كل زعيم جماهيري جمع الناس حوله بكذبة كبرى

حجم الخط
0

أحد أصدقائي من السياسيين الفكهين، والّذي تحوّل إلى سياسي ساخر، بعد أن خرج مُثخناً من حلبات السياسة، قال التالي: قال إنّ كل زعيم عربي ‘جماهيري’، جمع النّاس حول كذبةٍ كبرى، تحرير فلسطين، الوحدة العربية، محو إسرائيل، القوميّة العربيّة! ثُمّ حين انكشفت الكذبة الكُبرى، لجأ الخُلفاء الأصغر حجماً، إلى كذبة أصغر وأكثر قابليّة للتصديق، وهي السلام مع إسرائيل، والعيش في ثباتٍ ونبات بعد ذلك! ثُمّ عقّبَ أنّه كان من بين المضحوك عليهم، وأنّه صدّق الكذبة الأولى، أمّا الكذبة الثانية فلم تنطل عليه، ولم يبتلع الطعم ، وهذا أكبرُ دليلٍ على نباهته و’فصاحته’، الّتي شاركه إيّاها كثيرٌ من إخوانه المواطنين العرب، وأنّ هذه بشارة خير، على مستقبلٍ أفضل، وأن انقلاب مصر سيفشل حتماً، لأنّه لم يبق هناك أكاذيب لتصديقها، وأنّ كذبة السيسي مكشوفة بزيادة، ومفضوحة بالإخوان المسلمين وبدونهم، لأنّ مستوى الوعي لدى المواطن ارتفع فوق مستوى تصديق الأكاذيب!
لا أنكر أنّ حديث صديقي الساخر هذا قد أعاد التفاؤل إلى نفسي، وبثّ فيها الأمل من جديد، بعد أن كادت تهوي من فوق شفير اليأس، بسبب فظاعة ما تحمله إلينا اللحظة الراهنة!لا بل إنني تأثّراً بروحه الساخرة، والّتي لم تخلُ أيضاً من المرارة، تمثّلتْ لي الديمقراطيّة الجديدة على شكل متسوّلٍ، يرتدي البزّة العسكرية، ويحمل ‘صحنه’ في يد، والبندقيّة في اليد الأخرى، وأنّ صندوق الاقتراع قد استبدل بالقصعة أو الطبق، الّذي تلقى فيه الأصوات والنقود، وهكذا يجمع المُتسوّل المجد من أطرافه: الأصوات أو التفويض من الداخل، والنقود من الخارج، وتصبح الصَدَقةُ صدقتين و’الحسنة ‘حسنتين، ورُبّما يخطر له في لحظة نشوة، لا أن يرفع قبّعته أو’كاسكيته’ الضُبّاطي بالتحية، لا بل أن يمُدّها إلى جانب الطبق، ليجمع المزيد!ولشدّة دهشتي فهذا ما حصل فعلاً:فها هو المّتسوّل يطالب المُتصدّق بإكمال حسنته، أو جميله، حسب منطوق ‘الجنرال’!فهو يقول بلا خجل:كمّليّ جنيهك على المليون: ‘وادّيني الباقي بقى’ ورشّحني رئيس جمهوريّة ، من الآخِرْ!
واوّل ما يخطر على بالك، أنّ هذا شحّاذٌ وقح ومُتبجّح، وأنّه يستحقُّ أن تركله على قفاه، بدلاً من تنصيبه رئيساً!
ولأنّ هذه الوقاحة أغضبتني كثيراً، فقد أعاد لي الغضبُ جدّيتي، ورأيت أن الديمقراياطيات الّتي ولدتها الثورات العربيّة، هي ديمقراطياتٌ برسم المصادرة، إذا لم تأت بما تشتهيه إسرائيل، و’من هم وراء إسرائيل’، هذا إذا استعرت مصطلحات عصر الاكاذيب الكبرى، حسب تسمية صديقي!
أمّا كيف يتمُّ ذلك، فلا أسهل:فحين رحل الإستعمار أهدانا أعلاماً مُلوّنة، وأعياد أستقلال، وليس استقلالاتٍ حقيقيّة، وهكذا انضمّت كذبة الاستقلال، إلى رُزمة الأكاذيب الكبرى، الّتي نوّه عنها صديقي!فتجد وزير المستعمرات البريطاني يوصي أولاده الأعزّاء، قبل أن يتخطّفه الموت، فيقول: يا أولادي حتّى تحافظوا على من استخلفتموهم بعد الاستقلال’الفشنج’ أو الفشك الفاضي، فاتركوا لهم جيشاً قويّاً، وجهازاً بيروقراطيّاً قويّا، يستطيعان معاً التصدي لكل من تسوّل له نفسه الانقضاض على الحُكمْ، لا بل القضاء عليه قضاءً مبرماً، قبل أن يقوم من مقامه!
هذه الحبال الّتي ارتخت وأفلت منها الربيع العربي، أُعيدَ شدّها من جديد يا صديقي، ولذا تجد الجيش متربّعاً على سدّة الحكم، وليس ‘كومبارس’ الميادين، الّذي استخدمهم فقط جسراً للعبور، وأعوذ بالله من كلمة العبور، لأنّها تفتح عمل الشيطان، وتعيدنا إلى عصر الكذبة الصغرى:كامب ديفيد وعصر السلام!
وإذن يا صديقي، في حين أنّنا نُسوّق الأكاذيب، الكبرى منها والصغرى والمكشوفة، يتعاملون هم مع الحقائق، ولذا يتفوقون علينا!
نزار حسين راشد

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية