«مسلمة لمدة أسبوع» يثير عاصفة‪…‬ «بانكروفت» أصيب بلعنة مواقع التواصل‪…‬ وتريزا ماي تريد امرأة في دور العميل 007

حجم الخط
2

 

يُعَّدُ التلفزيون البريطاني المعروف بالقناة الرابعة من أكثر الشاشات جرأة على تقديم برامج وثائقيّة مختلفة تتحدى السائد والمألوف، وهي في ذلك كثيراً ما نجحت بكسر هيمنة قنوات الـ»بي بي سي» على أعداد المشاهدين خصوصاً أوقات الذروة. لكن إحدى تلك (البهلوانيات) البصريّة انفجرت كما الفقاعة بوجهها وتحولت إلى عاصفة من الانتقادات اللاذعة في الصحافة وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، ولم تفلح تبريرات الإدارة أو فريق العمل في تهدئة العواطف.

طريق الجحيم مفروش بالنيّات الطيبة

ذهبت القناة إلى استكشاف موضوعة تفشي رهاب الإسلام – الإسلاموفوبيا – في المجتمع البريطاني لا سيّما بعد الاعتداءات الإرهابيّة الدامية في لندن ومانشستر والتي تبين أن من قام بها مسلمون مقيمون، وقد كلّفت بذلك صانعة الأفلام الوثائقيّة البريطانيّة المسلمة فوزيّة خان التي قدمّت وثائقيّاً استقصائياً يقرأ معاناة المسلمات البريطانيات من خلال تجربة ممثلة إنكليزيّة (كاتي فريدمان) تقضي أسبوعاً مع عائلة باكستانيّة مسلمة تقيم في بريطانيا. وإلى هنا كان كل شيء يسير على ما يرام، فالنيّة طيبة دون شك، والهدف تنوير الجميع بخطورة الإسلاموفوبيا على ثقافة المجتمع البريطاني في القرن الحادي والعشرين. لكن خان وفي إطار سعيها لتحقيق غاية الوثائقي قررّت أن تلعب الممثلة الإنجليزيّة – التي لم تختلط مسبقاً بالمسلمين – دور مسلمة باكستانيّة لمدة أسبوع، وهي من أجل ذلك ألبستها حجاباً، وطلت بشرتها بلون بني غامق، وأضافت لها من خلال المكياج المحترف تكبيراً للأنف وعدسات بنيّة للعينين وأسناناً كبيرة!
وبالفعل عُرض الوثائقي وقدّم خبرة – مختلفة دون شك – عن المصاعب التي تتعرض لها سيدات مسلمات في بريطانيا بسبب التمييز العنصري لا سيما بعد كل عمل إرهابي جديد. لكن وحتى قبل انتهاء البرنامج، تدفقت آلاف التعليقات الغاضبة من مشاهدين مسلمين، تلتها صحف الصباح التي نشرت مقالات تندد بهذا الأسلوب الاستشراقي البغيض والعنصري والساذج في طرح قضية حساسة مثل هذه. وتساءل العديدون عن وجاهة استدعاء ممثلة إنجليزيّة (مستأجرة لتكون مسلمة لمدة أسبوع) للتعرض إلى الإسلاموفوبيا في وقت كان يسهل استكشاف تجربة مسلمات حقيقيات. لكن الانتقادات الأشد كانت لاختيارات الماكياج الشديدة العنصريّة والتي تُقولب المسلمات البريطانيات في نموذج واحد محدد يناسب المزاج الاستشراقي للجمهور البريطاني.
وعلّق أحد البريطانيين الظرفاء والذي كان تحوّل إلى الإسلام بمرارة: «نعم لقد أعطوني عدة المسلم الجديد: لحية، وصباغ غامق للبشرة، وأنف مستعار وأسنان كبيرة، وأنا الآن لا أخرج من دونها». بينما كتب آخر: «ربما ينبغي في وثائقي القناة الرابعة المقبل أن يتنكر رجل أبيض في ثياب امرأة منقبة كي ينقل لنا تجربة النساء البريطانيات المنقبات!».
وكتب محام بريطاني مسلم معروف: «لأن معاناتنا لا يُعترف بها وهي غير موجودة إلا إذا خبرتها شخصية إنجليزيّة بيضاء البشرة».
بالفعل فإن طريق الجحيم، كما وجدت القناة الرابعة، مفروشة بالنيّات الحسنة.

«بانكروفت»: هل سيخضع المبدعون؟

حصل «في سلك الواجب» المسلسل الدرامي البريطاني الذي يطرح مسألة الفساد في إدارة الشرطة البريطانيّة على نجاح باهر لدى المشاهدين، وهو ما حدا بالـ «بي بي سي» إلى إنتاج عدة مواسم متتالية منه.
قناة»آي تي في» المنافسة قررت دخول اللعبة وأنتجت مسلسلاً لا يقل إبداعاً عن (في سلك الواجب) من بطولة شرطية بريطانيّة فاسدة تدعى «بانكروفت». وبالفعل استقطبت الحلقات الثلاث الأول قطاعات واسعة من الجمهور في بداية موسم العطلات، لدرجة أن القائمين على القناة قاموا بتبادل الأنخاب احتفالا بإزاحتهم مسلسل «بي بي سي» عن صدارة هذا النوع من البرامج، لكن الاحتفال كان متسرعاً في ما يبدو، إذ وبعد عرض الحلقة الرابعة والأخيرة تعرض المسلسل إلى موجة انتقادات شديدة غير مسبوقة على مواقع التواصل الاجتماعي وتردد صداها في الصحف جلّها تركزت على نهاية المسلسل باعتبارها لم تقدّم حلاً للمشاهدين، فلم ينتصر الخير هذه المرة، بل كانت الجولة حاسمة لمصلحة الفساد والفاسدين.
تساءل فريق العمل في مواجهة هذي الموجة العارمة عن معنى أن يقرر المشاهدون شكل نهاية العمل الإبداعي: «ماذا تركوا لنا؟» و«هل سنجري استفتاءً قبل تصوير كل حلقة؟». لا شك أن فضاء التواصل بين المبدع والمتلقي لم يعد بصيغته التقليديّة، وأن المتلقي يريد فرض نفسه اليوم كجزء من المُنتَج الذي يعتزم استهلاكه. إنها ديكتاتوريّة المتلقين، وهم أرادوا نهاية تعاقب «بانكروفت»، فهل سيخضع المبدعون؟

هل حان الوقت للعميلة السريّة جين بوند؟

تكاد لا توجد أمة يأخذ لبابها التلفزيون كما هم البريطانيّون. تولّعهم لا يقتصر على برامج الواقع بصيغها المختلفة من قيادة السيّارات إلى خبز الكعك، بل يعرف أن شخصيات أبطال الدرّاما الأسبوعية عندهم تكاد – في تصور قطاعات عريضة – تتحول إلى شخصيّات ما بعد حقيقيّة، يختارون أن تشاركهم حياتهم اليوميّة وينتظرونها كل أسبوع على أحر من الجمر.
فشخصيّة ديردري رشيد من مسلسل «كورونيشن ستريت»، والتي لم تكتف صحف الفضائح البريطانيّة – الأكثر توزيعاً في البلاد مقارنة بالصحف الجادة – بتغطية القصّة وقتها، بل وشنت حملة لإطلاق سراحها كما لو كانت شخصيّة من الواقع، ووزعت ملصقات للسيارات وقمصاناً تحمل نداءات تحتج على اعتقالها. وقد كبرت المسألة عندما عبّر نواب منتخبون في البرلمان على تعاطفهم مع ديردري، وأعلن أحدهم أنّه بصدد الحديث مع وزير الدّاخليّة بشأنها لمنع قبول التنفيذ السيء للعدالة في البلاد.
العميل السرّي جيمس بوند الشهير بـ 007 هو إحدى الشخصيات الدّراميّة الشديدة التّسطيح لكنّها رغم ذلك اكتسبت مع الأيّام مكانة أيقونيّة في الثقافة الشعبية البريطانية كرمز نوستالجي للأزمنة التي كانت فيها بريطانيا قوة عظمى، وهروباً من واقع متردٍ على غير ما صعيد إلى فضاء النشوة الوطنيّة والانتصار على الآخر – غير البريطاني – وذلك عبر سلسلة من أعمال دراميّة حققت نجاحات تجاريّة كبرى في سوق دراما الجواسيس المتلفزة.
وعلى الرّغم من أن المغامرة المقبلة للعميل 007 قد منحت بالفعل للممثل دانيال كريغ، فإن نقاشات واسعة قد بدأت مبكراً في البلاد بشأن من يمكنه – مِن الممثلين البريطانيين حصراً – تولي ذلك الدور الأيقوني بعد تقاعد كريغ. هناك مرشحون كثر منهم أدريس إلبا وتوم هاردي وتوم هايدلستون، لكن رئيسة الوزراء البريطانيّة لها رأي آخر، إذ قالت للصحافيين الذين رافقوها في رحلتها الأخيرة إلى قبرص لتفقد القوات البريطانيّة المرابطة هناك بأن الوقت قد حان لأن تلعب الدّور سيّدة بريطانيّة (أي جين بوند بدلاً من جيمس بوند) وذلك كنموذج لنجاح النساء البريطانيات في تولي كل المناصب العليا والرمزيّة في البلاد.
ولم تكد تهبط طائرة تريزا ماي حتى بدأت بورصة الترشيحات النسويّة للعب هذا الدور غير الموجود فعليّاً بعد. وأبدت ممثلات من الدّرجة الأولى عن رغبتهن في تقديمه بينما نشرت الصحف تقييماً فنياً لصلاحيّة قائمة طويلة من المرشحات الأخريات، وانتشرت التعليقات المرحبّة على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن بعضها شنّ هجوماً قاسياً على ماي معتبراً أنها تروج لصعود نساء الطبقة المهيمنة فحسب – غرار نموذج هيلاري كلينتون وإيفانكا ترامب على الجانب الآخر من الأطلسي – دون أي تمكين حقيقي للنساء البريطانيّات، وأن تقديم نموذج مسطح للمرأة البريطانية من خلال لعب دور عميلة سريّة ليس فيه من خدمة لقضيّة المرأة إطلاقاً.
إذن فلتشرق جين بوند في فضاء الدراما البريطانية. هذي أوامر رئيسة الوزراء تريزا ماي.

إعلامية لبنانية تقيم في لندن

«مسلمة لمدة أسبوع» يثير عاصفة‪…‬ «بانكروفت» أصيب بلعنة مواقع التواصل‪…‬ وتريزا ماي تريد امرأة في دور العميل 007

ندى حطيط

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية