عرفته في منتصف التسعينيات، يجلس في ركن مميز على مقهى المثقفين في وسط العاصمة «زهرة البستان»، كان لا يزال كاتباً مبشراً وحسب، يبدع في القصة القصيرة ويلوذ دائماً بالصمت، صمت ينطوي على موهبة كبيرة، كان أشهر ما كتبة المجموعة القصصية «راكبة المقعد الخلفي»، قرأتها إبان صدورها فرأيت الجانب الذي لم أدركه فيه من مجرد الملاحظة، ولدهشتي من عمق الكتابة ورهافة الإحساس القصصي بادرت بالكتابة عن المجموعة، التي صارت في ما بعد من أميز كتاباته الإبداعية.
مكاوي سعيد، صاحب المجموعة القصصية «فئران السفينة» ورواية «تغريدة البجعة» التي نافست على جائزة البوكر قبل سنوات، وأحدثت دوياً هائلاً في الوسط الثقافي، وبات بموجبها كاتباً يشار إليه بالبنان، حيث تناولت الأقلام النقدية الرواية تناولاً إيجابياً، أعطى الكاتب المغمور حقه، ووضع موهبته بين قوسين، وقد شجع ذلك مكاوي على إنجاز كتابه المهم «مقتنيات وسط البلد» ليضيف بعداً آخر للإبداع بنوع مختلف من الكتابة التأريخية الوثائقية لشوارع القاهرة الرئيسة، في منطقة وسط البلد، وما تحمله من ذكريات وعلاقات ربطته بأشخاص على مدار رحلته ومشواره، فنسج منها خيوط الحكايات الإنسانية، التي أورد تفاصيلها بعمق يليق بكاتب روائي كبير عاش حياته باحثاً عن المكنون والمخبوء في الشخصيات الهامشية التي قابلها وتعامل معها وانفعل بها، ولم ينس العلاقة النفسية المتضمنة داخل كل شخصية، والمرتبطة بالأماكن كخلفية لأحداث كثيرة جرت، وكان هو شاهداً عليها. كان الكتاب نقلة نوعية في إبداعه فلم يكن إبداعاً روائياً أو قصصياً، وإنما ظل حالة فريدة خاصة جداً في شكلها ومضمونها وتناولها.
ولهذه الخصوصية في كتابات وإبداع الراحل مكاوي سعيد، التفتت إليه الأنظار المحلية والعربية مؤخراً، فبات ضيفاً كريماً على كل المنتديات والمؤتمرات والاحتفالات الثقافية، وعرف طريقة للجوائز، وحظي بالتقدير المستحق كمبدع عصامي لم يركن إلى شيء آخر غير موهبته، فما حققته روايته الأخيرة «أن تحبك جيهان» من أصداء واسعة، جاء نتيجة دأب واجتهاد والتقاط ذكي لما يريد طرحة من أفكار واعتناء حقيقي بمنطق الكتابة في أعمالة وشخصياته وموضوعاته، فلم ينسق وراء ما يسمى بالكتابة الحداثية الجديدة، ونأى بنفسه عن لغة التهويم وغموض العبارة بادعاء العمق، بل ظل على بساطته وسلاسته المعهودة، فوصلت لغته الروائية لكل الفئات والأعمار، واقترب كثيراً من الحس الشعبي فزاد قراؤه وأصبح الكاتب المفضل لدى الشباب من الجنسين.
وللراحل مكاوي سعيد مساهمات أخرى في الكتابة السينمائية، إذ كتب مجموعة سيناريوهات لعدد من الأفلام التسجيلية والوثائقية المهمة، منها «النسر الشهيد عبد المنعم رياض، قناص حرب الاستنزاف، منير كنعان، الجورنالجي محمد حسنين هيكل». وأيضاً كتب الفيلم القصير وتميز فيه، فمن بين ما كتب فيلما «الزيارة»، و»الغرفة رقم 12» المأخوذان عن قصة الكاتب العالمي نجيب محفوظ، وبهذا دخل مكاوي منطقة مغايرة لإبداع متخصص كان مقصوراً على كتاب السينما المحترفين، واستطاع أن يثبت جدارة فيه على مستوى اختيار الشخصيات والموضوعات وأساليب التناول. وتعد هذه الأفلام وثائق مهمة لسير الرموز والأبطال التي تم تقديمها بوصفها نماذج وطنية مشرفة وتنوعا إبداعيا وجماليا جديرا بالتسجيل والتوثيق ورافداً ثقافياً وتنويرياً مهماً ومطلوباً.
رحم الله الكاتب والأديب والمثقف الرفيع.
كمال القاضي