منهل باريش: دخلت قوات النظام السوري الحدود الإدارية لمحافظة إدلب للمرة الأولى منذ سيطرة فصائل المعارضة عليها قبل نحو سنتين ونصف، إثر تشكيل «جيش الفتح» في ربيع عام 2015 وطرد النظام من مدينة إدلب وأريحا وجسر الشغور.
وتقدمت قوات النظام والميليشيات المرافقة من محيط الزغبة وقصر الشاوي لتسيطر على البليل وقصر علي، وتعزز هجومها وتقضم ببطء وبعد معارك عنيفة قرى الظافرية (آخر البلدات الإدارية في حماة) والشطيب والهوية وتسيطر على تل السيرياتيل وأم تريكية وأم خزي، الواقعات في محافظة إدلب.
ويقدر عمق السيطرة العسكرية لقوات النظام في محافظة إدلب بنحو 6 كم فقط، حيث تدور معارك كر وفر وتبادل سيطرة خصوصا على تل السيرياتيل الاستراتيجي، والذي يشرف على قرى محافظة إدلب شمالا وقرى وبلدات محافظة حماة جنوباً. وتحاول قوات النظام توسيع حدود السيطرة الآنية غرب تل السيرياتيل في قرية المشيرفة حيث أحبط «جيش العزة» الهجوم عليها.
ويشن جيش النظام هجوماً على ثلاثة محاور للتقدم في ريف حماة الشرقي، بهدف الوصول إلى مطار أبو الظهور العسكري شرق محافظة إدلب.
المحور الأول هو الجنوبي الذي تركز العمليات فيه منذ نحو شهر ونصف، ويضم الزغبة واللواء 66 وناحية الحمرا باتجاه الشطيب والحدود الإدارية الجنوبية لمحافظة إدلب، حيث تفصل قرابة 35 كم قوات النظام عن مطار أبو الظهور العسكري.
ومحور أوسط، هو الشاكوسية ـ الرهجان، مسقط رأس وزير الدفاع الحالي في حكومة النظام، العماد جاسم فهد الفريج، والتي سيطرت عليها جبهة النصرة منتصف عام 2014. كذلك دخلها تنظيم «الدولة الإسلامية» عدة أيام بعد خروجه من منطقة وادي العذيب عبر مناطق سيطرة النظام، لتطرده منها تحرير الشام بعدها بأيام قليلة.
المحور الثالث في العمليات هو خناصر، حيث تقدم جيش النظام وعدد من الميليشيات المحلية وسيطر على قرية القرباطية والرشادية، التي عاد وخسرها بعد هجوم لـ»تحرير الشام». ويعتبر هذا المحور أقرب المناطق التي يتمركز فيها جيش النظام بالنسبة لموقع مطار أبو الظهور العسكري، إذ يبعد نحو 26 كم، ويعتبر المحور الأقل كثافة سكانية من المحورين الآخرين.
ويُستغرب عدم تحرك الميليشيات الإيرانية من ريف حلب الجنوبي، حيث تعتبر بلدة الحاضر غرفة العمليات الإيرانية في ريف حلب الجنوبي، وشهدت زيارات متكررة لقائد فيلق القدس الإيراني، الجنرال قاسم سليماني. وتتركز في منطقة ريف حلب الجنوبي أعداد كبيرة من الميليشيات الإيرانية وميليشيا حزب الله اللبناني.
الضغط الكبير على هيئة تحرير الشام بسبب هجوم قوات النظام والميليشيات المساندة له، والتحرك الخاطف في الجيب الذي يتمركز فيه عناصر تنظيم «الدولة الإسلامية»، دفعا أبو محمد الجولاني إلى تقديم بعض التنازلات الصغيرة داخل الهيئة نفسها، فقام بالإفراج عن مشايخ التنظيم الدولي المتمثلين بسامي العريدي وأبو جليبيب، في محاولة منه لرأب الصدع الحاصل في صفوف الأجنحة العسكرية. لكن محاولاته لم تنجح، وأعلن عدد من القادة العسكريين في قاطع البادية تعليق عملهم مع «تحرير الشام» والعودة لأصل الوفاء بالبيعة، حسب تعبيرهم في بيانين منفصلين حصلت «القدس العربي» على نسخة منهما.
وحاول الجولاني كسب ود الفصائل الكبرى التي خاض معها قتالا قبل عدة أشهر، حيث اجتمع مع قادة «حركة نور الدين الزنكي» و«حــركــة أحرار الشام» الإسلامية و«جيــش الأحرار» آخر الخارجين من تحالف تحرير الشام. وخلال ذلك أطلق الجولاني سراح عدد من الأسرى التابعين لأحرار الشام، في حين تم تسليم بعض الحواجز إلى حركة الزنكي مقابل تسليم الفوج 111 شرق دارة عزة لتحرير الشام. كذلك وعد الجولاني بإعادة ما سلبه لحركة أحرار الشام وجيش الأحرار على عدة مراحل.
في التطورات، لم تتمكن الفصائل الأربعة من إبرام اتفاق صلح نهائي، ويشار إلى أن الجولاني هو في أشد الحاجة الى إرضاء الفصائل لمواجهة خطر الانقسامات الداخلية في تحرير الشام وقطع الطريق عليها. ومن غير المستغرب تشكيل حلف مع تلك الفصائل لمواجهة الأصوات القاعدية، والتي بدأت بتأسيس كيان جديد يدعى «أنصار الفرقان» يتزعمه الشيخ سامي العريدي ويتبع مباشرة إلى التنظيم الدولي الذي يقوده الدكتور أيمن الظواهري.
التكتيكات التي يتبعها النظام وحلفاؤه، ومحاور التقدم في ريف حماه الشرقي وريف إدلب الجنوبي، تدلل بشكل واضح أن الهدف من الهجوم هو السيطرة على المنطقة الواقعة شرق سنجار وصولا الى مطار أبو الظهور العسكري.
وتؤكد التصريحات الروسية التي ترافقت مع الزيارة الخاطفة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى قاعدة حميميم الجوية وإعلانه النصر على تنظيم «الدولة» وتكليفه شبه المباشر للعقيد سهيل الحسن الذي تلقى مديحا كبيرا منه بحـضــور بشار الأسد، أن العمليات الروسية والهدف الاستراتيجي الروسي هو السيطرة على منطقة شرق سكة قطار الحجاز القديم.
الشهية الروسية ورغبتها في تطبيق مناطق «خفض التصعيد» في إدلب تحديدا سيكون محط تركيز الجانب الروسي في الجولة القادمة لمباحثات أستانة. ومن المتوقع أن تضغط روسيا على الأطراف لتطبيق خرائط خفض التصعيد المتفق عليها والتي ما زالت سرية وغير معلنة. وكل ما رشح عنها، والذي ترافق مع تصريحات المتحدث باسم الكرملين، يؤكد أن روسيا وحلفاءها ستقوم بفتح طريق حلب مرورا من أبو الظهور. وهو ما يتطابق مع محاور الهجوم التي يشنها النظام على الأرض بتغطية جوية من المقاتلات الروسية، التي أعلن بوتين أنها بدأت بالعودة إلى موسكو.