تتفجع «روسيا اليوم» في موقعها الالكتروني، وفي مقال يحمل عنوان «هل تعتز إسرائيل بالفن اليمني أكثر من العرب؟»، وبمناسبة رحيل الفنان اليمني أبو بكر سالم، على قلة الاحتفاء العربي باسم الفنان الكبير وتجربته وخبر موته.
لكن لماذا اختيار إسرائيل للمقارنة؟ هل أفردت قنواتها للاحتفاء بتجربة الفنان عند رحيله؟ الجواب، على ما يسرد المقال، هو لأن «الفن اليمني حاضر في إسرائيل، حيث يعيش يهود كثر تعود أصولهم إلى اليمن، لا يزالون يشعرون بالترابط الوجداني مع أرضهم وعاداتهم وثقافتهم اليمنية.. فتجدهم يغنون تراثهم الموسيقي، ويؤلفون أغاني جديدة ويتغنون بحب يمنهم بلهجة يمنية خالصة. والملفت هنا أن جذور أشهر المغنّين في إسرائيل تعود إلى اليمن»!
إذاً فإن إسرائيل تحتفي بهؤلاء لأنهم إسرائيليون لا لأنهم يمنيون. فهل يكفي ذلك كي نمجّد الحفاوة الإسرائيلية بمغنين من أصل يمني، أما من تجارب أخرى في العالم كله احتفت بمبدعيها وربما على نحو أحسن بأضعاف؟!
هل هذه هي الموضة الآن، كلما خطر لأحد أن يفضح «جهل الأمة ووحشيتها وقلة حيلتها»، حتى لو أدت موضة المقارنة إلى الاستخفاف بوحشية جنود الاحتلال الإسرائيلي الملحوظة بالعين المجردة على كل شاشات العالم، وإلى الاستخفاف بآلام الفلسطينيين!
«لن أسهب بذكر الكثير من هذه الأسماء اللامعة (في إسرائيل)، كي لا يُقال إنني أدعو إلى التطبيع مع العدو». عبارة يقولها كاتب المقال، من دون أن يتوقف فعلاً عن ذكر الأسماء، بل هو يستخدم العبارة ذريعة للاستمرار في حفاوته تلك. إنها بالضبط من نوع «يكاد المريب يقول خذوني».
عبدالحليم كأنشودة يهودية
يستمر مقطع فيديو لفرقة إنشاد دينية يهودية في حصد إعجابات سكان مواقع التواصل الاجتماعي، والسرّ أن الأنشودة ما هي إلا أغنية عبدالحليم حافظ «أنا كل ما اقول التوبة» من ألحان بليغ حمدي.
الفيديو أثار خصوصاً المصريين، وقد استنفر احتجاجهم وشتائمهم وسخريتهم، متسائلين عن حقوق الملكية الفكرية للأغنية المصرية الشهيرة.
هذا قليل مما نعرفه عن سرقات الإسرائيليين للتراث العربي والفلسطيني، التي طالت الأغاني والألحان والتقاليد الشعبية من الأطعمة إلى اللباس التقليدي وسواه.
الأمل في أن لا تكون هذه هي الطريقة الوحيدة، حين يسلط الإسرائيليون الضوء عليها، لإعادة اكتشاف أغانينا ومجمل تراثنا.
ماجدة… أي كلام
«أين ستهربون من ردة الغضب/ في صدر شعب كامل يحترف الغضب/ بحقنا الأسير أين ستهربون/ من لعنة الضمير أين ستهربون/ هي لعبة المصير/لا، لن يجدي الهرب/ لا، لن يجدي الهرب/ لن يجدي الهرب».
هذه كلمات ألقتها المغنية اللبنانية ماجدة الرومي في فيديو تحت عنوان «القدس لنا» وضعته على صفحتها في فيسبوك منذ أيام، تضامناً مع القدس، ورفضاً لقرار ترامب نقل السفارة الأمريكية إليها.
لا شك أن المرء يرفع القبعة لأي شكل من أشكال التضامن الصادق مع مأساة الفلسطينيين وحقوقهم، لكن التضامن الصادق وحده لا يكفي كيف تصنع فناً بإمكانه تخطي حاجز الأربعة آلاف مشاهدة. إن فيديو متقناً وعلى وجهه قليل من الضوء بإمكانه أن يصل اليوم إلى الملايين حتى لو لم لصاحبه تلك الشهرة، فلماذا يبقى فيديو الرومي حبيس حسابها على هذا النحو؟ لا بدّ أن الفنانة سألت نفسها، ولا ندري إن كانت حصلت على جواب.
هناك أولاً الكلام، المشار إليه أعلاه، وهو ليس سوى «أي كلام». وهناك ثانياً الإلقاء الرديء للفنانة التي اكتفت بالإلقاء دون الغناء، على وقع موسيقى، مع صور للمدينة الفلسطينية المقدسة.
الفنانة معروفه بقربها من فلسطين وقضية شعبها، ولا شك أن تضامنها نبيل وأصيل، لكن حين يأتي هكذا، لن يكون من شأنه إلا أن يشتت انتباهنا عن الصور الحارة العظيمة المقبلة من هناك.
قافية نزار قباني السهلة
الوصيفة الأولى لملكة جمال لبنان للعام 2017 أرادت أن تعبر عن تضامنها مع المدينة الفلسطينية الجريحة فعادت إلى أرشيف الطفولة، قامت ببث مقطع شعري من قصيدة «القدس» لنزار قباني، تؤديه وهي طفلة «يا قدس، يا مدينة الأحزان/ يا دمعةً كبيرةً تجول في الأجفان/ من يوقف العدوان؟/ عليك، يا لؤلؤة الأديان/ من يغسل الدماء عن حجارة الجدران؟/ من ينقذ الإنجيل؟/ من ينقذ القرآن؟».
في الواقع خِلت أن القصيدة النزارية من تأليفها هي، من فرط بدائيتها، والملاحقة للقافية السهلة. يصعب أن تتخيل أن القصيدة لشاعر بحجم نزار قباني، كان له فضل كبير على رواد الشعر العربي، كان له أن «يلقي الجمر في أحضان الكبار».
تضامن.. لا تضامن
في الأوساط الفنية التركية يبدو أنه قد عزّ التضامن مع القدس إلى حدّ التنقيب في فستان بطلة «حب أعمى» نسليهان أتاغول خلال حفل توزيع جوائز «الفراشة الذهبية». انشغل الجمهور، وبعض الإعلام، بالتخمين إن كانت نسليهان ارتدت الفستان تضامناً مع القدس، حيث رأى البعض أنّ النقوش الموجودة باللون الذهبي على الفستان ترمز إلى المسجد الأقصى بقبته الذهبية، فيما جاء التأكيد تالياً أنّ الفستان صُمّم قبل إعلان ترامب.
معايير تلفزيونية
تكريم الممثلة السورية سلاف فواخرجي في مهرجان قرطاج المسرحي في دورته الأخيرة إشارة غير مطمئنة لحال المسرح التونسي. يبدو أن علينا اعتياد أن ذلك البلد الذي يعتبر أساس «الربيع العربي» ونموذجه يقدّم أكثر من إشارة موت لحالات كانت ناهضة قبل الثورة في ذلك البلد، ومن بينها المسرح، الذي تشهد له خشبات المسارح العربية.
حين يجري تكريم نجمة تلفزيون لا يعرف عنها وقوف على خشبة المسرح، أو أي اهتمام به، سيكون في ذلك احتقار لعدد كبير من المسرحيين، تونسيين وعرباً، أفنوا حياتهم على الخشبة، وبالضبط في مواجهة مغريات التلفزيون.
ماذا في وسع الفاضل الجعايبي وتوفيق الجبالي وليلى طوبال وسواهم من مسرحيي تونس أن يقولوا اليوم حين تصبح معايير «قرطاج المسرحي» تلفزيونية، حين تصبح عين المهرجان العريق على نجوم التلفزيون!
كاتب فلسطيني سوري
راشد عيسى