لا يعكس هذا العنوان الذي احترنا في ضبطه ما سنكتب إلا في حدود قدرتنا على البرهنة عليه من أن الدعاء بنية لغوية شرطية، ولا نقصد بالشرط هنا ذلك العمل اللغوي بل نقصد به البنية التي تحكم انتظام اللغة، ومادام العنوان هو علوان النص به نطل على ما سيُكتب فإننا وسمناه «بالدعاء المؤجل» إلى حدود «إنْ» الشرطية التي لا تُقال علناً، بل نستدل عليها من الخطاب ضمناً.
في البدء لا بد من حديث حول الدعاء، فهو فلسفة في القول يتخذها المتكلم مطية في بناء صرْحه التواصلي الذي يعكس في الأصل سلوكاً عادة ما يرتبط بطقوس العبادة والدين، متخذاً قداسة الشيء الذي لا يحق التشكيك فيه، إلا أن ذلك لا يمنعنا من معاينته وتشريح القول فيه، فالدعاء يبوح لنا بالكثير إذا ما حررناه من لبوس اللغة الواصفة إلى رحاب المنجز والسياق الفاضح، فضمن سياقات مختلفة يتحول الدعاء إلى فعل مناسبة يتلون حسب طبيعة الداعي والمدعُو له أو عليه، فنراه دعاء محبة وإخاء وود، ويتمظهر لنا من جهة أخرى دعاء شر ومصلحة وسخْط، فنحن أمام تداولية أسلوب الدعاء التي تكشف عن نوايا وسلوكيات أكثر من كونه بنية لغوية مغلقة على نفسها.
وليس الدعاء إذا ما نزلناه في إطار السلوكيات اليومية ضرباً من القول كما جاء واتفق، وإنما هو نسق فكري يبنيه المتكلم في مخاضات الفعل اليومي، ليتحول بذلك إلى فعل قول «ننجز به الأشياء من حولنا» على حد قول أوستين. ونغير ونفعل في وجود فعله، ونؤثر ونتأثر، ويتخذ هذا الفعل أشكالاً عدة، فالمسلم به أن الدعاء علاقة مباشرة بين الإنسان وربه، ونجد في هذا الإطار أمثلة كثيرة، وقد يتخذ الدعاء شكلاً ثلاثي الأبعاد، حيث يتوسط أحد بالدعاء لك أو عليك، كالإمام في المسجد أو دعاء الأم لابنها أو دعاء المظلوم على الظالم إلخ. هذا الضرب الثاني من الدعاء هو الذي يثير اهتمامنا تداوليا، فالداعي سواء لك أو عليك يتحرك تحت خلفيات معينة دينية أو نفسية أو سلوكية، ترتبط بشيء معين من قبيل دعاء المتسول في طلب المال، والمثير للتساؤل هنا: كيف نفهم اعتقاد الداعي وإرادته في إنشاء الدعاء؟ فهل في دعائه لنا أو علينا قد أنشأ دعاء بالفعل بما يرجح إمكانية تحققه أم يُؤجل الدعاء إلى حين حاجة الداعي من المدعو ومصلحته في ذلك؟
قد تكون الأسئلة في شكلها الظاهر ضربا من الميتافيزيقيا، وقد يلومنا البعض في تهشيم صرْح بنية الدعاء القائمة على مبدأ الإخلاص الروحي واليقين في الوقوع، فنقول لهم لا تستعجلوا علينا فنحن نسير على خطى ما وفرته لنا اللغة من إمكانات التفكيك والفهم ولا سيما ما حققته علوم اللسان من تقدم في قراءة الظاهرة اللغوية تحت أبعاد نفسية واجتماعية وثقافية.
في طريقي نحو شيء ما، قال لي السائل ـ وأنا على عهد جديد بقضايا الدعاء في اللغة ـ « فتحها الله في وجهك»، بنية لغوية خبرية تفيد الدعاء «لعلم السامع أنه لا يُخبر عن الله بل يدعو» كما يقول أفذاذ البلاغة، تبعها مد كفه تجاهي، وهذا يكشف عن حركة سيمائية دالة تعزز عمل الدعاء البنيوي وتعريه مقاميا. الحدث مُغرٍ يثيرُ العاطفة، غير أني ـ وعملاً بنص الآية الكريمة ﴿وأما السائل فلا تنهر﴾ ـ اكتفيت بالصمت متجاوزاً السائل بدون أن أعطيه شيئا، وقد يكون صنيعي هذا رغبة مني أو إكراهاً بفعل الزمن. فالثابت أنه (الصنيع) منّ عليّ بأسئلة عميقة في فلسفة الدعاء التي ركبها السائل. فهل تحقق دعاؤه أم أُجلَ حتى أدفع له بعض المليمات؟ تشير كل الدلائل إلى أن الداعي في هذا المقام يدعو من أجل الكسب، وهذا من حقه اللغوي، فاللغة وفرت له أسلوب الدعاء بسلطته الأخلاقية والدينية نسقاً في القول، ولاسيما ضمن هذه السياقات، ووفرت له أيضا أن الدعاء طلب، والطلب مُمكن الوقوع وليس ثابتاً ثبوت الواجب المتحقق، وتحت مظلة دوائر الإمكان احتمى صاحبنا. وبناء على هذه الهندسة الفكرية بنى السائل طريقه من أجل تحقيق مصلحة مادية.
وإنْ غامرنا أكثر في تفكيك جملة الدعاء التي أنشأها الداعي «فتحَها الله في وجْهِك» وحاولنا أن نلتمس أسس بنائها، فإننا نجد قائلها صاغها في ذهنه وفق بنية شرطية أي ـ وبضرب من المجازفة ـ وكأنه قال: «فتحها الله في وجهك إنْ أنت أعطيتني مالاً»، صحيح أن هذا محْض استدلال ولكنه ممكن، وقد يكون ضرباً من الظن الآثم، ولكن اللغة تسمح به في حدود ما. وحينئذ يكون فعل الفتح من قبل الله مشروطاً بإعطائي المال لهذا السائل، وهذا الجدل الحاصل في بنية الدعاء، ليس بغريب في بنية العقل العربي باعتبار أن الدعاء يجد له ما يبرره ضمن منطق هذه البنية، فيقال في متون الفقه والسيرة إن الدعاء يرد القضاء ويؤجله، وإن الدعاء مشروط بآداب وتعاليم حتى يتحقق، وإن الدعاء رهين مقابل ليسري مفعوله.
وقد تثير تحاليلك سخْط البعض ممن احتمى بقضايا الدعاء الدينية، ويقال لك أنت لا تعرف من الرجل غير أنه دعا، فما شأنك في إدراكه، وهنا يتدخل المقام والسياق ليقدم لك الافتراضات الممكنة وليفك شيفرة التواصل، فالسائل قد تظهر عليه ملامح الاشمئزاز وقد يُتبع دعاؤه تمتمة، وربما يدعو عليك في لحظتها بخلاف ما دعا لك، وضمن هذا تكون بنية الدعاء مغلقة على معانيها حتى يكون المقام هو الذي يفتحها. والطريف في هذا الدعاء أن صاحبنا (السائل) بلاغي بامتياز، فلم يَصغْ دعاءه صياغة أمرية «افتح لفلان…» بل عدَلَ عن صيغة الأمر هذه إلى صيغة الخبر في الماضي «فتحها الله في وجهك» ، وتشيرُ الدراسات البلاغية إلى أن ذلك من باب التفاؤل في الوقوع، أو هو ضرْب من الحرص عليه، وكأن المطلوب وقع لا محالة، فالسائل قدم لي الدعاء بجملة خبرية وكأنه حاصل وقد وقع، وهذا فيه نوع من الطمأنينة حتى أدفعَ «عربون» ما قبضت، ومن هنا فإن الداعي يشحذُ كامل وسائله من أجل تحقيق مصلحته والتأثير في المتلقي.
إن عدم وجود بنية خاصة يُنجز بها الدعاء واتكاله على أبنية أخرى في نظام اللغة (الخبر/الأمر) منفذ سلكهُ السائل ـ وكأنه لساني فذ ـ من أجل التأثير والإقناع، حيث لا يمكن لمخاطبه أن يحاصره، وقد تفشل محاولاته حينا وقد تنجح حينا آخرَ حسب طبيعة المتلقي، ولكنها محاولة باللغة وفي اللغة، وهذا أصدق تعبير عن كونها (اللغة) تنشئ الأشياء بالكلمات. لا أظن أن دعاء صاحبنا لي قد بقي لي ما دمت لم أقدم له شيئا، ولكنه أنشأ دعاء باللغة سيسري مفعوله في الكون الخارجي كلما تفاعل معه متلق ما، وهذا ما لم أفعله في الواقع الفعلي، ولكن فعله يسري فيما أكتب الآن، فاللغة كيمياء من الكلام، على حد قول توفيق قريرة، «تجعلنا نزداد انفعالاً أو ننقص».
٭ كاتب تونسي
يوسف رحايمي