في أول حوار تلفزيوني منذ تركه الرئاسة، تحدث الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما عن مهاراته في الرقص. قال «لديّ مهارات رقص قديمة الطابع. أعتقد أن المفتاح هو ما نسميه «البقاء في المخبأ». يجب أن تبقى في المخبأ». أوباما أعلن ذلك بكثير من المرح، وكاد يغمى على جمهور المستمعين من الضحك. لكن لهذا الكلام وقع تراجيدي تماماً في مكان آخر من العالم، لدى السوريين على سبيل المثال، فبالنسبة لهم واضح أن استراتيجية «البقاء في المخبأ» لا تتعلق بالرقص وحده عند أوباما. وبسببها بالذات عانى السوريون سنوات مضاعفة من المجازر المستمرة والمتنوعة.
سبيعي لن يعتزل
استفقنا، نحن سكان الميديا، على مسيرات عارمة تذكّر بتلك التي خرجت إلى الشوارع غداة إعلان الزعيم جمال عبد الناصر استقالته الشهيرة إثر نكسة العام 1967، أو تلك التي ملأت شوارع اليمن السعيد بعد أن أعلن الرئيس ـ حينذاك- علي عبدالله صالح عزمه الاستقالة، فخرج الشعب والحزب واللافتات التي تطالب بالبقاء وتهتف بكل عزمها «ح نحارب»،.. استفقنا على مسيرات افتراضية تطالب المخرج التلفزيوني السوري سيف سبيعي (نجل الفنان الراحل رفيق سبيعي)، بعدم الاعتزال مع هاشتاغات معظّمة أبرزها يقول «لا تعتزل»، «خليك معنا»، «ابن الزعيم»، وسواها من وسوم.
مطالبات ومناشدات أوحت أن سبيعي مستهدف من مافيا «الوحوش السوداء المهيمنة على الدراما السورية». بدا الفنان الموالي للنظام السوري، الموالي إلى حدّ مواجهته الصريحة والقاسية لاثنين من أشقائه المعارضين، إن لم نقل إنكاره لهما، كما لو أنه مسيح الدراما. قال له ناقد فني «لا تعتزل. أنت وآخرون ما زلتم تحفظون للدراما السورية بعض بديهياتها. لا تعتزلوا، ولا تكفوا. ولا تدعوا الخراب يكسب جولة جديدة في حياتنا».
بحثت على صفحة الفنان سبيعي عن أثر ما لتصريحاته بخصوص الاعتزال فلم أجد سوى عبارة تقول «بدي غيّر كل شي». وبعدها صمتٌ منه إزاء المطالبين بعودته عن قرار الاعتزال.
لأيام طوال ترك سبيعي تلك الهاشتاغات تسير في شوارع الفيسبوك وتمجّد بعظمة فنّه، استفاق بعدها ليشكر «كل من تعاطفَ وسألَ ووجّه رسالة تضامُن»، وليؤكد أنه لم يسبق أن قرر الاعتزال وإنما الصحافة هي من استشعر الأمر.
لعلها فرصة لتذكير المخرج السينمائي السوري المعارض والناشئ محمد بايزيد بأن الأمر، كما هو واضح، لا يلزمه تلفيق محاولة اغتيال من أجل الشهرة والنجومية وكسب التعاطف. ها أنت ترى كيف أن سبيعي لم يقل شيئاً. كل ما فعله أنه جعل الصحافة «تستشعر» وحسب. أنظر كم أن الأمر سهل.
تحت قبة البرلمان السوري
منذ يومين يسري فيديو مصوّرٌ تحت قبة البرلمان السوري سريان النار في الهشيم على مواقع التواصل الاجتماعي. يظهر فيه نائب يقرأ من ورقة محيياً جيش النظام، وكذلك دور الإعلام، بل مؤكداً على وجه الخصوص على دور «الطبل والزمر» في تقوية الناس: «أنا ضد أي حدا ما بيحب الإعلام، والإعلام ضروري، والطبل والزمر ضروري..».
النائب البرلماني – للمصادفة – يعمل منذ سنوات منتجاً للمسلسلات التلفزيونية، وهي مصادفة لا تخلو من معنى، إذ لا شك أن الرجل سيعمل في مجال الدراما والتلفزيون بالمنطق نفسه «الطبل والزمر الضروري»، حسب تصريحه في البرلمان.
لم يكن المنطق وحده اللافت والمضحك في خطاب النائب السوري، بل تلك اللغة الأمية للغاية، التي يصعب حتى شرحها وتوضيحها ونقلها هنا. أمية أثارت البرلمانيين السوريين المجتمعين أنفسهم، وهم لم يكفوا عن الضحك والتعليق، كما هو واضح في الفيديو.
ضحك هؤلاء البرلمانيون من لغة زميلهم وأميته ومستوى ضحالته. إنهم محقون بالتأكيد. ولكن من قال إنهم أقل فظاعة في ما يتعلق بمنطق «الطبل والزمر»؟ ألم يصلوا إلى مجلس الشعب (البرلمان) بالطريقة نفسها، تلك التي يحفظها السوريون عن ظهر قلب؟
هذا الهزل ليس فريداً من نوعه بين جنبات هذا المبنى التاريخي. إنها خمسون عاماً من الهزل. هنا يقبع أرشيف هائل من الكوميديا. ينتظر السوريون أن يفرغوا من هذا المقتلة كي يخلدوا إلى ضحك مديد، تحت قبة البرلمان.
علي الديك داخل المقام
اتّبعتُ عنوان فيديو على موقع «النهار» اللبنانية يقول «ماذا يفعل علي الديك في مقام السيدة رقية في دمشق؟»، فوجدت عليّاً جالساً في ظل الضريح داخل المقام يقول كلاماً منظوماً يدعو السيدة رقية بأن تحمي سوريا من الشرّ، فيما يتحلق حوله مطيّبون، أصوات مطيبين. ومع أني شاهدت واستمعت مراراً للفيديو، ودققت في الكلمات المرصوفة على طريقة العتابا، لم أجد جواباً لسؤال «النهار»، ماذا يفعل المغني الشعبي المعروف في ذلك المقام الدمشقي!
الفيديو الخاص بنا
في الذكرى السابعة لاندلاع الثورة التونسية، مهد الربيع العربي، استُعيد على نطاق واسع الفيديو الشهير المعنون بـ «بن علي هرب»، لتستعاد معه أحلام باتت خيبات عميقة.
كان ذلك الفيديو بالنسبة لكثير منا، نحن المتفائلين بوصول الثورة إلى بلداننا (في سوريا على سبيل المثال)، حلماً. كنا نتخيل كيف سننزل إلى الشوارع لحظة سقوط الدكتاتور، كيف سنتلقى النبأ، كيف سنركض في الشوارع، هل سنصرخ كما صرخ المحامي التونسي في وسط الشارع «بن علي هرب»!
بن علي هرب. قتل القذافي. انسحب مبارك. وقتل علي عبدالله صالح أخيراً، وما زلنا في انتظار الفيديو الخاص بنا. أما من فيديو لهذا الديكتاتور!
كاتب فلسطيني سوري
راشد عيسى