من أبرز أفكار الدلالة العرفانية الحديثة أن الاستعارة ليست محسنا تعبيريا، بل هي طريقة في التفكير. فأذهاننا تعمل استعاريا بأن تعالج تجربة مجردة أو أقل درجة في الملموسية بوسائط تجربة أخرى ملموسة، أو أقل ملموسية من تلك التجربة التي استعارتها.
في هذا المقال نقف عند استعارة تصورية مهيمنة، هي استعارة الفصل مسرح. هذه الاستعارة ليست في الأقوال بل في الهندسة والسلوك اللذيْن نرى فيهما المدرسة مسرحا بيداغوجيا صغيرا يحاكي المسرح الإغريقي القديم. فصولنا في مدارسنا وفي معاهدنا وفي جامعاتنا تُبنى وتُؤثث كالمسارح، والمعلمون يقفون كالممثلين أمام جمهور تلمذي وطالبي؛ والنص الذي يجمعهم أبدعه مؤلفون عباقرة بإذن من مؤسسة قائمة هي مؤسسة العلم، ومثلما يخرج الممثلون عن النص يخرج المعلمون عن النص خطأ أو قصدا.
الفصل – وهو تسمية في العربية تومئ إلى المسرح – هو بيت صغير يستجيب في الغالب لهندسة المسرح، فهو يتألف من ركح عليه مكتب الأستاذ، ولكنه مقامه طيلة الدرس وأمامه مقاعد التلاميذ، تصفف غالبا كما تصفف مقاعد المسرح، ولكن بدون تدريج. التدريج يكون غالبا في قاعات فسيحة في الجامعة تسمى المدرجات، التي هي اختصارٌ لتسمية المدرج المسرحي، تسمية توحي قصدا بالهيكل المسرحي الأكبر.
في القسم أو في المسرح المدرج يقف الأستاذ على مصطبة ويبدأ في إلقاء درسه. عبارة «إلقاء» هي عبارة مسرحية أيضا. والأستاذ الملقي لدرسه لا ينجح إلا إذا كان تلامذته جمهورا يتلقون بين يديه عرضا لا يعرفونه من قبل في مشاهد متتالية ودورية، تلقى في آماد معلومة. المصطبة التي هي ركح الأستاذ فضاءُ نشاطِ الأستاذ الممثل يكاد لا يغادرها إلا ليعود إليها، وحين ينزل الأستاذ ويترك ركحه فليُشعر الجمهور التلمذي/الطلابي بأنه قادر على الدخول إلى فضائهم الحي وأن المصطبة /الركح هي مكان مركزي له سلطته على المكان الهامشي، الذي يكون فيه جمهوره. وفي المقابل لا يتحرك القاطنون بالمكان الهامشي باتجاه الركح في الفصل إلا بإذن أو بأمر ويصبح الركح المصطبة في بعض الأحيان مكانا للامتحان، وفيه يعرض التلميذ ما تلقاه من درس الأمس، ويكون عرضه غالبا حفظا وتكريرا للنص؛ لكن يصبح التلميذ على الركح وأمام الجمهور ممثلا للدور بالوكالة، وحين يشفق الجمهور على الممتحن أو يناوشه أو يسخر منه، يتملكه بما هو جمهور، شعور جديد لا يكون له والأستاذ يلقي درسه.
ومثلما للممثل لباس في الركح خاص، للمدرس لباس خاص تنص عليه القوانين أو الأعراف. يمثل الأستاذ وهو بلباسه المفارق دورا طبقيا مؤقتا لم يعد ينتمي إليه. باللباس يمكن للأستاذ أن يكون معارضا أيضا أو خارجيا، وذلك حين يلبس لباس الجمهور ولكنه يظل بذلك اللباس ممثلا دور من يريد أن يشبه الجمهور ويكون واحدا منهم والحقيقة أن هذا الدور يفشل في أول ممارسة للمهنة: الامتحان ووضع النقاط.
في المسرح الكبير يكون الجمهور هو الممتَحِن بالحكم على نجاح الممثل في التقمص وهذا أيضا موجود في التعليم غير أنه ضمني؛ فالصريح هو أن الأستاذ الممثل هو الممتحِن الرسمي لجمهوره. والحق أن جمهور الطلاب هو الممتحن الحقيقي لأن نجاح الأستاذ في الأداء لا تقيمه الجهات الرسمية فقط، بل يقيمه من هو حاضر أمام الأستاذ يحتسب عليه حركاته وسكناته وأقواله وحتى كيفيات تنغيمها لساعات تضرب في أسابيع تضرب في أشهر وتعد بحساب السنين.
بتدرب الأستاذ كالممثل على دوره حفظا وأداء، وبمرور الوقت وحين يعرض الممثل النص نفسه يصبح قادرا على الارتجال؛ لكن الممثل الحي يكره أن يُعيد النص نفسه على الجمهور حتى إن تغير الركح والطلاب. سيشعر الممثل الحي بأنه بات رغيفا للرتابة وشرابا للملل. المدرس الحي وحده يمكن له أن ينقذ نفسه من براثن الرتابة، فيبدع ويتجدد ويضحي حينئذ يصبح فنانا؛ بيد أن قلة من المدرسين الممثلين يصيرون بالإبداع وبعد طول الوقت فنانين.
الفنان النادر هو من تكون له القدرة على أن يراوح بين أمرين من المعجز المراوحة بينهما: أن يحترم النص ولكن يحترم عقل الجمهور؛ وأن يحترم دوره ممثلا، ولكن لا ينسى الإنسان فيه؛ وأن يدخل إلى ذهن الجمهور، ولكن يتسلل إلى روحه الحية. وكل قوانين الأرض مع أن يكون هذا الممثل ملاكا وكل قوانين الأرض ضد أن يكون شيطانا، وعلى الفنان أن يسرق الشيطنة فلا تلوثه وألا يغرق في الملائكية فيموت على الركح فكرةً. يغادر الممثل الفنان أسوار المدرسة وفي الخارج تشرب الملائكة قهوة المساء مع الشياطين؛ تحييه وهو يمر شامخا الشياطين وتحييه الملائكة ويعودون إلى حديثهم ويمشي رفيع الرأس.
يعيش الممثل الأستاذ وهو في فصله يعرض درسه على إيقاع ثنائي هو التواتر المفيد بين الصمت والكلام. لا يمكن أن يؤدي الممثل دوره إلا في صمت الجمهور التام؛ الصمت يعني الانتباه، ولكن يعني أيضا عدم التشويش على استرسال الأفكار المنتظمة في خط في ذهن الممثل. الجمهور الذي لا يصمت عند العرض هو في نظر الممثليْن (ممثل الركح وممثل المصطبة) جمهور غير مهذب. الحق أنه لا يوجد جمهور خُلق غيرَ مهذب؛ يوجد جمهورٌ جعله العرضُ غير مهذب ، يخرق قاعدة الصمت في العروض ليتحدث مع جليسه أو ليفتح الجوال. يصبح النص وعارضه معضلة كبرى حين لا يجد الجمهور ما يغريه في العرض. وحين لا يُسمح للجمهور بحرية الخروج، وحين يكون العرض قضاء وقدرا مسلطا عليه، لماذا يُراد له أن يصمت؟
الكلام في المسرح الأكبر استثناء ولكنه في المسرح الصغير قاعدة. على الجمهور أن يتكلم أن يحاور أن يخطئ أن يعبر أن يختلف، ولكن في كنف ما يسمح به التعبير المنظم في سيرورته وأسلوبه. مهمة الممثل أن يسمع ويعلم الجمهور كيف يتكلم وكيف يحاج وكيف يبني أفكاره التي يقولها، وكيف يسمع غيره وكيف يحترمه: هذا شقاء عذب يعترض الممثل، وليس له إلا الصبر، خصوصا إذا كان الجمهور ينتمي إلى مجتمع تموت فيه الكلمة قبل أن تُقال أو تمشي فيه الأفكار عُوجًا في طرق غير معبدة. من الصعب أن ينجح في هذا الدور ممثل يستبطن عن نفسه صورة فيها «عجب عجيب لم يجد فوق نفسه من مزيد» وعن غيره صورة «كل ما فوق التراب تراب»: أن يصنع بشرا يعرفون كيف يقولون وماذا يقولون ومتى يقولون.
من سوء الحظ أن العرب لم تكن لهم تجربة قديمة مع المسرح تسبق تجربتهم مع المدرسة. كانت لهم تجارب أخرى استعاروها للتعليم وللمعلم. صحيح أنها تجارب «تطلب العلم من المهد إلى اللحد» وتطلبه «حتى لو كان في الصين» لكنها تطلبه بآليات يكون فيها المعلم مركز المعرفة كالقطب مركز التجربة الصوفية وكالحاكم المعصوم. تجربة المسرح في تصور التعليم ما تزال تقع على محيطها تجربة سابقة تهيمن عليها مركزية السيد والزعيم والإمام تدعي أنها تحمي المسرح لكن شياطينها تنتظر أن يسقط المسرح على الممثلين والجمهور.
٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية
توفيق قريرة