عندما رفع الزعيم السوفييتي السابق خروتشوف حذاءه في وجه الجميع، اثر انعقاد الدورة الخامسة عشرة للأمم المتحدة سنة 1960، بقي العالم حابسا أنفاسه لأجيال متعاقبة، لتداعيات هذه الحركة الخارجة عن العرف والمألوف الدبلوماسي والأممي. وبعد مضى أكثر من نصف قرن، السيناريو ‘الخروتشوفي’ يتكرّر بنسخة وإخراج جديدين في قمة العشرين.. فبنبرة تعكس المشهد الجليدي لمدينة سان بطرسبرغ، أفصح قيصر روسيا الاتحادية الجديد فلاديمير بوتين، بمنتهى الوضوح، عن الموقف الروسي من الملف السوري: ‘نعم سنساعدها، ونحن نساعدهم اليوم ونمدهم بالأسلحة’. بوتين القادم من ضفاف البلطيق، المستبطن للرمزية المثقلة والمضاعفة لمدينة لينينغراد – سانت بطرسبرغ حاليا- ابن ‘الكي- جى- بي’ وشاهد العيان من شرفة مكتبه في درسدن بألمانيا الشرقية سابقا، على سقوط الاتحاد السوفييتي. بعد تمكّنه من امتطاء حصان طروادة السوري عبّر بوتين عن نواياه من دون مواربة، مذكرا باقي الأعضاء المشاركين في القمة بأنّ فصول قصة ‘الحذاء الخروتشوفي’ لم تنته بعد، وانه على أتم الاستعداد للتلويح بالحذاء مرة ثانية والرمي به في وجه الخصوم المحتملين، إن اقتضى الأمر، معيدا للأذهان قصة العشق القديمة القائمة بين السياسة و’الجزمة’. خلف الوجه الخجول لبوتين وما يختزله من الهدوء الروسي الذي يسبق العاصفة، تتوالى المساحات الاستفهامية الواحدة تلو الأخرى تحوم جميعها حول سؤال مركزي لا غير: ما الذي تغير بين كرملين الأمس وكرملين اليوم؟ الموقع هو ذاته بقصوره الفاخرة وكاتدرائياته المبنية بالحجارة البيضاء وقلاعه الحصينة، منذ أن قرر القيصر الروسي ايفان الثالث تجديد الكرملين في القرن الخامس عشر. الروح أيضا هي ذاتها.. عبق قيصري/سوفييتي يسود كامل أرجاء هذه الرائعة المعمارية، في إشارة واضحة الى ألا شيء تغير داخل أقبية القرار الخفية للكرملين، سوى بداية انطلاق الشوط الثاني من الحرب الباردة، مع تغيير اضطراري في اسم احد اللاعبين.. فاللاعب السوفييتي تمّ تعويضه بلاعب روسيا الاتحادية، وريث السوفييت الجديد. ففي داخل مكاتب الكرملين المغلقة تعدّ بإحكام الخلطة النهائية للقرارات السياسية، وعلى الحكومة الروسية و’مجلس الدوما’ القيام بإعداد بطاقات الاستدعاء للنزلاء الجدد وفق الوصفة البوتينية الخالصة.. فلا وجود لمراكز قرار موازية للكرملين، وسيّد الكرملين يتصرف في المكان بصفة المالك خلافا لمفردات الكوسموس السياسي الأمريكي، التي تدار فيه السياسة منذ عقود بين رباعي يتوزّع بين قوى الضغط المتعددة والبيت الأبيض والخارجية ومقر البنتاغون. عشية انعقاد قمة العشرين الأخيرة نجحت روسيا، بل قل فلاديمير بوتين ومن ورائه ثعلب الدبلوماسية السوفييتية سابقا وروسيا الاتحادية اليوم سيرغي لافرورف في وضع الشراكة الروسية مع حلف الناتو في مهب الريح، من خلال خلق حالة غير مسبوقة من الفوضى والانقسام في جسم القوى الأكثر نفوذا في العالم.. تشخيص أكده الوفد الياباني عند توصيفه لنتائج القمة بأنها جسمت لأول مرة ‘حالة من الانقسام المتساوي بين الأعضاء المشاركين’. فالمسك بخيوط اللعبة في الكرملين واختيار مدينة سانت بطرسبرغ لانعقاد فعاليات قمة العشرين، رسالة واضحة غير مشفّرة من القادة الروس لزعماء العالم، مفادها أن المكانيين في حقيقة الأمر وجهان لعملة واحدة، بل قل ‘لطوطم روسي واحد’.. وأنّ المراوحة بينهما شعارها الأوحد استعادة مجد روسيا القيصري/السوفييتي بنسخة جديدة. ما لم يستسغه الغرب والولايات المتحدة بالخصوص بالقدر الكافي كيف يمكن لروسيا، المتسول الاقتصادي بالأمس القريب، أن تصبح سريعا بلغة الأرقام والمؤشرات الاقتصادية المقارنة ماردا اقتصاديا بأقدام إسمنتية؟. بالفعل روسيا تختزل واقعا مجتمعيا مختلفا تماما عن الغرب.. فهي تتحرك ضمن سياقات ثقافية وصيرورة تاريخية متفردة، فتوسطها الجغرافي بين الشرق والغرب.. وشعبها المنحدر من أصول سلافية شرقية.. ودرايتها الجيدة والواسعة بالمزاج المشرقى الاسلامى، من خلال منظومة الاتحاد السوفييتي القديمة صيّرتها إلى ذات مجتمعية مختلفة جذريا عن الرسم المؤسساتي للدولة بالمنظور الغربي، حيث يتصدر الفرد في الثقافة السياسية الروسية محور العمل المؤسساتي وروحه المتجددة. فمن ايفان الرهيب إلى لينين فستالين وغيرهم، سجّل العالم منذ مطلع الألفية الثالثة ظهورا مفاجئا لقيصر روسي بمواصفات جديدة: ليبرالي التوجه.. سوفييتي القرار.. قيصري السلوك . وريث امبراطوريتين من الحجم الثقيل، امبراطورية روسية قيصرية امتدت إلى حدود 1866 من أوروبا الشرقية عبر آسيا بلوغا إلى أمريكا الشمالية، وامبراطورية سوفييتية بنفوذ عالمي واسع ضمت بلدان أوربا الشرقية.. في كليهما لعب الفرد دورا محوريا أفضى تدريجيا إلى بروز نموذج من الحوكمة السياسية شديد التفرّد، يستند الى ظاهرة اقتران الزعيم بالأمة إلى حدود تماهي الأمة بالزعيم، شكلا من أشكال كتابة للتاريخ بأبجدية الفرد/المؤسسة، لا المؤسسة التي تدار من قبل الأفراد. من كان يتصور أن تنجح روسيا السوفييتية الغارقة في وحل المجاعة والفقر المدقع سنة 1917 في التحول إلى قوة ضاربة في حيز زمني قياسي لم يتجاوز الثلاثة عقود، لو لم يقتف لينين وستالين وغيرهما آثار أسلافهم. بوتين فهم الرسالة جيدا وهو الآن يعمل على تنفيذ وصية الأجداد بعد أن استوعب جيدا الدرس السوفييتي… فبتمثلّهما لنفس الحلم الكبير في إعادة الاعتبار للدب الروسي في حلبة التزلج السياسي الدولي، ألا يجمع بين فلاديمير اليتش اليانوف الشهير بلينين وفلاديمير بوتين حبل سري واحد؟ في اتجاهات أخرى من التحليل يتساءل عدد من المتخصصين في الشأن الروسي عن صدقية ما جرى في قمة العشرين، من حيث مدى مطابقته ‘للمقاس الخروتشوفي’ أم أن المسألة لا تتعدى مجرد ‘سبوتنيك’ تسويقي/اعلامي روسي لا غير؟ جميع القرائن والمؤشرات تشير الى أن المواطن الروسي يعيش من الداخل قدرا كبيرا من الانتشاء لا يدرك ذبذباته العالية إلا الروس أنفسهم، وأننا اليوم في حضرة ‘سبوتنيك’ روسي حقيقي ينتمي إلى جيل جديد من الأقمار الصناعية يسبح عاليا وفق احداثيات المدار السوفييتي السابق.