مرحبا بكم في منتجع الموتى: «العسكر والعذراوات» وهل تجسس عبد الناصر على سعاد وحليم؟

 

هل الموت فعلا رحلة مطمئنة إلى عوالم الأرواح في الملكوت الأعلى؟ هل ينام الميت تحت التراب ليصحو فوق السحاب، في بيت البرزخ، محفوفا بملائكة مجنحة، ومخلوقات نورانية وطقوس للنشوة المقدسة، لا تمت بصلة للإشاعات الدنيوية عن ظلمات الأضرحة، ووحشة الموتى عند سكان الدرك الأدنى، وعزلة الجسد بين منكر ونكير؟ ربما لا يستطيع أحد إخبارك بهذه الغيبيات سوى العائدين من الموت بلا كاميرات، في برنامج «صبايا الخير» للفرقيعة الإعلامية ريهام سعيد، وقد أجرت حوارا مغرورقا بالدموع والنهنهة، مع «المرأة المجهولة»، التي تروي حكايتها بعد الموت، وهي تؤكد على بطلان نظرية «عذاب القبر»، غير آبهة بما ورد في القرآن الكريم والسنة الشريفة عن ابتلاء الأمة بفتنة القبور، لتسأل ربك وعقلك: هل تتلقى ريهام سعيد رسائل من الموتى؟ أم أنها لعنة العصر، تتفشى بين الشعوب والفضائيات والرسوم المتحركة وعقيدة طاغور، منذ نشيد «جانا غانا مانا»، الذي يمجد الفن كصانع لمصير الأمة، مرورا بأعياد الموتى في الشرق الأقصى، وطقوس «زواج الأشباح» في الصين، إذ وصل سعر جثث النساء، إلى ما يقارب الـ14 ألف دولار، إثر قرار تزويجهن بميت أعزب لإيناس وحدته، وليس انتهاء بثقافة النيكروفيليا، التي حدثتكم عنها مرة، وتتبناها هوليوود، وديزني، استنادا إلى تكهنات عقائدية من التلمود البابلي،عن ملك يهودا الذي احتفظ بجثة عذراء سبع سنوات في قالب من العسل، للتمتع بها ميتة بعد أن رفضته حية، دون أن ننسى حضارة الموتشيكا، في البيرو، والتي تجسد هذه العلاقة المحرمة، في هياكل عظمية تدل على ذلك الفكر الأسود، حتى يومنا هذا، ببرامج وثائقية وبراهين علمية وشواهد أثرية!

منتجع دراكولا وسوق الموتى

إنه العمل السينمائي الكرتوني «فندق بنسلفانيا»، الذي تم إنتاجه في جزأين بين عامي 2012 و2015، بميزانية قدرها خمسة وثمانون مليون دولار، محققا إيرادات تجاوزت الثلاثمائة مليون، حيث يتحيز لعالم الموتى النظيف، مقاوما الاندماج بعالم البشر وكل ما فيه من قذارة وقسوة، قبل أن يضم إليه شابا إنسيا، استطاع أن يبني مع منتجع الجماجم علاقة حميمة وطيبة، فهل هذه هي النسخة الأمريكية من منتجع «صبايا الخير»؟
قبل أعوام قليلة نشر موقعا «الأهرام» و«اليوم السابع»، عن رواج تجارة المخدرات بين المقابر وهياكل الموتى، حيث بلغت قيمة جثث الأطفال والشباب خمسة وعشرين ألف جنيه مصري، بينما جثث الكهول تصل إلى عشرين ألفا، وأما الهيكل الطري «حديث الموت» فتبلغ قيمته ثلاثة آلاف جنيه، في حين تتدنى قيمة الهيكل الناشف إلى ألف جنيه فقط! وبين العرض والطلب، يتحكم حارس القبور أو «التُربي» بسوق الموتى، الذين يدخلون في صناعة الهيروين، وممارسة الدعارة، تماما كما هم في صناعة السينما، والبرامج المخدرة للوعي والعقول، ولعب التسالي الالكترونية والأقراص المدمجة، بينما تراهم في فرنسا يصطفون كقطع أثرية على الرفوف في متاحف للموتى تحت الأرض، ومحطات المترو، وهم في الصين موضع تداول لمشروع دفن جديد، يقضي برميهم في البحر، بعد أن ضاقت الأرض بجثثهم، وبين هذا وذاك، تتابع برامج شعوذة وخرافات مسخرة على «اليوتيوب»، لشهود عيان يحدثونك عن سماعهم لأصوات صراخ تنبعث من قبر أم كلثوم، وفرعون وسلالته من «فراعنة مصر المعاصرين»، حسب المسمى الإعلامي لبرنامج «بي بي سي» الوثائقي عن دراكولات مصر! فمرحبا بكم أعزائي المشاهدين في منتجع الفراعنة الجدد !

التنصت من غرفة التحقيق إلى غرفة النوم

طبعا الإعلام المصري، لا يتاجر بالإشاعة فقط، بل يعيد تصنيعها، في ظل تفشي ظاهرة التشويه الالكترونية، لشخص الزعيم الوطني العظيم جمال عبد الناصر، حيث تلتقط برنامجا يحدثك عن أصوله اليهودية، التي تعود جذورها إلى حارة اليهود، مع منة شلبي وضباط الحدود، وبرنامجا آخر يصدمك باكتشاف جزء من كلية المشير عامر في دماغه بعد تشريح جثته، لأن الله استجاب لدعاء الشيخ كشك عليه في غرفة التحقيق، قبل أن تفقد صوابك على وقع اعترافات مزعومة للواء المخابرات طاهر زكي مع الأبراشي، يتحدث فيها عن انحراف الجهاز الإستخباراتي في عهد عبد الناصر بذريعة تأمين البلد والثورة، وقد تم تخييره بين أداء هذه المهمة القذرة، أو قضاء عمره في السجن الحربي، ما دفعه للتورط إلى الحد الذي أبدى فيه استعداده التام للتسجيل لأخيه «ابن أمه وأبيه» لو تطلب الأمر، وهنا تبدأ التناقضات الرخيصة باختراق سهل ومرن إلى عقل المشاهد، الذي يتمتم في سره خوفا من «ودنان الحيطان» وطمعا بإشباع الفضول: «الإبن الردي بيجيب لأهله الشتيمة»، فما أن يقع في الفخ الإعلامي، الذي يستدرج عاطفته متخليا عن ذكائه لأنه لن يحتاجه، يؤكد صحة المثل: «أوقية لحم ولا فدان كروش»!
دعك مما قاله زكي عن تسجيلات مؤامرة الضباط لقتل السادات، واكتف بعاره الأمثل: كشف الأوامر العسكرية بتتبع سعاد حسني وعبد الحليم وأم كلثوم ومصطفى أمين وغيرهم وغيرهم من الفنانين، بناء على طلب مباشر من عبد الناصر، الذي أشيع أنه يستمتع بالإصغاء لسندريلا الشاشة، وأن كثيرا من المكالمات كان يتم تعقبها من غرف النوم، في هيئة الاتصالات الحكومية، أو غرف التحقيق، ولا تضحك سوى على الأبراشي، الذي دغدغت شهيته بالأسئلة عن تسجيلات السندريلا، فما أن تفتحت قريحة «زكي» حتى أسكته الأبراشي وهو يغمز له من وراء الكاميرا: إنت ما صدقت يا سيد، عيب ما يصحش، دي أسرار أمن الدولة… العذراء !
لماذا حين يتعلق الأمر بزعيم قومي وكبير للأمة مثل ناصر، يأخذ هؤلاء بالحديث عن صغائر الأمور، مغيبين القضايا الكبرى في التاريخ؟ لماذا لا يخبرونك أيها المشاهد عن فظائع المكالمات السرية للسادات مثلا مع حكومة الاحتلال، والفنانين الخونة الذين هرولوا على بطونهم وأسنانهم وأعضائهم السرية، نحو إسرائيل، استجابة لنداء الفرعون العبيط، من أجل السلام، وقد اعترف زكي، أن الأمر في تلك الحقبة ارتكز على قاعدة استخباراتية عبثية: «كُلّو بِيْسَجِّلْ لِكُلّو»!

دراويش العسكر والحراج الكتروني في الحَضْرة

الغمز واللمز ونوبات الزهزهة، التي أوحى بها «زكي» للمشاهد وهو يتحدث عن مكالمات سعاد حسني، ويضحك ويضحك معه الأبراشي، بلا تمالك للنفس،لا بد أن تثير القشعريرة في الجهاز، الوجداني والوطني للمشاهد، قبل جهازه الدماغي: الريموت كنترول، لأن المقصود من كل هذا، اختصار تاريخ تلك الحقبة، التي كان عبد الناصر بطلها الأسطوري قبل أن يكون حقيقتها المغدورة، بثرثرات و«حواديت» معيبة، وتسال تلفزيونية ، بما يتيسر من أسرار قذرة، و طقوس فساد جنسي، بين السلطة والمشخصاتية، علما بأن فن التجسس وعلم التنصت وظاهرة التسريبات التي احتلت فيها واقعة «الرز» ما غيرها، المرتبة الأولى بالتداول، تدخل في نطاق المتاجرة بالأسرار والإشاعات ضمن استراتيجية «أمن المعلومات»، أما دراويش الموالد الفضائية في مصر، فلا يقيمون زاراتهم إلا في «الحضرة»، التي يعرضون فيها أرواح الأبطال، للمزاد الإعلامي، تبعا لمقتضيات المرحلة، وهنا تصبح الإشاعة والسر في خطر، أكثر من الحقيقة نفسها، لأن الحقيقة كنز لا يسهل اكتشافه، بينما الإشاعة بضاعة بخسة، سرعان ما يتم نفادها من سوق الموتى، وبين الترويج والإقبال، والأخذ والطلب، في دوائر العسكر والمخابرات، تتسع دائرة «الحراج» الالكتروني، ويتسلل إلى السوق زبائن جدد، من ثم تتطور صناعة المنتوج، تبعا لذلك، وتزدهر تجارته، ويتحول إلى بيت «ريبَة» أو ماخور إعلامي، فهل بعد هذا نترحم على الزمن أم على التاريخ أم على القيامة! بعد أن فقدنا الحس السياحي الفرنسي بتحويل الموتى إلى تحف، وتخلينا عن خطة الإنقاذ الصينية، بحفظ الجثث كاللآلئ والأصداف في البحور، لا بل حتى عجزنا عن إحراقها والاحتفاظ برمادها تخليدا لرائحة الروح… ولو على طريقة عبدة النار !

كاتبة فلسطينية تقيم في لندن

مرحبا بكم في منتجع الموتى: «العسكر والعذراوات» وهل تجسس عبد الناصر على سعاد وحليم؟

لينا أبو بكر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية