«وا أردوغاناه»: سياحة في بيت السماء! وشخير فضائي في أُحد ونفخ أردني في الصور!

 

تركيا ليست خيمة مستباحة، وأردوغان ليس زعيما عربيا، والحمد لله، كما لم يكن صلاح الدين الأيوبي، الذي استعان الرئيس التركي بوصيته في خطابه لمؤتمر التعاون الإسلامي حين قال: «من انشغل بضر إخوته لن يهزم أعداءه»، ولذلك لم يجرؤ بعض الأوروبيين على التماهي مع مصيدة ترامب التاريخية باعتبار القدس عاصمة أبدية للصهاينة، لأنهم أدركوا أن أردوغان اختار الانحياز للمثل التركي القديم: «مهما كانت المسافة التي قطعتها في طريق خاطئة، لا تكمل، بل عُد فورا»، وهو الذي يملك مفاتيح المجد والعظمة، لا يمكن أن يفرط بها من أجل الدخول إلى تحالف (ألعوبان) يدخله إلى بيت الطاعة الترامبي على طريقة العربان، مدركا ولو بعد حين، أن المفاتيح أهم بكثير من الأبواب، ومفتتحا قمته بآيات كريمة تختصر تاريخ الصراع ومستقبله، محملة بالوعيد القرآني لبني إسرائيل، والوعد الإلهي بتحرير القدس بيت السماء.. رغما عن أنف الغائبين عن قمة الكبار لأنهم خافوا على قامتهم من الانكماش أمام الكاميرات، وعلى وجوههم المشوهة من الأضواء الكاشفة، وعلى أشمغتهم الباذخة من دعاء الفقراء، وعلى هاماتهم المطأطئة من الشرفاء، وعلى شخيرهم الفضائي المزعج من يقظة الشهداء… وعلى طقطقة شرش الحياء من فورة الدماء.. فأهلا أهلا!
«شوف» كبار الأمة الإسلامية، الذين أسقطوك، ودمروا قلاعك، واخترقوا حصونك، جاءوا اليوم ليرفعوا فوق رؤوسهم بيت السماء في «قدسك»، وفوق أكتافهم شرفك، وفي أعناقهم حبل وريدك، بينما يهديك المخادعون بئرا احتياطية ليوسفك المغدور، وذئبا افتراضيا لدم قميصك المهدور، فهل تغضب؟! سجل إذن، أنك أخذت إجازة مفتوحة من عروبتك!

مسلسل «خريطة الأرض المقدسة»

«قال تشارلي: سيدي الرئيس، انظر ماذا وجدت في سوق البضائع المستعملة.. إنها خريطة رسمت عام 1709، بعنوان: فلسطين الكنعانية على الأرض المقدسة…
الرئيس: واو ..انظر إلى هذه التفاصيل الطبوغرافية، إنها ممتازة حقا، سأقوم بوضعها في إطار الصور لتعليقها على الباب الخارجي للجناح الغربي»..
يدخل إلى مكتب الرئيس أحد موظفي البيت الأبيض ويخرج تشارلي:
– صباح الخير سيادة الرئيس.
– انظر إلى هذه الخريطة منذ عام 1709 .. نهر الأردن وجبل سيناء، إنها خارطة للأرض المقدسة مرسومة باليد والطباعة بالنحاس… سنعلقها على باب مكتبي..
– لا تستطيع سيدي الرئيس..
– لماذا؟
– البعض سيجدها جارحة ومهينة لأنها لا تعترف بإسرائيل!
– إنها رسمت عام 1709 حيث لم تكن إسرائيل قد وجدت بعد!
– صحيح إسرائيل تأسست بعد 250 عاما!
– ما المشكلة إذن…
– إنها لا تعترف بإسرائيل!
– «يا زلمة وحد ربك» – في تخيل لانفعال متقمص – لقد كان لدينا خريطة للولايات المتحدة ثلثها الأول ممثل بالمستعمرات الثلاث عشرة الأولى، وثلثها الثاني ممثل بأراضي لويزيانا الفرنسية، والثالث بالمكسيك، هذه الخريطة لا تذكر اسم ولاية واحدة، لأنها رسمت قبل أن توجد الولايات الأمريكية، وأنا رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ولا أرى الأمر مهينا.
– أنت رجل عاقل وناضج سيدي لذلك لن تضعها هنا!
– سأضعها على زجاج سيارتي الليموزين!
أما تشارلي، فقد تنكر تماما للخارطة، كأن أمرها لا يعنيه، وكأنها ليست اكتشافا تاريخيا ظفر به خلال إجازة سياحية… وأما الرئيس فوجد نفسه بين شلة همج ومجانين يطالبونه بالتعقل وقد أخذ الجنون منه كل مأخذ، وأنت تتابع هذا المقطع من المسلسل الأمريكي «الجناح الغربي» في جزئه الثالث، حلقة 10، لا تـدري هل تشـفق على عقـله أم علـى تشـارلي، أم عـلى تاريخـك السـماء!

تبديل مواقع الموتى في البيات الإعلامي

لا تستطيع أن تجزم بعد، باحتواء الأزمة الإعلامية بين الأردن والسعودية، من «رؤيا» وحتى «العربية»، التي لم تحرك ساكنا بعد وعد «عزرامب»، وغطت في شخير فضائي لا يقض مضجعه سوى بعض التثاؤبات الخفيفة كفواصل دعائية تتخلل البيات الإعلامي، بينما استفاق الحراك الرسمي على صفعة لاذعة لاستثنائه من المشهد قبل أن يعيده الشارع إلى الصدارة، بعملية نفخ في الصور، بدلت مواقع الموتى في الملعب، وسرقت الشاشة من التاج، لتسلطها على جنود المعراج في الأردن، وتنبه من يجمعون الغنائم في أحد أن المعركة لم تزل قائمة، وأن الكاميرا حين تنطفئ لا توقف الحدث بل تشحنه!
الأمر يشبه ثورة النخب الاستخباراتية في الإعلام الأمريكي التي أعلنت اشمئزازها من سيطرة اللوبي الصهيوني على الإرادة السياسية وحرية المعلومات بذريعة الاستيراتيجية الأمنية، لتعلن مجلة أتلانتيك في عددها الصادر في سبتمبر/أيلول 2014 أن أسوأ أسرار الكون تحتفظ بها أمريكا، وكلها تتعلق بإسرائيل، ساخرة من إجابة أوباما على سؤال الصحافية هيلين توماس عن أسلحة الشرق الأوسط النووية حين رفض التكهن، كأن الأمر إشاعة، وهذا ما عرض المحلل النووي المخضرم في مختبر لوس آلاموس الوطني للعقوبة بعد مقال نشرته مجلة بريطانية عام 2013 تحتوي تقييما نقديا للسياسة النووية الغربية وشكوكا حول مبادئ الردع النووي، ما أثار غضب رؤسائه في مختبر الأسلحة النووية، ليعتدوا على خصوصياته ويوقفوا راتبه ويداهموا مسكنه وحاسوبه المنزلي، وحتى عندما أصدرت وكالة الاستخبارات المركزية مذكرة بشأن أسرار إسرائيل جنحت إلى الاعتقاد لا الجزم استجابة لقانون حرية المعلومات، لتظل دولة الاحتلال مغلفة بسياسة «اميموت» أي الغموض… قبل أن تتغير التصريحات الإعلامية وتدخل الإدارة الأمريكية بخطاب الذرائع الأمنية، لتخرج من حالة البيات الإعلامي فتدخل في متحف الوعـود التاريخـية المحـنطة!

ساعة فضائية للوراء

الدعاية من أخطر وسائل الاعتداء على الحرم الشريف في القدس، ولم يأل الاحتلال جهدا في هذا المجال، حيث استخدمت وزارة السياحة الصهيونية صورة قبة الصخرة في منشور ترويجي لتشجيع وإنعاش الحقل السياحي عام 1999، كتمهيد لاعتداء أكبر تمثل باقتحام شارون للمسجد الأقصى المبارك، ثم قامت شركة صهيونية بوضع صورة الأقصى على زجاجات الفودكا، عام 2003، ما يبرهن أن منح القدس للصهاينة يتماهى مع التشويه الإسرائيلي للذاكرة التاريخية للمكان، ومع العنصرية المتعمدة بإهانة المُقدس الديني، والعبث به كأنه صحن حمص أو فلافل يضم إلى جيبة المسروقات الصهيونية.
ولا يتعلق الأمر بالحق أبدا، طالما أن ساعة الاحتلال الجينية تسير بعكس عقارب التطور البشري والإنساني والتاريخي للمكان، لأنها تعمل بمنطق الساعة الفضائية «روبيديوم»، فتنتقم من نبوخذ نصر والرومان بمعاقبة تاريخ فلسطين، تقيس الفارق الزمني بين الزمن الفضائي المتأخر عن الزمن الأرضي بمقياس أسطوري متخيل ومفتعل، تفرضه على الكرة الأرضية كواقع إجباري مُسَلّم به، وهو ما يحيل وعد «عزرامب» إلى صفقة موت لها مزاجها التجاري البحت، ولا شهود عليها سوى حراس العالم السفلي من شريبة أنخاب الدم، والخونة وعملاء المقابر النبوية وسدنة البيوت المنزلة من السماء وسواح التطبيع!

كاتبة فلسطينية تقيم في لندن

«وا أردوغاناه»: سياحة في بيت السماء! وشخير فضائي في أُحد ونفخ أردني في الصور!

لينا أبو بكر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية