الجزائر ـ «القدس العربي»: أسدل الستار أخيرا على الانتخابات المحلية في الجزائر التي اجريت الخميس الماضي، من دون مفاجئات كثيرة، مثلما توقع الكثير من المراقبين، لأنها جاءت لتكريس الواقع وضمان استمرارية نمط معين في تسيير المجالس المنتخبة، وللإبقاء على الخريطة السياسية نفسها.
لم تعد المواعيد الانتخابية منذ سنوات فرصة للتغيير، بقدر ما هي فرصة لإبقاء الوضع على ما هو عليه، فأحزاب الموالاة التي تساند الرئيس عبد العزيز بوتفليقة تبقى تسيطر على المشهد السياسي، والمعارضة ما زالت غير قادرة على إحداث التغيير المطلوب، وما زالت تشتكي من استمرار التزوير والتلاعب بالنتائج وتوجيه إرادة الناخبين.
الانتخابات المحلية الأخيرة كرست سيطرة الحزب الحاكم جبهة التحرير الوطني، الذي يبقى في الصدارة رغم الحملة الضعيفة التي قام بها، ورغم «شطحات» و«سقطات» أمينه العام جمال ولد عباس، الذي قام بحملة تصريحات غريبة ومضحكة، فضلا عن الصراعات التي شهدت عملية إعداد قوائم المترشحين، والصراعات التي دارت حولها وداخلها، ورغم أن الخطاب السياسي الذي تبناه على الأقل على مستوى أمينه العام العام، كان بعيدا عن طموحات المواطنين، فبدل الحديث عن مشاكلهم اليومية، راح يحكي عن الماضي وعن أمجاده الشخصية، وأنه درس في الجامعة نفسها مع أنغيلا ميركل المستشارة الألمانية، ثم عاد ليقول إنه الأول على دفعة من ألف طبيب تخرجوا في جامعة لايبزيغ بألمانيا، وراح يقول إنه صاحب اختراع جهاز تصوير بالأشعة في ألمانيا، وفي موضع آخر راح يتحدث عن الانتخابات الرئاسية المقبلة، ويقول إن الرئيس المقبل في رأسه، ثم أكد أن الرئيس لن يخرج إلا من جبهة التحرير، قبل أن يعلن أن الرئيس بوتفليقة لن يقبل أن يكون مرشح الجيش في 2019 وهو اعتراف ضمني أن الرئيس سيترشح لولاية خامسة.
من جهته استفاد حزب التجمع الوطني الديمقراطي الذي حل في المركز الثاني من تولي أمينه العام رئاسة الوزراء منذ الصيف الماضي، هذا الحزب الذي حقق أيضا تقدما في الانتخابات البرلمانية، قلص الفارق بينه وبين غريمه حزب جبهة التحرير الوطني.
الشيء الملاحظ في نتائج الانتخابات المحلية هذه هو استمرار تراجع الإسلاميين في هذه الانتخابات أيضا، وهو استمرار للتقهقر المسجل في المواعيد الانتخابية السابقة، صحيح أن الإسلاميين يرجعون ذلك إلى التزوير وتلاعب الإدارة بالنتائج، لكن هناك شبه اتفاق لدى المراقبين للشأن السياسي أن هناك أمور تتجاوز الاتهامات بالتزوير، وأن رصيد الإسلاميين، وخاصة أولئك الذين اقتربوا من السلطة في تناقص.
ولعل المفاجأة التي سجلتها هذه الانتخابات هي تقدم جبهة المستقبل، التي يقودها عبد العزيز بلعيد، والتي احتلت المركز الثالث بعد جبهة التحرير والتجمع الوطني الديمقراطي، هذا الحزب الفتي الذي كان يصنف ضمن الأحزاب المجهرية، بدأ يسجل مكاسب على الأرض، منذ الانتخابات البرلمانية الأخيرة، التي حصل فيها على 14 مقعدا متساويا مع جبهة القوى الاشتراكية (عميد الأحزاب المعارضة).
ويرى المحلل السياسي مروان الوناس في تصريح لـ«القدس العربي» أن الموضوعية تفرض القول إن المعركة لم تكن متكافئة، فأحزاب الموالاة قدمت مرشحين في كل المجالس البلدية والولائية، في حين أن أحزاب المعارضة لم تنجح في ذلك، فأول حزب معارض من حيث عدد الترشيحات لم يقدم قوائم سوى في نصف عدد المجالس المحلية، موضحا أنه بغض النظر عن التزوير والتلاعب بالنتائج الذي تحدثت عنه المعارضة، فإن تدني نسبة المشاركة في الانتخابات يؤثر بالدرجة الأولى على المعارضة العلمانية والإسلامية، لأن الشارع لم يعــد يؤمن بالعــمل الســيـــاسي والحزبي، في حين أن العزوف الانتخابي يخدم أحزاب الموالاة.
واعتبر الوناس أن صعود حزب جبهة المستقبل في هذه الانتخابات يشبع تماما صعود الجبهة الوطنية الجزائرية في انتخابات 2002 التي احتلت فيها مراتب متقدمة، قبل أن يأفل نجمها، فضلا عن أن الحزب يتشكل من الذراع الشبابي للحزب الحاكم الذين لم يتمكنوا من الوصول إلى القيادة بسبب سيطرة الحرس القديم، كما أنه لا يجب أن ننسى أن هذا الحزب ورئيسه عبد العزيز بلعيد ابن المنطقة نفسها علي بن فليس رئيس الحكومة السابق والخصم اللدود للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، مشيرا إلى أن وضعه في هذا الترتيب قد يدخل ضمن ترتيبات الانتخابات الرئاسية المقبلة، خاصة وأن جبهة المستقبل أقرب إلى الموالاة منه إلى المعارضة.
ويرى المحلل السياسي نجيب بلحيمر أن الانتخابات كرست الوضع القائم، لأن أحزاب السلطة المساندة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة تسيطر على المشهد السياسي، بسبب تواجدها عبر كامل التراب الوطني، وكذا تمرسها في تسيير العمليات الانتخابية، لذا فإنها تبقى تهيمن على المجالس المنتخبة، ما لم يحدث ما يمكن من زعزعة التوازنات السياسية القائمة.
واستبعد بلحيمر أن تكون هناك علاقة بين هذه الانتخابات المحلية والرئاسية المقبلة التي من المقرر أن تجرى في ربيع 2019 مشيرا إلى أن التجربة أثبتت أن المجالس المنتخبة المحلية أو حتى الوطنية لا يمكنها أن تؤثر في صناعة الرئيس المقبل.
وأرجع بلحيمر خوض زعماء أحزاب الموالاة في موضوع الانتخابات الرئاسية خلال حملة الانتخابات المحلية الأخيرة إلى عجز هؤلاء الساسة عن تناول المواضيع التي لها علاقة بالمجالس المحلية، لأن الجميع يعلم أن هذه المجالس التي تفتقر إلى الصلاحيات وإلى المال، بسبب الأزمة الاقتصادية والمالية التي جعلت السلطات تقلص ميزانياتها، لا يمكنها أن تفعل الشيء الكثير لتغيير واقع المواطنين، لذا تفضل بالهروب في خطابها نحو القضايا السياسية، الأمر الذي جعلها تقحم موضوع الانتخابات الرئاسية في الحملة التي كانت تخص تجديد المجالس المحلية.
واعتبر عبد الرحمن سعيدي القيادي في حركة مجتمع السلم ( اخوان) أن الاكثار والمبالغة في الحديث عن التزوير بعد كل انتخابات من أسباب تراجع الاسلاميين، لأنه يؤدي إلى نفور الناس وعزوفهم عن التصويت، ولما تزيد نسبة المقاطعة تتضرر الأحزاب المعارضة، والإسلامية على وجه الخصوص، فما الفائدة من الترشح ومن التصويت، موضحا أنه في وقت سابق كان الحديث عن التزوير يبرر النتائج السلبية، ويجعل الإسلاميين في صورة الضحية، لكن الآن الحديث عن التزوير يجرم أكثر من أن يجعلك الضحية، كما أن الأحزاب الإسلامية التي لم تتمكن من الترشح سوى في 500 أو 600 بلدية من أصل1541 بلدية فمعنى ذلك أن لديك مشكل انتشار، ومشكل تنافسية القوائم، فضلا عن عوامل أخرى مثل المال الذي اقتحم ساحة الانتخابات، بشراء الأصوات والذمم.
واعتبر سعيدي أن الخطاب السياسي لكل الأحزاب عموما، وليس فقط الأحزاب الإسلامية، أصبح يتسم بالعموميات، يحيط بالواقع دون أن يلامسه، يعتمد على الانتقاد دون تقديم البدائل، وأن مراجعة الخطاب السياسي للإسلاميين أصبح أكثر من ضروري، مشددا على أن رصيد الأحزاب الإسلامية في الشارع ما زال موجودا، لكن القيادات الحالية لم تنجح في تحويله إلى أصوات في المواعيد الانتخابية.
كمال زايت