القاهرة ـ «القدس العربي» من كمال القاضي: في فترات الكساد وتعطل الإنتاج وعشوائية اختيار الموضوعات، تظهر أعراض الأمراض السينمائية في دوائر تضيق وتتسع حسب الظاهرة ومقدار تفشيها وتأثيرها، في واحد من العناوين الدالة على الحالة يأتي فيلم «إللي اختشوا ماتوا» كنموذج دقيق لفساد الذائقة وانهيار القيم الفنية، ودخول التجارة طرفاً أوحد في لعبة البيزنس الرخيصة، التي يمارسها تجار يدعون تقديم أعمال فنية ليس فيها من سمات الفن أو الإبداع غير المسميات فقط لا غير.
ورغم ضعف المحتوى، ظاهرة وباطنه وفجاجة التناول وضعف المعالجة تتوالى الإشارات في سياقات غير منطقية للأحداث للإيحاء بأن هناك قضية تخص المرأة المصرية، وهو اجتراء صريح على واقع المرأة وعالمها وكينونتها، بيد أن الوصف اللائق بالصورة والموضوع هو الإهانة، حيث أن اختزال الواقع الأنثوي في ماهية الشحم واللحم والعري والاغتصاب لا يمثل دفاعاً عن الحقوق، وإنما يترجم الصورة الذهنية المشوهة المراد تصديرها، باعتبار المرأة كائنا مقهورا ومستباحا وسلعة تباع وتشترى لمن يملك الثمن، وهو البعد التجاري الذي رسمه السيناريست محمد عبد الخالق، وظل المخرج إسماعيل فاروق حريصاً عليه من أول مشهد في الفيلم إلى آخر مشهد فيه، بما يعني أن المسألة برمتها لم تخرج عن إطار الاستثمار المهين لبطلات الإغراء المختارات بعناية، غادة عبد الرازق وسلوى خطاب وعبير صبري وهيدي كرم ومروى عبد المنعم وغيرهن.
يتخذ المخرج من «البانسيون» الذي تعيش فيه البطلات مسرحاً لكل الممارسات، فهو المأوى والسكن والخلوة، تداهمه مباحث الآداب المتربصة بصاحبته على خلفية سمعتها السيئة، ناهيك عن تجمع الفتيات والنساء المثير للريبة والشك ونزوعهن للانحراف أو انحرافهن الفعلي الذي يبرره المخرج بوطأة الظروف كدافع أساسي للجريمة.
تمثل غادة عبد الرازق النموذج الرئيسي بين الضحايا، فهي ممرضة تتهم ظلماً بسرقة الأدوية من المستشفى الذي تعمل فيه، ومن غير مقدمات يزج بها في السجن لنكتشف بعد ذلك أنها متزوجة من الطبيب الذي تعمل معه، ولها منه طفلة صغيرة يهرب بها، فلم تجد مأوى بعد خروجها من السجن غير البانسيون إياه، ثم يعود زوجها الطبيب فجأة لنواجه بمستوى إنساني مختلف، حيث يكشف عن حقيقة هروبه مؤكداً أن ما حدث كان من أجل الحفاظ على سمعة الطفلة، ولكن سرعان ما تنكشف المراوغة وتنبئنا الأحداث بأنه مجرم ضالع في الإجرام، وهكذا دواليك يأخذنا المخرج إسماعيل فاروق شمالاً ويميناً بين الأحداث والشخصيات، لنرى آيات إعجازه الفني وتتباين الصور التراجيدية بين التهديد والقتل كنتائج للاضطهاد والعلاقات القسرية الجبرية بين الرجل الذئب والمرأة الحمل، وفي محاولة للشحن والتعبئة لم ينس فاروق أن يذكرنا بالقمع الذي تمارسه الشرطة حيال المجموعة النسائية المنحرفة والمظلومة والجانية والضحية، فهو يقف في مفترق الطرق، يدين تارة ويبرئ تارة، ولأن الموضوع يفتقد للقوام الرئيسي وهو الحرفية والمنطقية، فقد بدت كل الخطوط الدرامية فيه ضعيفة وغير مترابطة، ففكرة القهر الاجتماعي ضد المرأة التي يتم التعويل عليها لم تتبلور، فكل الشخصيات منحرفة وغير سوية، ومن ثم لا يمكن التعاطف معها، وهو تناقض حاد وقع فيه السيناريست وأكدته رؤية المخرج الساذجة، فهي محض تشويش وتناثر لأفكار منبتة الصلة بطبيعة الحقوق التي يدعيها الفيلم كمكتسب أصيل للمرأة التي تمثل عنصر الانسجام والتوافق الاجتماعي، بعيداً عن تلك العينات المجرمة من أرباب السوابق!