القاهرة ـ «القدس العربي»: نستطيع القول الآن أن هوجة الاهتمام بانتخابات رئاسة الجمهورية قد انتهت، ولم تعد الغالبية تواصل متابعتها، كما كان في الأيام الماضية، عندما كانت الأخبار تتوالى عن المرشحين المنافسين للسيسي، خاصة رئيس حزب الوفد، بعد أن أصبح في حكم المؤكد أن السيسي سيخوضها منفردا ـ ما لم تحدث مفاجأة ـ بنص الدستور ويكفيه حضور 5٪ من المقيدين في جداول الناخبين، وعددهم ستون مليونا، أي يحتاج إلى ثلاثة ملايين صوت، وهو يضمن الحصول على أضعاف هذا الرقم، بسبب وجود تيار واسع من المؤيدين للإدلاء بأصواتهم له، لإظهار ما يتمتع به من شعبية أمام العالم.
واهتمت الصحف المصرية الصادرة أمس الاثنين 29 يناير/كانون الثاني بوجود السيسي في أديس أبابا، لحضور القمة الإفريقية لمكافحة الفساد، ولقاءاته مع الرئيس السوداني عمر البشير لتسوية الخلافات بين البلدين، ومع رئيس وزراء إثيوبيا لبحث آخر ما تم التوصل إليه في سد النهضة. ومن الأخبار الأخرى التي اهتمت بها الصحافة المصرية قضية الاعتداء الذي تعرض له المستشار هشام جنينة، وعدم تصديق الغالبية وجود خطة حكومية لاختطافه. وموافقة مجلس النواب على قانون الإفلاس للتقليل من حالات اللجوء للقضاء ضد من يعجزون عن دفع مستحقاتهم وتسويتها وديا. وقرار الحكومة رفع أسعار تذاكر القطارات والكهرباء في يونيو/حزيران المقبل، أي بعد انتهاء انتخابات الرئاسة. ونشاطات معرض القاهرة الدولي التاسع والعشرين للكتاب، والمعروف أن أول دورة له كانت عام 1968، رغم أن مصر كانت أراضيها في سيناء محتلة من جانب إسرائيل، ومع ذلك لم تتوقف عن مواصلة تنفيذ مشروعاتها، مثلما حدث عندما افتتح عبد الناصر في العام نفسه الكاتدرائية القبطية المرقسية في العباسية، التي بنيت بأموال الدولة اييه اييه أيام وذكريات. وإلى بعض مما عندنا…
منافسو الرئيس
وإلى الانتخابات وما حدث مع من أعلنوا نيتهم الترشح مثل الفريق سامي عنان الذي قال عنه ياسر رزق رئيس مجلس إدارة مؤسسة اخبار اليوم، والمقرب جدا من الرئيس السيسي في «الأخبار»: «الفريق سامي عنان أبدي نيته خوض انتخابات الرئاسة عام 2012 لكن المجلس الأعلى للقوات المسلحة برئاسة المشير حسين طنطاوي اتخذ قراره بعدم السماح، لأي عضو من أعضائه بالترشح لهذه الانتخابات. وفي مطلع عام 2014 عبّر عن رغبته في خوض انتخابات الرئاسة، وفاتحني شخصيا كما فاتح غيري بتلك الرغبة، وصارحته يومها بأن الحالة الشعبية لا تؤدي به إلي الوصول إلى ما يشتهي، وأن الفوز بالقطع لن يكون من نصيبه وإنما هو محتوم للفريق أول عبدالفتاح السيسي، إذا استجاب لنداء الترشح. وبعدها بأيام اتصل بي نجله الدكتور سمير عنان طالبا مني الحضور إلى منزل والده مع شخصيات أخرى لإقناعه بالتراجع عن رغبته، وأدركت أن تلك الدعوة هي مظلة أو غطاء لإعلان قرار عنان بعدم الترشح. ولبيّت الدعوة وجري اللقاء واعتذرت عن عدم حضور المؤتمر الصحافي الذي كان مقررا أن يعلن فيه القرار. منذ ذلك التاريخ أي خلال السنوات الأربع الماضية كان يمكن للفريق سامي عنان، وهو رئيس أسبق لأركان حرب القوات المسلحة، ونائب لرئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة في أعقاب ثورة يناير/كانون الثاني أن يتقدم باستقالته من القوات المسلحة كضابط برتبة فريق مستدعى للخدمة، وأن يتحول إلى شخصية مدنية يحق لها الترشح وخوض الانتخابات، خاصة أن رغبته في الوصول إلى مقعد الرئيس لم تفتر ـ كما هو واضح ـ منذ عام 2012 وحتى الآن. كان الفريق عنان يستطيع لو اتبع الإجراءات القانونية المتبعة داخل القوات المسلحة، التي يعلمها بالقطع، أن يجنب نفسه الوقوف متهما أمام القضاء العسكري، لاسيما أنه من العارفين بطبيعة وتقاليد المؤسسة العريقة التي ينتمي إليها، والتي ليس في قاموسها مفردات مواءمة وخواطر، وأنه يعلم يقينا أن سيف قوانينها بتار لا يفرق بين المخالفين، سواء كان بدرجة جندي أو يحمل أعلى رتبة، بل إنه لابد يذكر أن الفريق سعد الشاذلي وهو من أبرز أبطال حرب أكتوبر/تشرين الأول لم تشفع له بطولته مخالفته القانون بإفشاء أسرار عسكرية في كتاب، وقضى عقوبة السجن 3 سنوات بعد عودته من الخارج».
قبل فوات الأوان
أما في «الوفد» فقد طالب عباس الطرابيلي بتعديل القوانين العسكرية للسماح لعنان بالترشح لو اقتضي الأمر مد موعد انتهاء التقدم بالطلبات وقال: «أقصد بمن يمكن أن ينالهم العفو السياسي هؤلاء الذين تختلف رؤاهم السياسية عن رؤية معظم المصريين، وهم بالذات من سبق أن أعلنوا عن رغبتهم في الترشح لمنصب رئيس الجمهورية، من أمثال الفريق أحمد شفيق والفريق سامي عنان وأيضاً المحامي خالد علي، وأن تسقط عنهم أي اتهامات أو شبهة اتهامات حتى لا تطاردهم القوانين واللوائح البالية، التي تعوق أو تعرقل أو تمنع ترشحهم. على أن ندع للأمة نفسها فرصة اتخاذ قرارها تجاه من يقرر الترشح، أي يكون القرار هو قرار الأمة وحدها، ويكون قرارها نافذاً حتى لا يتحول هؤلاء إلى شهداء، ولو من طريق آخر هو الاضطهاد، ولماذا ـ مثلاً ـ لا نعدل بعض القوانين العسكرية التي تمنع ترشح أفراد القوات المسلحة لأي انتخابات، وأن نكتفي مثلا بتقديم العسكري الراغب في الترشح باستقالته وتقبل الاستقالة بمجرد تقديمها، لأن الاستقالة تعني عدم الرغبة في استمراره على رأس عمله، وبذلك لا نحرم أي راغب في العمل العام من حقه في المساهمة العامة لمصلحة الوطن، ودعوا الأمر كله للشعب. ونحن بذلك القرار ـ الذي يملك الرئيس السيسي وحده ـ حق إصداره نوسع من دائرة وعدد المرشحين، أو من يرغبون في الترشح. أقول ذلك حتى لو اقتضي الأمر مد أجل أو مدة الترشح، فالهدف هو المصلحة العامة. ثم أليس ذلك أفضل من كل ما يقال ـ ومعظم ما يقال غير صحيح ـ من أن يتردد داخليا وخارجياً أن الدولة لا ترغب في ترشح هذا أو ذاك. تنطلق الشائعات وكل ألسنة من يحاولون هدم الدولة المصرية، ومصر في غنى عن كل هذه الشائعات، وأن يقال بأن مصر تعفو عن أبنائها ـ غير الملطخة أياديهم بالدماء ـ خير ألف مرة من أن نترك الأمر للإعلام المغرض داخليًا وخارجيًا لكي يستمر في نهش اللحم المصري، حتى إن كان على خطأ وهو كذلك بالقطع، وقتها سنجد أمامنا العديد من المرشحين ـ من كل الاتجاهات التي تعمل تحت مظلة القوانين والأخلاق الشعبية الأصيلة لشعب مصر. يا ريت تفكروا قبل أن يفوت الأوان».
فوز الـ99٪
وفي «المصري اليوم» قال سليمان جودة تحت عنوان «الدولة تتسول مرشحا»: «الآن والآن فقط تدرك الدولة أنها أخطأت خطأ العُمر، عندما دفعت بالفريق أحمد شفيق خارج سباق الرئاسة. كان الرجل منذ البداية قادراً على إدارة معركة انتخابية محترمة، وكان قادراً على أن يحصد عدداً مُعتبراً من الأصوات، ولم يكن في الوقت نفسه سيهدد فرصة الرئيس في الفوز في شيء، ولا تقولوا من فضلكم أن الرجل فكر مع نفسه بهدوء، وإنه هو الذي ابتعد أو إنه هو الذي فضّل أن يكون خارج السباق، لا تقولوا هذا أبداً لا تقولوه لأن أحداً لا يصدقه، ولأن القول به ينطوى على إهانة لعقل كل مصري، ويحمل استهانة بكل مواطن يراقب الحال من بعيد ويفهم تماماً ماذا يجري حتى إن التزم الصمت ولم يتكلم، وكان الرئيس سيفوز ولم يكن شفيق سيهدد فوزه في شيء، لكن المشكلة أن في الدولة مَنْ لا يزال يريد فوزاً بنسبة تصل إلى 99٪ بدون أن يفهم أن هذه نسبة فات زمانها، ولم تعد ممكنة ولا مقبولة ولا حتى مُستساغة، ليس سراً أن فوز الرئيس أو أي مرشح آخر في المستقبل بنسبة كهذه أو بنسبة قريبة منها سوف يظل مسألة مضحكة، وسوف يكون باباً من أبواب التندر وإطلاق النكات بين الناس. ولابد أن الفريق شفيق يتابع المشهد الانتخابي الآن وهو يضحك ملء فمه، يتابعه ولسان حاله يقول إن دولة بوزن مصر وبتاريخها كانت ولا تزال في غنى عن كل هذا العك».
لا تستخفوا بالشباب
أما في «الشروق» فكتب رئيس تحريرها عماد الدين حسين قائلا: «في اليوم التالي لإبعاد سامي عنان عن الترشح لانتخابات الرئاسة والتحفظ عليه، ذهب بعض الشباب الذين حرروا توكيلات للمحامي الحقوقي خالد علي إلى مقر حملته، وطلبوا استعادة توكيلاتهم. بعض القائمين على الحملة سألوهم عن السر وراء هذا الطلب الغريب؟ الشباب أجابوا بأن أسرهم أصيبت بالقلق والهلع والرعب من التطورات الأخيرة، وخافوا كثيرا على أولادهم، وطالبوهم بسرعة التوجه إلى مقر الحملة وإلغاء توكيلاتهم، حتى لا تتعرض حياتهم لأي مكروه. هذه الرواية سمعتها من أحد كبار الداعمين لحملة خالد علي مساء يوم الأربعاء الماضي، حينما قابلته صدفة في استوديو قناة فضائية قبل يوم من إعلان خالد علي انسحابه رسميا من السباق الانتخابي. وفي تقديري أن هذه الحكاية هي أخطر التداعيات التي صاحبت التطورات الأخيرة. هؤلاء الشباب الذين ذهبوا لاسترداد توكيلاتهم كانت أعمارهم فوق العاشرة بقليل، حينما قامت ثورة 25 يناير/كانون الثاني، وحينما يذهبون إلى مكاتب الشهر العقاري لعمل توكيلات لأي مرشح، فالمعنى الحقيقي أنه لا يزال هناك بعض الأمل، في عدم هجران الشباب ــ أو حتى بعضهم ــ للمشاركة السياسية. وحينما يذهب هؤلاء ويشاركون ثم يصابون بهذه الصدمة، ويقررون استرداد توكيلاتهم فذلك ثمن فادح، سوف يدفعه المجتمع بأكمله إن آجلا أو عاجلا للأسف الشديد. هذا الشباب استجاب لما يطلبه منهم المسؤولون طوال الوقت، بالمشاركة في العملية السياسية الرسمية والطبيعية. لم يتظاهروا في الشوارع ــ حتى ولو سلما ــ ولم ينضموا لتنظيمات متطرفة، ولم يحملوا السلاح، ولم يتحولوا إلى إرهابيين كما فعل غيرهم. وأغلب الظن أن غالبية هؤلاء الشباب أولاد الطبقة المتوسطة القريبة من يسار الوسط الديمقراطي ويعادون فطريا التنظيمات الظلامية المتطرفة. هم يريدون حياة سياسية طبيعية، فيها تعددية وتنوع واختلاف، في إطار القانون والدستور والدولة المدنية. إقدام هؤلاء على الانسحاب ومحاولة استرداد توكيلاتهم لهما تداعيات خطيرة للغاية. هناك احتمالات كثيرة لهم، إما أن ينضموا إلى حزب الكنبة، «ويشتروا دماغهم أو يكبروها»، وهناك احتمال أن يكفروا بالعملية السياسية برمتها، واحتمال أسوأ أن يتطرفوا بعد أن سلكوا الطريق المشروع والقانوني وانصدموا صدمة كبيرة. مرة أخرى لا أتحدث عن القانون والدستور، بل عن المواءمة والإدارة الرشيدة، وكيفية جذب الجميع أو الغالبية للعملية السياسية بكل الطرق المشروعة».
إسعافات أولية
الرسام إسلام في «الوطن» رأى شخصا مصابا بضربات بعد أن تقدم لانتخابات الرئاسة، فأسرع لتقديم حقيبة إسعافات أولية لصديقه قائلا له : «دول شوية مسكنات ومضادات حيوية للجروح والكدمات مش بتقول عايز تشتغل في السياسة».
ماذا بعد الاحتقان؟
«يجب أن نعترف، كما يقول عبد الناصر سلامة في «المصري اليوم»، بأن الشارع في مجمله يعيش حالة من التوجس، حالة من الترقب، حالة من الوجوم، حالة من القلق، حالة من الحزن، ربما حالة من الغضب، حالة من الخوف، الخوف من المستقبل، وعلى المستقبل، هو الاحتقان في أوج صوره، يجب ألا تتطور هذه الحالة إلى ما هو أبعد من ذلك، بل يجب ألا تستمر بوضعها الراهن أكثر من ذلك. ربما روشتة الطبيب الآن كافية للسيطرة على الوضع، حتى لو استدعى الأمر ما هو أكثر من الروشتة، قد يتطلب عوامل مساعدة من العلاج الطبيعي، أو حتى الحجامة، ما زلنا في مرحلة التحكم وإمكانية الاحتواء، الأمر لم يخرج عن السيطرة، يجب تداركه، ولِمَ لا؟ من أجل الجميع، ولصالح الجميع. إذا تخيلنا أننا أمام مباراة، فيها الغالب والمغلوب، فهو تخيُّل خطأ، إذا تصورنا أننا أمام صراع ينتهي بمجرد رفع يد الفائز، أيضاً هو تصور خاطئ، نحن نتحدث عن دولة، بل أُمّة، أكثر من مائة مليون نفس بشرية، نتحدث عن مستقبلهم، عن أرواحهم، عن مستقبل أبنائهم وذرياتهم من بعدهم، يجب ألا يكون أمر كل هؤلاء رهناً بأشخاص، أو بتصفية حسابات، الأمر يحتاج إلى حكمة، إلى كياسة، إلى إيثار، والأهم من ذلك يحتاج إلى ضبط النفس، السيطرة على الهواجس، باختصار: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم. لماذا يغضب البعض حين يسمع تعبير: حق المواطنة، أو جميعنا مواطنون، متساوون في الحقوق والواجبات، أو حتى تعبير حقوق الإنسان، أو حق إبداء الرأي، أو حق الاحتجاج، أو حق التظاهر السلمي، أو حتى حق الترشح، لماذا يغضب البعض حين يسمع تعبير السلام الاجتماعي، أو المصالحة المجتمعية، أو الحوار المجتمعي؟ لماذا يغضب البعض حين سماع مصطلحات الحرية والديمقراطية والكرامة الوطنية؟ لماذا يغضب البعض حين يسمع تعبير عفا الله عما سلف، أو بدء مرحلة جديدة من المصارحة والمكاشفة؟ لماذا يغضب البعض حين يسمع من يطالب بالكف عن بناء المزيد من السجون والمعتقلات؟ أعتقد أن المرحلة المقبلة من حُكم الوطن يجب أن تتوقف أمام هذه الحالة قبل أي شىء آخر، حالة البَشَر قبل حالة الحَجَر، حالة بناء الإنسان قبل أي بناء إسمنتي آخر، يجب أن تسعى إلى إزالة حالة الاحتقان، إلى تحقيق المصالحة من كل جوانبها، إلى الإيمان بالمشاركة، بالشورى، بالحوار، يجب ألا نضيق ذرعاً بالنصيحة، حتى لو كانت مؤلمة، دائما كلمة الحق كذلك، خاصة إذا تم توجيهها لمن هم في حاجة إليها بالفعل. مصر أيها السادة تستحق أكثر من ذلك، مصر تستحق انتخابات رئاسية حقيقية، تستحق برلماناً قوياً، تستحق حكومة أكثر فاعلية، تستحق مجالس محلية معبرة عن إرادة المواطنين، تستحق إعلاماً صادقاً، تستحق سياسة خارجية أكثر ذكاءً، سياسة أمنية أكثر نضجاً، تستحق منظومة تعليمية أكثر تقدماً، منظومة صحية أكثر رقياً، منظومة خدمية متطورة، السؤال هو: وما الذي يمنع كل ذلك؟، أعتقد أن الإجابة عن هذا السؤال يمكن أن توفر طاقات كبيرة من الجهد والوقت، فقط يجب أن نعترف بموطن الداء. موطن الداء هو ذلك الاشتباك الحاصل طوال الوقت بدون جدوى، هو ذلك التصنيف الحاصل لكل أفراد المجتمع بدون مبرر، هو الإصرار على الاستعانة بأهل الثقة على حساب أهل الخبرة، هو اعتقاد البعض الفهم والخبرة في كل شيء وأي شيء، هو الاستهتار بالدستور والافتئات على القانون، هو الانتقام والغل وعدم الصفح أو العفو.. باختصار: موطن الداء هو عدم الاعتداد بذلك الاحتقان الحاصل في المجتمع، الضرب عرض الحائط بمشاعر الناس، بآهاتهم، بأوجاعهم، بملاحظاتهم وانتقاداتهم، هي القنبلة الموقوتة التي يجب أن نحسب لها ألف حساب».
الاهتمام بالشكل لا المضمون
وإلى المشكلة التي تسبب بها النظام لرئيس حزب الوفد السيد البدوي الذي طلب منه الترشح لمنافسة الرئيس السيسي، ليعطي للانتخابات ثقلا، فقبل رغم أن الهيئة العليا للحزب برئاسته كانت قد أصدرت بيانا بتأييد الرئيس وحكاية الضغط عليه قال بها رجل الأعمال وصاحب جريدة «المصري اليوم» صلاح دياب في عموده اليومي «وجدتها» الذي يوقعه باسم نيوتن: «جنوب إفريقيا توصف بأنها الدولة الإفريقية الأشهر المستقرة سياسيا، التي تمارس الديمقراطية. عانت لمدة نصف قرن تقريبا من سياسة الفصل العنصري «الأبارتيد». في أول انتخابات متعددة الأعراق عام 1994، حصل حزب «المؤتمر الوطني الإفريقي» الذي كان يترأسه نيلسون مانديلا على 62.6 ٪. كان فوزا ساحقا، فازت الأحزاب الأخرى بما تبقى. في النظام البرلماني، البرلمان هو الذي يختار الرئيس، لم يتقدم للبرلمان مرشح آخر للرئاسة سوى مانديلا. لماذا نلجأ للتلفيق؟ نقصي هذا، نُبعد ذاك، ثم نفتعل مرشحا. السيسي لديه رصيد يتمثل في 4 سنوات من الإنجازات. من الممكن أن نختلف على هذه الإنجازات. هذا حقنا. إذا كان من إنجازاته أنه أنقذ مصر من الإخوان المسلمين، قد نختلف على ذلك، بعض الناس قد يأخذون عليه أنه لم يتعرض للسلفيين. آخرون يرون أن إنجازه الأول في أنه لم يورط مصر في أي حرب حولنا، سواء في ليبيا أو سوريا أو اليمن. آخرون قد يرون ذلك تقاعسا. إنجازات السيسي موجودة على الأرض شاء من شاء وأبى من أبى. الخلاف عليها وارد، لكنه لا ينفيها. قضى الرجل 4 سنوات من الإنجازات.. أمامه 4 سنوات أخرى تعد بما هو أحسن منها. من الممكن أن نتحدث عن السنوات الأربع المقبلة، بعض المرشحين مثل عنان وغيره، لست معهم أو ضدهم، جاءوا ينتقدون أمورا تمت.. أمورا قائمة، لم يتحدثوا عن المستقبل وكيف نحققه، لم يطرحوا برنامجا. لماذا ندفع مرشحا مثل خالد علي للانسحاب؟ لأننا أصبحنا نخاطب الشكل. عندما انسحب ضرب هذا الشكل، انتهينا بالإساءة لشكل الانتخابات كلها. هذا يدفعنا لتلفيق مرشحين، نســـتدعي الســـيد البدوي غصــبا ليكــون محللا! رجل يعمل في القطاع الخاص مصالحه متشابكة له خلافات مع آخرين في المصالح أدت إلى قضايا، هل سنتغاضى عن هذا على حساب القانون ولحساب الشكل؟ رأيي أنه لا غضاضة في أن يخوض السيسي الانتخابات وحده كل هذه الحــــساسيات ربما جاءت ممن حول السيسي، هم معذورون فهم يقدمون النصيحة بما يملكونه هم، ليس وفقا لما يملكه السيسي لذلك جاءت النصائح بما يخص الشكل وابتعدت عن المضمون».
الظرف التاريخي الصعب
لكن رئيس تحرير «الوفد» وجدي زين الدين كتب مقالا عنوانه «الوفد والشرعية الشعبية والانتخابات الرئاسية» شن فيه هجوما عنيفا ضد أنظمة عبد الناصر والسادات ومبارك، بأنها ألغت الأحزاب السياسية ثم أضعفتها بعد عودتها في عهد السادات، ولم يقدم تفسيرا معقولا لتقدم السيد البدوي للمنافسة، رغم وجود قرار من الحزب بتأييد السيسي غير أن يقول: «الوفد من منطلق ثوابته الوطنية ودوره التاريخي وقيادته الرشيدة الحالية، التي تؤرقها وتشغل بالها محنة الوطن التي يتعرض لها من مؤامرات تهدف إلى إسقاط الدولة، وإشاعة الفوضى والاضطراب في البلاد، ومن إيمان الوفد بالشرعية الشعبية والتفاف جميع المصريين بكل طوائفهم ومذاهبهم السياسية صفًا واحدًا خلف الرئيس حتى يستعيد الوطن عافيته ويعبر من عنق الزجاجة الذي يمر به، جاء قرار هيئته العليا يوم (السبت) الماضي بتجديد التأييد للرئيس السيسي، ولا أعتقد أبدًا أن مصريًا واحدًا يمانع في المشاركة في هذا الظرف التاريخي الصعب بالتكاتف والتلاحم لمواجهة الخطر الذي يهدد أمن وسلامة مصر، وهذا ليس جديدا على المصريين، ومن بينهم أبناء حزب الوفد، ويوم دعاهم الوطن لنصرته وإنقاذه من جماعة الإخوان الإرهابية في 30 يونيو/حزيران لبوا النداء، والآن الوطن ينادي المصريين جميعًا بالوقوف إلى جوار الرئيس بالنزول إلى صناديق الانتخابات باعتبارها الوسيلة الوحيدة للتعبير عن الإرادة الشعبية المصرية».
مرشح اللحظة الأخيرة!
وأخيرا إلى «المصريون» ومقال رئيس تحريرها جمال سلطان ومما جاء فيه: «قبل غلق باب الترشح بسبع دقائق فقط وصل مرشح «اللحظة الأخيرة» إلى الهيئة الوطنية للانتخابات لكي يقدم أوراق ترشيحه، حسب ما أعلنت الهيئة، وقدم المهندس موسى مصطفي موسى سبعة وعشرين استمارة دعم من أعضاء في البرلمان، رغم أن الحزب الذي يرأسه وهو حزب الغد لا يوجد له عضو واحد في البرلمان، وكان الدكتور محمد أبو شقة المتحدث باسم حملة الرئيس السيسي الانتخابية، قد أعلن عبر الفضائيات قبلها بيوم واحد أن استمارات دعم الترشح من أعضاء في البرلمان جاهزة لمن يرغب، وكأنه معرض لمنتجات الجمعيات الخيرية توزع بالمجان على الفقراء والمحتاجين، وهي إهانة تصل إلى حد الاحتقار للبرلمان وأعضائه ودوره، ولم يجد المتحدث أي حرج في أن يتولى دعم منافس للمرشح الذي يتحدث باسمه، وهذا من توابع الحالة الكوميدية التي نعيشها في مصر هذه الأيام. وقائع الأسابيع الأخيرة، وربما الأسبوع الأخير وحده، كشفت ـ في ما كشفت ـ أنه لا يوجد عقل سياسي يدير المشهد السياسي في مصر أو مؤسساتها الرفيعة بما فيها مؤسسة الرئاسة، حتى أن عملية الانتخابات وإنقاذها كانت موكولة إلى بعض «المتطوعين» من الإعلاميين الموالين للسلطة وصغار رجال الأمن في بعض الأجهزة، قاموا بعملية التنسيق والاتصال والمفاوضات مع بعض الشخصيات من أجل الدفع بهم لاستكمال «مسرحية» الانتخابات، والحقيقة أن هذه الأجواء ربما تكشف لنا كيف تدار شؤون الدولة السياسية بشكل عام، وهو أمر مفزع فعلا، لأنك لا تواجه أي قواعد مفهومة أو هياكل دستورية، وإنما تتعامل مع حالة أقرب للفوضى والاستهتار الذي لا يمكن تصوره في إدارة «دولة» بما هي «دولة»، بالإضافة إلى انعكاسات ذلك على ثقة المستثمرين المحليين أو الأجانب بالثبات القانوني والشفافية في أجهزة الدولة ومؤسساتها، وهو أمر مدمر لأي خطط للتنمية. في اعتقادي أن «المتطوعين» أساءوا للسيسي وهم يتصورون أنهم يساعدونه أو يجملون المشهد له، قضي الأمر، وستدخل مصر في مرحلة ولاية جديدة للرئيس عبد الفتاح السيسي، وبالطريقة التي تم إخراجها به، من البديهي أنها ستكون مشحونة بالغضب والتوتر وفقدان الثقة في كل الاتجاهات، وقد ينعكس ذلك كله على حالة البلد والشارع والاضطراب فيه، إن لم تفاجئنا العناية الإلهية بقناعات جديدة للسيسي يفتح فيها الفضاء العام ويرفع الحظر عن نشاط الأحزاب والقيود عن وسائل الإعلام ويوقف ملاحقة منظمات المجتمع المدني ويفرغ السجون المكدسة من آلاف المعتقلين في تسويات سياسية ويدعوا لانتخابات برلمانية جديدة حرة وشفافة ويترك المجتمع يتنفس سياسيا بشكل طبيعي، لأنه بدون تلك الحزمة من الإجراءات الضرورية، فإن مصر ستكون في خطر حقيقي، والدولة ستكون في حال من الضعف والقلق والارتباك، كما أن «شرخ» الشرعية سيتسع خارجيا وداخليا، وسيجعل القيادة السياسية أكثر ضعفا وأكثر عرضة للابتزاز الذي عانت من بعضه في فترة ولايته الأولى».
معارك وردود
وإلى المعارك والردود وأولها في «الجمهورية» لمحمد الفوال تحت عنوان «كلام واضح وانذار لحلف الفساد»: «أثار الرئيس السيسي في قلوبنا الطمأنينة عندما أكد أن أي فاسد لن يجلس على كرسي الرئاسة. وكلام الرئيس كان قاطعاً وواضحاً وصريحاً لا لبس فيه وغير قابل للتأويل، وبالفعل من غير المقبول أن نجد في أي يوم أو مرحلة أي شخص فاسد أو متهم بالفساد وسرقة المال العام ونهب الثروات والمشاركة في إفساد الذمم والأخلاق يجلس على كرسي الرئاسة. للأسف كثير من الفاسدين في الأربعين سنة الماضية أفلتوا من العقاب والحساب بألاعيب المحامين وبثغرات قانونية وأنفقوا أموالاً هائلة للحصول على البراءة، ودفعوا الملاليم للإفلات من قفص الاتهام بالتصالح واحتفظوا بالمليارات في حسابات سرية في الخارج وعادوا للجلوس في صدر المشهد والظهور على شاشات الفضائيات وصورهم تملأ الصحف، ويتحدثون ببجاحة وبكل صراحة ووقاحة أحياناً عن قضايا الشرف والنزاهة وهم أول من داسوا عليها بأحذيتهم عندما كانت الأمور بأيديهم».
هشام جنينة
وإلى معركة حقيقية بالضرب والمطاوي تعرض لها المستشار هشام جنينة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات السابق، وتحقق فيها النيابة الآن، التي أفرجت عن جنينة وأمرت بحبس الشبان الثلاثة وعن هذه الحادثة قال في «الأهرام» ماهر مقلد: «ما حدث مع المستشار هشام جنينة شيء لا يصدق، ومع كل الرغبة في تصديق أي رواية تثبت أن الحادث قضاء وقدر إلا أن العقل يقول من الذي يقبل أن يتبنى رد فعل مواطن يحمل «السكين والسنجة»؟ ويبادر بالاعتداء بهما على غيره مهما تكن حدة التصادم المروري في شوارع القاهرة، خاصة شوارع مدينة القاهرة الجديدة، التي يقطن فيها الكبار من رجالات الدولة. سنذهب بعيدا ونتخيل سيناريو التصادم المروري هل يكون رد الفعل الطبيعي الضرب المفضي إلى الموت بلا هوادة، وتبني منطق من أفرط في استخدام العنف والقسوة وتبرير ما يحدث بأنه دفاع عن النفس، بسبب مشاجرة. والمفارقة في كل هذا أن يواجه المستشار هشام جنينة كل هذا في وقت حساس جدا وملتبس في هذه الواقعة. ننتظر تحقيقات النيابة العامة وكلمة القضاء الذي يحكم بالحق والحقيقة، ويعطي كل ذي حق حقه والقضاء ظل الله في الأرض وهو وحده الذي يقف أمامه الجاني والمجني عليه، وبإلهام من ضمير أقسم بحكم العدل وتطبيق القانون يصدر الأحكام الرادعة في حق كل من يتجاوز في مثل هذه الحالات، الضمير المهني يجب أن ينتصر، وهي رسالة للإعلام الذي قد يحاسب جنينة على موقف سياسي وهو تصرف يبتعد عن مواثيق الإعلام والشرف المهني وتظهر البعض في صورة لا تتناسب وخبرة السنين واحترام شرف الكلمة».
طه حسين
وأخيرا إلى الحكايات والروايات حيث أمتعنا في «الأهرام» نبيل سيف بنشر نصوص رسائل القراء إلى عميد الأدب العربي المرحوم طه حسين بمناسبة مرور خمسة وأربعين عاما على وفاته في عام 1973 والذي يتربط اسمه في الأذهان والعقول ببدء مجانية التعليم في مصر بدعم من حزب الوفد، ومقولته الشهيرة عن مقاومة الفقر والجهل والمرض. وأبرز ما جاء في التحقيق المتميز: «في رسالة غير مؤرخة يكتب إليه رمزي غالب بخط يده موقعا باسم ابنك المخلص، يعرض فيها التبرع بإحدى عينيه هدية لطه حسين كي يبصر بها قائلا: السيد الفاضل أبي الدكتور طه حسين.. بعد التحية أبي علمت من أحد أصدقائي أن الاطباء يمكنهم أن يجعلوك تبصر وتتمتع بنعمة الإبصار لو تطوع أحد بعينيه لك، وأنا يا سيدي الفاضل أهديك عيني من غير مقابل، فقط أن ترى نعمة الله وأن تشاركني سعادتي في هذه الحياة. أنا مستعد في أي وقت أن أذهب معك للطبيب لإجراء العملية ولن تهمني آلام العملية بقدر ما يهمني أن يتمجد اسم الله الحي وترى نعمته. عنواني رمزي راغب عبد الملك 4 شارع غرب الشريط بجنينة السادات بفم الخليج قسم مصر القديمة، وإنني منتظر اليوم الذي تحدده. وختاما أهديك سلامي. ابنك المخلص سيسيل خليل خليل العنوان 9 شارع وقف الخربوطلي في الظاهر مصر.
حسنين كروم