه وقع في مطبات أعمق، وهو يحلل الاستراتيجية الجوية العسكرية لدولة الإمارات العربية «العظمى»، ويبرر التدخل العسكري في اليمن، ويستبعد الحل العسكري مع إسرائيل ولا يرى حلا معها إلا عبر طاولة المفاوضات، ويؤكد على أن السلاح الامريكي الذي ستمتلكه الإمارات لن يشكل تهديدا لإسرائيل. وعبّر عن إعجابه وحبه الشديد لسيده نائب رئيس دولة الامارات محمد بن زايد إلى حد القول إنه يعبده، وهو في عبادته حر فليعبد من يشاء، رغم أننا بالتأكيد لا نشاطره هذه العبادة.
استمعت بإمعان للمقابلة، ولو لم أستمع إليه بالصوت ولم أره بالصورة لخلته أحد كبار الجنرالات في إحدى الدول العظمى مثل الولايات الولايات المتحدة أو بريطانيا وغيرهما، فقد كان يتحدث اللغة الانكليزية بطلاقة، أو لظننته وهو يتحدث عن الاستراتيجية العسكرية لاسيما الجوية باعتباره جنرالا جويا، لدولة الامارات «العظمى»، الجنرال الإنكليزي بيرنارد لو مونتغمري نفسه ذا التاريخ الطويل في الانتصارات الكبيرة في الحربين العالميتين الاولى والثانية، التي اختتمها بالانتصار على الجنرال الألماني أيرفين رومل الذي يلقب بثعلب الصحراء؟ في معركة العلمين في مصر خلال الحرب العالمية الثانية.
أجريت المقابلة مع الجنرال الهاشمي، بمناسبة انعقاد مؤتمر قادة الأسلحة الجوية في الإمارات، وطبعا يجب أن تكون دولة الامارات في وسط أي معمعة دولية لتثبت وجودها،. ويجب أن تتفوق على أي دولة اخرى باطول مبنى وأوسع «مول»، إلى حد أنها بنت نسخة عن متحف اللوفر الفرنسي واستعاروا منه بعض مقتنياته.
وتحدث الجنرال الهاشمي عن دور الإمارات «في العالم» لاسيما سلاح الجو الإماراتي فقال «سلاحنا الجوي يشارك في عمليات حفظ السلام منذ سبعينيات القرن الماضي (الامارات منحت استقلالها في عام 1971). كنا دوما موجودين مع الامم المتحدة في كل مكان كان فيه هناك حاجة. وفي بلدان مثل ليبيا والعراق وسوريا. نحن موجودون مع المجموعة الدولية ونحاول المساعدة وأن نكون شركاء. عندما نتحدث عن اليمن فان الوضع مختلف، فالخطر جاء الينا، أرغمنا على التدخل في اليمن دفاعا عن شقيقتنا الكبرى السعودية، ولجلب الرخاء والسلام لليمن الذي هو جزء من مجلس التعاون الخليجي. ونحن ننظر إلى لدولة اليمن كشقيقة. وكان المخطط أن تصبح عضوا في مجلس التعاون. وعندما حاول الحوثيون والإيرانيون التدخل وجدنا أنفسنا مضطرين للتدخل للدفاع عن حدودنا الاستراتيجية».
وحقيقة الامر أن الامارات لم تكن معنية بالشقيقة الكبرى أو الدفاع عنها ولم يكن يهمها اليمن أو شعبه الذي تشارك في قتله بالآلاف جراء القصف الوحشي، ومن لم يمت من اليمنيين بالقصف يموت من الامراض المتفشية، أو من الجوع الذي يطال الآن السواد الاعظم إن لم يكن مجمل الشعب. ووجدت الإمارات في ما يسمى التحالف الذي تقوده السعودية ضالتها لوضع اليد على خليج عدن. وهو الخليج الذي تعتبره امتدادا طبيعيا «لأمنها القومي». بالمناسبة فإن 58% من الإماراتيين هم من أصول آسيوية (جنوب وشرق) و23% من أصول ايرانية و19% فقط محليون. وهي التي قادت الهجوم البرمائي على عدن في عام 2015.
الجنرال الإماراتي لم ير في فلسطين ما يستحق التدخل عسكريا، ويقرر أن المشكلة لا تحل إلا عبر طاولة المفاوضات، ويطمئن إسرائيل بأنه ليس ثمة ما تخافه من امتلاك دولة الامارات لطائرات أف35 الامريكية المتطورة. ويقول المارشال الهاشمي في المقابلة «لا اعتقد أن حصول الإمارات على أف 35 يشكل خطرا على اسرائيل، إن من يفكر بذلك لا يفهم شيئا» وقد صدق في قوله هذا.
وبما يعكس جهل الجنرال بتاريخ الحروب في منطقته، يضيف «أنظر إلى المشكلة بين فلسطين واسرائيل، فانه منذ عام 1976 لم تقع أي مواجهات عسكرية بين العرب وإسرائيل، ولا اعتقد أن أيا منا يريد أن يدخل في مواجهات عسكرية. وإذا كان هناك حل بين العرب/ فلسطين فانه سيكون عبر التفاوض».
وهو بقوله هذا إنما يمعن في جهله بتاريخ المنطقة، فأولا أن الحرب التي يتحدث عنها ويعتبرها آخر الحروب وقعت عام 1973 وليس عام 1976. وثانيا لا يعرف الجنرال أو ربما أراد أن يتجاهل أن المنطقة شهدت حروبا عديدة، وقد لا تكون بمستوى الحروب التي قادها أو يطمح بقيادتها، بعد حرب 1973، أو بما لم يدرس في الأكاديميات العسكرية الغربية التي تخرج منها. إن المنطقة شهدت حربا عام 1982 في لبنان كما شهدت حربا ثانية في لبنان أيضا عام 2006، لتتبعها ثلاث حروب ضد قطاع غزة أعوام 2008 و2012 وأخيرا 2014 التي استمرت51 يوما لتصبح أطول الحروب في المنطقة. ولن نذكر الجنرال بعدد الشهداء والجرحى والدمار الذي ألحقته تلك الحرب.
ويتابع الجنرال «لا اعتقد (ونحن في هذه النقطة نشاطره الرأي) أننا نشكل تهديدا لإسرائيل، ولا أعتقد أن اسرائيل تشكل تهديدا للإمارات. لدينا خلافات حول تسوية قضية، لكن الأمور لن تصل إلى حد خوض حرب ضد إسرائيل. نحن ندرك أننا كما نحن حلفاء للولايات المتحدة، ندرك أيضا أن إسرائيل حليف لامريكا. لدينا أخ أكبر. لن نخوض معارك ضد بعضنا بينما الأخ الاكبر يقول لنا لا تفعلوا ذلك».
لقد أوصل الغرور الجنرال الهاشمي، إلى وضع الإمارات على قدم المساواة مع اسرائيل في التحالف مع الولايات المتحدة، وهو ما يعكس جهلا في طبيعة العلاقات بين تل ابيب وواشنطن. ويمعن الجنرال الهاشمي في غروره وهو يبرر رغبة الإمارات في امتلاك طائرات أف 35 بالقول «أف35 مهم أن تكون في الإمارات، أو مهم أن تقتنيها الإمارات لانها حليف استراتيجي للولايات المتحدة. الامارات لن تحارب أيا من حلفاء الولايات المتحدة. إننا سنقاتل معا وسنهزم العدو نفسه. سنكون هناك لدعم الامريكيين، كما حصل في افغانستان، فالقوات الأمريكية كانت تتقدم تحت الغطاء الجوي الذي يوفره سلاح الجو الإماراتي! وكما قلت نحن لسنا اعداء. الإمارات لا تريد أن تكون صديقا للولايات المتحدة بل نريد أن نكون الصديق الافضل».
واختتم برد الجنرال على سؤال حول إيران التي وصفها الصحافي بالقوة الكبرى في المنطقة، التي تحاول أن تفرض أجندتها، والرسالة التي تبعث بها الإمارات للولايات المتحدة في هذا الشأن، إذ قال بابتسامة عريضة «إن الرسالة التي أوجهها للولايات المتحدة هي الاستماع إلى محمد بن زايد عندما يبلغهم بشيء، لانه هو مرشدنا والحكمة تخرج من هذا الرجل، ونحن نسير على خطاه، بل في الحقيقة نحن نعبده»، ولا تعليق سوى رحم الله امرئ عرف قدر نفسه.
كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»

قليل من التواضع وفهم للتاريخ يا جنرال

علي الصالح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية