بابُ مَصايدِ الطير: هنا في سيت… هنالك في بني باندو

ليكن!
سنكبرُ في بني باندو.. ونصغرُ في بني باندو معًا
زمنٌ خلاسيٌّ نحاولهُ.. ولي النسيانُ (أكتبه؟) وذاكرة تَندَّتْ.. كان ملحُ البحر أخضرَ.. في الجزيرةِ حيث كنتِ جلستِ.. كان الأبيضُ المُرْمدُّ.. كان الغيمُ تاجَ الريح.. حوتُ الجنّ ملتصقًا بشاطئهِ..
ولي قيعانُ هذا البحر عارية.. وأحجارٌ به لبنيّةٌ مثل الكواكبِ (هل أدورُ بها؟ وعندي الشعرُ كأسُ النردِ!) لي شمسٌ يغطّيها الضبابُ.. ولست بحّارًا لأتَّبِعَ النجومَ إلى الجزيرةِ.. أو طريقَ طيورِها ليلًا! ولي نَوْريّةٌ ستموتُ عطرًا طائشًا بيديَّ .. أقبضُها.. وأطبقُها.. وتعرفُ ثمّ وقتٌ طيّبٌ لابدّ أن يأتي!
٭٭٭
في المطعم البحريِّ في»سيتٍ»..ذكرتكِ..حيث كان السرخسُ البريُّ في الجدرانِ، يُحْدِقُ بي.. وكان البحرُ في مينائهِ رَخَويّةً هتْماءَ.. لطخةَ ريشةٍ خضراءَ.. حاملةُ الطباقِ تجيءُ.. حاملةُ القرابينِ السلالِ.. كأنّها أعيادُ دينوسوسَ.. قلْ هيَ نفسُها.. الحلزونُ.. ملقطهُ.. بَتَاتِيُّ النبيذ..معتّقًا..أسماكُها منقوعة في خلّها..
ـ هذي القواقع ليس تُفتحُ لي؟
وريحُ مخالبِ السرطانِ.. حيًّا كان يُغْلَى! الماءُ موجٌ مزبدٌ.. هل نحن أصدافُ المحارِ!؟ ونحن كالأسماكِ ننسَى! لم تعلّمنا الطبيعةُ إذ تكرّرُنا أنوثتَها!
ولم نحملْ من الأريافِ غيرَ ضراوة العُلّيق!غيرَ العوْسج البرّيِّ! نحن نقول أشياء لنا.. فينا.. وحينا لا نقولُ.. ونحن نضحكُ..نحنُ نُخفي نفسَنا عن نفسِنا! ونسيرُ فينا..نلتقي أبدا بأشباحٍ لنا.. وتقودنا خطواتُنا أبدا إلينا! قلْ لها:
(السنونو المُسَقْسِقُ نهدٌ يُنقِّرُ أحلامَنا! خلف لوحِ الزجاجِ المُعشّق! خلف اشتعالِ النوافذِ!
ـ هل نتعشّى معا؟
عند خاتمة الأوبرا، سوف يدخل مــــوتــــزارتُ تمـــثاله الجـــصَّ.. ثمّ يغنّي بعينينِ رامشتيْن لنا!)
٭٭٭
ـ الناسُ سريّون في هذي الجزيرة.. لا تخفْ!
ـ أنا لست أفلاطون! هذا البحر ليس الأطلسيَّ!
أهذه اطلنتيدُ!؟ لي ضحلُ المياه.. وعمقُها.. منها! المدينةُ لم تزلْ مطمورةً في بحرها.. لولا حطامُ سفينةٍ في حائل الأمواجِ! أظلافٌ مذهّبةٌ! هنالك في الرمالِ.. قُرَى طيورٍ وهي تقطعُ ريحَها!
حِيَلٌ لإغراقِ السفائن.. كان يعرفُها الجَزِيرِيُّونَ.. يا أوليسُ!
قلْ: لي ضوؤكِ البنّيُّ.. لي اللبنِيُّ.. لي ما كان ينقصني.. وقلْ:
(الطيورُ الطرائدُ.. تلك النهودُ التي لن تكون لنا أبدا!
هل كبرتُ إذن!؟
ـ لن أحلّق أبعد من بيتنا في الجزيرة..
يقطع أوليس حبل سفينته
ويصيح بنا:جذّفوا! جذّفوا!)
٭٭٭
متربّعًا في داكن الأحجارِ.. حيث جلستِ أنتِ.. يدلّني سقْطُ الحصى.. هل كان سقْطُ الزند أم هذي صخورُ التيهِ؟ لا طيرٌ ليضربَ فوقها بجناحهِ.. ويرفَّ فوق الماءِ.. لا مرآةَ في الأمواهِ.. أو هي ربّما أشباحُ موتَى في المرايا.. الليلُ عالمهنّ، أسورةٌ مفتّحةٌ، وألجمةٌ مرصّعةٌ، وأغصانٌ مقلّمةٌ، وأعوادٌ معلّقةٌ على الصفصافِ.. نحنُ لنا النهارُ..(هو احتفالُ الليل).. لي عَمَهُ الرموز بهِ.. وهنّ مُسربَلاتٌ أرجواناً.. قِرْمزًا.. والأزرقُ الجربيُّ حكمتهنّ..الأزرقُ الصوفيُّ غُلْمتهنّ.. حوريّاتُ «أبْساراسَ» في فردوسهنّ.. الشارباتُ حياتَنا حتى الثمالةِ..هنّ.. والمُستنْبِتاتُ حقولَنا.. أزهارُها أجراسُهنّ.. الليلُ لحمٌ أنثويٌّ.. حيث للصحراءِ جلدٌ ماؤهُ الشمسُ.. ولي عمَى الأحجارِ.. أصواتٌ تحطّ على حواشي الرملِ..
ـ أنتِ نسيتِ شيئا؟ كلْمةً؟
أجراسَ قافيةٍ هنا؟
كُرَتَيْ زجاجٍ؟ ساعةً رمليّةً؟
خرَزَ المسابح؟ بعض ذكرى جدّةٍ فينا.. أمازيغيّةٍ؟
بأصابع الأعمى أرى منها التخومَ.. أرى التويجاتِ التي لمعتْ.. وتلمعُ في انحناءاتِ البياض.. الجلدُ أعمق ما نمسّ.. لحاؤنا.. وقرارُنا..شفتان تشتعلان قبل كلامها!
بيدٍ له.. عمياءَ.. يعرفُ أنّ هذا الشعرَ أسْودُ آبَنُوسٍ.. أنّ هذا الجلدَ أبيضُ نارهِ..
قمرٌ مَحاقٌ نحن نوقدهُ.. ولم نقطفْ سوى توتِ القصيدة..من نساءِ الليلِ.. حوريّاتِ «أبْساراسَ»! لم نخصفْ سوى ورقِ القصيدة.. قلْ لها:
(الغزال بعيدا.. بعيدا.. عن التلّ.. أذْنان ضارعتانِ.. همُ ابتعدوا!
ما الذي كان يوجسُه!؟ ما الذي كان يتبعُه!؟
ربّما هي تلك الغيومُ التي فوق بيتكِ! أو كلماتكِ في الرمل منسيّةً!
أو ظلالُ قرى من طيورٍ أوابدَ
تَلبسُ ضوءَ السماء عليه، وكَوْمَ النجومِ!
تُرى هي طرْديّةٌ كنت تحفظها!؟
أنت تعرفُ أنْ لا ظباء.. هنا.. لا أرانبَ.. لا نسرَ.. لا صقرَ.. يبسط ظلّ جناحيْه مثل إيكاروسَ..
لا شيءَ! غير كلابِ النواسيِّ، ذاتِ النواقيسِ والوبَرِ المُتجعّدِ؛ تُقعِي مُؤدّبةً!
أين أقواسُهمْ ونشاشيبُهمْ!؟
أم ترى هو بابُ مَصايدِ طيْرٍ يُفتّحهُ ابنُ قتيبةَ لي!؟)
٭٭٭
البحرُ يَقضمُ ذيلهُ.. وأنا أفكّر مثلهُ جزْرا ومدّا!
ثمّ أكتبُ لي خليج أرجوانيٌّ.. هنالك في بني باندو.. يكون الفجرَ أخضرَ عند منزلها.. وأزرقَ.. في الظهيرةِ.. ثمّ أصفرَ.. إذ يجيء الليلُ.. حيث اللونُ أمردُ.. ثمّ أكتبُ.. كان للأمواتِ خابيةٌ..
ويبقى الشعر خابيةَ الشواردِ كلّها.. لا شيءَ يُفلت منه حتى ميّت الكلماتِ.. حتى أحمد الجعفيُّ وهو ينامُ ملء جفونهِ وجفونها! وعليَّ أن أنسى الذي قد كان ينقصني..لأسعدَ.. مثلها! وعليَّ… ! قلْ:
(هي هذا الشراع الذي كان يدخلُ ميناءَهَا.. ويروّضُ أمواجَها..
هي هذي التي تترسّمُ ظلاّ لها.. ثمّ ترقاهُ شيئا.. فشيئا..
ولا يتبقّى لنا منه إلّا روائحهُ!
ربّما تتلاقى على الرمل تلك الدوائرُ!
تلك التي لم نَخطّ التي نحن لم نَمْحُ.. قلْ
كلّ أزرق فيها يحاكي السماء..
المياهُ ربيعيّةٌ عندها أبدًا..
والفراشاتُ في بيتها.. قد تميلُ الحديقةُ من ثقْلها..
قد تميلُ الغصونُ! وقلْ
هلْ تفكُّ الرموزَ بها غير أسماكِها وطحالبِها!؟)
٭٭٭
أيّامُنا شِعْرَى اليمانِيّينَ.. نحن بها..صميمَ الصيف نجلس في كراسي الخيزران.. الضوءُ يكتب رقصة الظلّ الأخيرةَ.. لم يكن إلّا الذباب يئزُّ ملتصقًا بظهر زجاجهِ.. في بيتنا الريفيّ.. حيث أنظّف الأعشابَ.. تزجيةَ الفراغ.. أقول لو فكّتْ خيوطَ حذائها في الريح… لو! «الريح تقطع عامنا في ليلة!»
لا شيء يشبهها سواها..ربّما! وكأنّ جربةَ كلَّها منها.. إليها!
ربّما تأتي إلينا (هكذا!) من ضفّتين.. كأنّها أبدا تشدّهما إليها باليدينِ..أقول كيف إذن ستغرق والجزيرةُ في أصابعِها؟ مطوّقةٌ بأزرقها.. وكيفَ لنا بها؟ لابدّ من جسديْن لي.. حتى أراكِ.. ومن يدٍ كالريح ترفع كأسها لك.. (أنتِ واحدةٌ؟) وهذي الكأسُ؟ كأسُ النردِ؟ هل تكفيكِ؟ قلْ:
(ثمّ ريحٌ تهبّ على المتوسّط غربيّةً.. والبيوتُ هنالك في القيروانِ وِجارُ أرانبَ.. والشمسُ في العشب.. زرقاءُ.. أجنحتي هشّةٌ.. حيث لا بحرَ يجترُّ أحشاءَهُ.. والذراعانِ قوسانِ لا يقوَيانِ..الحصونُ مسوّرةٌ.. وأنا أرتقي صُعُدًا.. بيتنا كنت أخلو بنفسيَ فيه.. انقطعتُ إليه على صغرٍ.. هو بيت خزائن روحي..( لهمْ ما أرادوا خزائنُ مأكلهِ.. وخزائن مشربهِ) وقناديله ليس تُطفأُ لي.. كنت أسرجُ أدهانَها.. كلّما عدتُ.. لكنّ مفتاحه ضاع منّي.. وقلْ
ثمّ ريحٌ تهبُّ على سِيتَ غربيّةً.. والمياهُ ربيعيّةٌ في الصباحِ! الفراشاتُ في بيتها.. كيف يوزنُ هذا الفضاء الصباحيُّ.. بي أو بها!؟ كيف؟ لا وزنَ لي.. أو له! ربّما هي في طرَفٍ منه لمّا تزلْ.. تتفكّرُ بي.. ربّما!
والدوائرُ تجمعنا.. وتفرّقنا.. أنت تسأل ما الروحُ!؟ قل هي من أمرها! أنتَ تسألُ هل نفَسُ الجمرات التي تتوقّد في كلماتكَ أم نفَسٌ في أصابعها؟)
٭٭٭
كُتبَ الطوافُ عليّ طول الليلِ.. وحدي.. هل أنا شبحِي؟ وجلدي الصمتُ.. لا ليلٌ ليدخلهُ..ولا ضوءٌ!
ـ وهذا الحبّ؟
ـ هذا بابنا المنسيُّ.. لا ريحٌ فتحملنا..
ـ وهذي الريحُ؟
ـ ذكرى عطرِها..
ـ والبيتُ(أعني بيتَها)؟
لا شارعٌ يفضي.. ولا رقمٌ..
خليج نائم من تحتنا..والبحرُ حيث الأرضُ تصعدُ.. كان صحرائي الأخيرةَ.. لم يحنْ لي منزلٌ.. منهُ.. ولم توقــدْ لأخراهُ سنًى.. أولاهُ.. كان الدرْجُ يهبط صاعدًا.. والدرْج يصعد هابطًا.. حتى سمائي المستحيلة.. لي أنا قدمانِ عمياوانِ حيث الصوتُ.. صوتُك أنتِ.. يسحبني إلى اسمي.. كلّ ما يبقى لنا..في الموتِ.. هذا الموتُ أوضح ما يكونُ.. السرّ في هذي الحياةِ.. غموضها الأبديُّ.. هذا الموتُ روحُ الكون.. بذرٌ يستوي ساقًا.. وساق تستوي حَبًّا.. وحَبّ يستوي خبزًا.. ومن مُسْتحلَبِ الكِيلُوسِ.. نخرجُ نحنُ..
هذا الجسمُ كان ولا يزالُ «من المنيِّ إلى المنيّةِ».. لي هنالكَ جرّةٌ.. في البرّ.. أو في البحرِ.. أو لكِ أنت.. فينيقيّةٌ.. مدفونةٌ.. ستضمّنا يومًا.. ونحن نقول نكبرُ في بني باندو.. ونصغر في بني باندو..
ونعرف ثمّ وقت طيّبٌ لابدّ أن يأتي!
سيت(فرنسا)/ القيروان(تونس) صيف/ خريف 2017

٭ كاتب تونسي

بابُ مَصايدِ الطير: هنا في سيت… هنالك في بني باندو

منصف الوهايبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية