الناقد ياسين النصير: الثقافة العراقية بريئة من الدم والعنف

حجم الخط
0

بغداد‭ ‬ـ‭ ‬‮«‬القدس‭ ‬العربي‮»‬‭ ‬ـ‭ ‬من‭ ‬مروان‭ ‬ياسين‭ ‬الدليمي‭:‬ ليس‭ ‬ممكناً‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬النقد‭ ‬العراقي‭ ‬المعاصر‭ ‬منذ‭ ‬مطلع‭ ‬سبعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬بدون‭ ‬التوقف‭ ‬طويلا‭ ‬أمام‭ ‬تجربة‭ ‬ياسين‭ ‬النصير‭ ‬مع‭ ‬الثقافة‭ ‬العراقية،‭ ‬وتأتي‭ ‬أهمية‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬لعبه‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬متابعته‭ ‬الجادة‭ ‬والعميقة‭ ‬للنتاج‭ ‬الثقافي‭ ‬العراقي‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬حقوله‭ ‬الإبداعية‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الخمسة‭ ‬الماضية،‭ ‬كما‭ ‬يؤشر‭ ‬حضوره‭ ‬أيضا‭ ‬فاعلية‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يمارسه‭ ‬الناقد‭ ‬في‭ ‬تفكيك‭ ‬المشهد‭ ‬الثقافي‭ ‬وفي‭ ‬قراءاته‭ ‬النقدية‭ ‬بأدوات‭ ‬معرفية‭ ‬وخزين‭ ‬ثقافي‭ ‬تراكمي،‭ ‬لم‭ ‬ينقطع‭ ‬عن‭ ‬التفاعل‭ ‬مع‭ ‬حركية‭ ‬النتاج‭ ‬الثقافي‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬من‭ ‬هنا‭ ‬جاءت‭ ‬حيوية‭ ‬وحداثوية‭ ‬رؤيته‭ ‬النقدية‭. ‬ولأنه‭ ‬يكاد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬مفهوم‭ ‬المثقف‭ ‬العضوي‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬رؤيته‭ ‬لطبيعة‭ ‬العلاقة‭ ‬التي‭ ‬تجمع‭ ‬المثقف‭ ‬مع‭ ‬مجتمعه،‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المنطقي‭ ‬أن‭ ‬يتسم‭ ‬مشغله‭ ‬النقدي‭ ‬في‭ ‬خاصية‭ ‬التفكير‭ ‬المستمر‭ ‬بإنتاج‭ ‬أسئلةٍ‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬تفكيك‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬ثابت‭ ‬في‭ ‬الأنماط‭ ‬والمعتقدات‭ ‬والأفكار‭ ‬والمفاهيم‭. ‬فكان‭ ‬معه‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬حول‭ ‬أهم‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬طالما‭ ‬اشتغل‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬كتاباته‭. 

‭*‬مفهوم‭ ‬الثقافة‭ ‬يكاد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مفهوما‭ ‬فضفاضا،‭ ‬كيف‭ ‬ترى‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية؟‭ ‬

ـ‭ ‬الثقافة‭ ‬ليست‭ ‬محصورة‭ ‬بما‭ ‬يكتب‭ ‬فقط،‭ ‬إنما‭ ‬بما‭ ‬ينتج،‭ ‬وعندما‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬الثقافة‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬الحضارة‭ ‬والطبيعة‭ ‬والبيئة‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬وعن‭ ‬موقف‭ ‬المثقف‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬بلده‭ ‬وفي‭ ‬المجتمعات‭ ‬الأخرى،‭ ‬ثم‭ ‬إنني‭ ‬لم‭ ‬أجد‭ ‬في‭ ‬ثقافتنا‭ ‬العربية‭ ‬تأصيلا‭ ‬لغويا‭ ‬أو‭ ‬اجتماعيا‭ ‬أو‭ ‬بحثيا‭ ‬للثقافة‭ ‬أو‭ ‬للمثقف،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬لدينا‭ ‬معتمدون‭ ‬فيه‭ ‬على‭ ‬الثقافة‭ ‬الأوروبية،‭ ‬خاصة‭ ‬الفرنسية‭ ‬والألمانية‭. ‬وهنا‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نسأل‭ ‬عن‭ ‬ماهية‭ ‬المثقف؟‭ ‬ومن‭ ‬هو؟‭ ‬وهل‭ ‬هو‭ ‬المفكر‭ ‬الذي‭ ‬ينتج‭ ‬الأفكار؟‭ ‬أم‭ ‬هو‭ ‬الشخص‭ ‬الذي‭ ‬يكتب؟‭ ‬أم‭ ‬هو‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬يفكر‭ ‬في‭ ‬تغيير‭ ‬وتطوير‭ ‬بنية‭ ‬مجتمع؟‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬تذهب‭ ‬باتجاه‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬هوية‭ ‬المثقف،‭ ‬هذه‭ ‬الهوية‭ ‬التي‭ ‬أعود‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬أفلاطون‭ ‬عندما‭ ‬يصف‭ ‬السفسطائيين‭ ‬بأنهم‭ ‬منتجو‭ ‬رأي،‭ ‬بمعنى‭ ‬أنهم‭ ‬حرفيون‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬الرأي‭. ‬هذه‭ ‬الحرفية‭ ‬معناها‭ ‬أنه‭ ‬مؤسسة‭ ‬إنتاجية،‭ ‬والرأي‭ ‬بمعنى‭ ‬مواقف‭ ‬ومبادئ‭ ‬وأفكار،‭ ‬والحرية‭ ‬بمعنى‭ ‬التنظيم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬للعلاقات‭ ‬داخل‭ ‬البنية‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬فالمثقف‭ ‬يمتد‭ ‬حضوره‭ ‬التأسيسي‭ ‬من‭ ‬سقراط،‭ ‬ابتدءا‭ ‬من‭ ‬مقولته‭ ‬‮«‬إعرف‭ ‬نفسك‮»‬‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬المثقف‭ ‬كبنية‭ ‬تقنية‭. ‬وهنا‭ ‬نسال‭: ‬أين‭ ‬السلطة؟‭ ‬أنا‭ ‬دائما‭ ‬أبحث‭ ‬عن‭ ‬سلطة‭ ‬المثقف‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬وليس‭ ‬عن‭ ‬السلطة،‭ ‬لأن‭ ‬المثقفين‭ ‬على‭ ‬طول‭ ‬التاريخ‭ ‬كانوا‭ ‬هم‭ ‬الذين‭ ‬يغيرون‭ ‬ويبنون‭ ‬المجتمعات‭ ‬والأفكار‭ ‬وليس‭ ‬الدولة‭ ‬ولا‭ ‬الأحزاب،‭ ‬وهنا‭ ‬في‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬لم‭ ‬يتحقق‭ ‬ذلك‭ ‬لأننا‭ ‬لا‭ ‬نملك‭ ‬مفهوما‭ ‬للدولة‭ ‬ولا‭ ‬للوطن‭. ‬

‭*‬ومَن‭ ‬هو‭ ‬المثقف‭ ‬وفق‭ ‬رؤيتك؟‭ ‬

ـ‭ ‬المثقف‭ ‬هو‭ ‬السلطة‭ ‬المعرفية‭ ‬لفهم‭ ‬الواقع‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬أسَّسَ‭ ‬سان‭ ‬سيمون‭ ‬عام‭ ‬1821‭ ‬مفهوم‭ ‬المثقف‭ ‬ووصفه‭ ‬بأنه‭ ‬السلطة‭ ‬المعرفية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬يقود‭ ‬المجتمع‭ ‬إلى‭ ‬التنوير،‭ ‬وتبنى‭ ‬هذا‭ ‬الرأي‭ ‬أوغست‭ ‬كونت،‭ ‬بمعنى‭ ‬أن‭ ‬المثقفين‭ ‬هم‭ ‬القادة‭ ‬العمليون‭ ‬لتطورات‭ ‬المجتمع‭ ‬وليسوا‭ ‬تابعين‭ ‬لأحد،‭ ‬فنحن‭ ‬عندما‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬المثقف‭ ‬الذي‭ ‬يصفه‭ ‬غرامشي‭ ‬بأنه‭ ‬المثقف‭ ‬العضوي‭ ‬والشامل‭ ‬الكلي‭ ‬الذي‭ ‬يصفه‭ ‬ميشيل‭ ‬فوكو‭ ‬بالمثقف‭ ‬الخصوصي‭ ‬أو‭ ‬المتخصص،‭ ‬والذي‭ ‬يصفه‭ ‬سانتا‭ ‬بالمثقف‭ ‬الإنساني‭ ‬أو‭ ‬المثقف‭ ‬الكامل،‭ ‬وهكذا‭ ‬نجد‭ ‬توصيفات‭ ‬للمثقف‭ ‬تتبع‭ ‬الفلسفات‭ ‬التي‭ ‬يؤمنون‭ ‬بها،‭ ‬وليس‭ ‬المثقف‭ ‬شتَّام‭ ‬أو‭ ‬نهَّاب‭ ‬أو‭ ‬مُتَّهم‭. ‬المثقف‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬لا‭ ‬يشكل‭ ‬طبقة،‭ ‬إنما‭ ‬هو‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬شرائح‭. ‬في‭ ‬طبقات‭ ‬النظام‭ ‬الرأسمالي‭ ‬يوجد‭ ‬مثقفون،‭ ‬وفي‭ ‬المجتمعات‭ ‬الاشتراكية‭ ‬يوجد‭ ‬مثقفون‭ ‬وفي‭ ‬العمال‭ ‬يوجد‭ ‬مثقفون‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬الطبقات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬يوجد‭ ‬مثقفون،‭ ‬ولذلك‭ ‬هم‭ ‬شرائح‭ ‬مثقفة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الطبقات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬ليسوا‭ ‬متوحدين،‭ ‬كلهم‭ ‬يمثلون‭ ‬أفكار‭ ‬وهواجس‭ ‬الطبقات‭ ‬التي‭ ‬ينتمون‭ ‬إليها،‭ ‬ويعبرون‭ ‬عن‭ ‬الأفكار‭ ‬التي‭ ‬ينتمون‭ ‬إليها،‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬يوحدهم‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬هي‭ ‬المواقف،‭ ‬الموقف‭ ‬من‭ ‬تحقيق‭ ‬المصير‭ ‬الإنساني،‭ ‬الموقف‭ ‬من‭ ‬البيئة،‭ ‬الموقف‭ ‬من‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬من‭ ‬العدالة،‭ ‬من‭ ‬الاستبداد،‭ ‬من‭ ‬العنف،‭ ‬من‭ ‬الظلم‭. ‬هذه‭ ‬المواقف‭ ‬تشمل‭ ‬كل‭ ‬الطبقات‭ ‬المهيمنة‭ ‬والمضطهدة،‭ ‬والمثقف‭ ‬دوره‭ ‬هنا‭ ‬أنه‭ ‬يكون‭ ‬حتى‭ ‬ضد‭ ‬طبقته‭ ‬عندما‭ ‬الموقف‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يتخذه‭.‬

‭*‬ما‭ ‬بين‭ ‬السلطة‭ ‬والثقافة‭ ‬هنالك‭ ‬فجوة‭ ‬اصطبغت‭ ‬بالاشتباك‭ ‬والتعقيد‭ ‬والصِدام،‭ ‬لماذا؟

ـ‭ ‬القاسم‭ ‬المشترك‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الثقافة‭ ‬والسلطة‭ ‬هي‭ ‬المعرفة،‭ ‬فهي‭ ‬الحلقة‭ ‬الوسطى‭ ‬التي‭ ‬تبني‭ ‬الثقافة‭ ‬وتنظم‭ ‬السلطة،‭ ‬والمعرفة‭ ‬تعني‭ ‬التقنية،‭ ‬والتقنية‭ ‬تعني‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬أو‭ ‬التكنوقراط،‭ ‬والمثقف‭ ‬هو‭ ‬التكنوقراط‭ ‬وليس‭ ‬المنتمي‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬جهة‭ ‬سياسية،‭ ‬وما‭ ‬أن‭ ‬ينتمي‭ ‬سوف‭ ‬يتبنى‭ ‬أيديولوجية‭ ‬الجهة‭ ‬التي‭ ‬انتمى‭ ‬إليها،‭ ‬ولذلك‭ ‬التقنية‭ ‬هنا‭ ‬بمعنيين،‭ ‬أولا‭ ‬إنتاجه‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬تقنيا‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬رؤيته‭ ‬لبناء‭ ‬المجتمع‭ ‬تقنية،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬يعيّن‭ ‬أفق‭ ‬السلطة‭ ‬ولا‭ ‬يخضع‭ ‬للسلطة‭. ‬ومن‭ ‬تقنيات‭ ‬المثقفين‭ ‬الجامعة،‭ ‬فالجامعيون‭ ‬كلهم‭ ‬ينتمون‭ ‬إلى‭ ‬الثقافة،‭ ‬ولكن‭ ‬الجامعة‭ ‬إذا‭ ‬صارت‭ ‬سياسية‭ ‬أو‭ ‬اتّبعت‭ ‬السلطة‭ ‬فقدت‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬المجتمع،‭ ‬بمعنى‭ ‬أنها‭ ‬اهتمت‭ ‬بأيديولوجية‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬الجامعة‭ ‬مؤسسة‭ ‬تدميرية‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬ثابت‭.‬

‭*‬مجتمعاتنا‭ ‬العربية‭ ‬تعيش‭ ‬أزمة‭ ‬حقيقة‭ ‬في‭ ‬بنيتها،‭ ‬ربما‭ ‬لغياب‭ ‬القوى‭ ‬المجتمعية‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬المراهنة‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬البناء،‭ ‬أين‭ ‬تضع‭ ‬رهانك‭ ‬لإحداث‭ ‬التغيير؟‭ ‬

ـ‭ ‬كل‭ ‬الحركات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مدنية،‭ ‬بمعنى‭ ‬بنية‭ ‬مؤسسات‭ ‬مجتمع‭ ‬مدني،‭ ‬ليست‭ ‬عسكرية‭ ‬ولا‭ ‬حزبية،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬مؤسسات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تفكر،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬تبحث‭ ‬وتستنتج،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬تضع‭ ‬أفق‭ ‬المستقبل،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬الثورة‭ ‬الفرنسية‭ ‬قادتها‭ ‬مختلف‭ ‬الفئات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬ولكن‭ ‬المدينة‭ ‬كانت‭ ‬هي‭ ‬الأساس،‭ ‬بنية‭ ‬المدينة‭ ‬هي‭ ‬الأساس،‭ ‬مؤسسة‭ ‬المدينة‭ ‬هي‭ ‬الأساس،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬قضت‭ ‬على‭ ‬سلطة‭ ‬الأمراء‭ ‬والاقطاعيين‭ ‬وسلطة‭ ‬رجال‭ ‬الدين،‭ ‬لأن‭ ‬المدنية‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬أيديولوجيا،‭ ‬إنما‭ ‬هي‭ ‬مجموعة‭ ‬أفكار‭ ‬تنتظم‭ ‬ضمن‭ ‬مؤسسات‭ ‬تغيير‭ ‬المجتمع‭ ‬ليس‭ ‬لها‭ ‬علاقة‭ ‬بالدين‭ ‬ولا‭ ‬الأحزاب،‭ ‬هي‭ ‬علاقة‭ ‬بحق‭ ‬الحقوق‭ ‬بالعدالة،‭ ‬برفض‭ ‬الاستبداد‭ ‬بالتعيين‭ ‬والتكافؤ‭ ‬بالوظائف،‭ ‬بحقك‭ ‬كمواطن‭ ‬وإنسان،‭ ‬بمعنى‭ ‬أن‭ ‬للحق‭ ‬لسانا،‭ ‬فالمجتمع‭ ‬المدني‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يحقق‭ ‬لسان‭ ‬الحق‭.‬

‭*‬ما‭ ‬المسؤولية‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يتحملها‭ ‬الشباب‭ ‬في‭ ‬علاقتهم‭ ‬بمجتمعاتهم؟‭ ‬

ـ‭ ‬كل‭ ‬أفكارنا‭ ‬تتعلق‭ ‬بنهضة‭ ‬الشباب‭ ‬لأنهم‭ ‬هم‭ ‬الذين‭ ‬يبنون‭ ‬المجتمعات‭ ‬في‭ ‬أعمارهم‭ ‬القابلة‭ ‬للتطور،‭ ‬وهم‭ ‬عماد‭ ‬المستقبل،‭ ‬وعلى‭ ‬الشباب‭ ‬أن‭ ‬يتخلصوا‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬تبعية‭ ‬إلاّ‭ ‬تبعية‭ ‬الفكر‭ ‬المدني‭ ‬الذي‭ ‬ينتظم‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬المدينة‭ ‬ومؤسساتها،‭ ‬فالشباب‭ ‬لابد‭ ‬أن‭ ‬يأخذوا‭ ‬دورهم‭ ‬في‭ ‬مؤسسات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني،‭ ‬وفي‭ ‬مؤسسات‭ ‬مفتوحة‭ ‬الفكر،‭ ‬ويتوجب‭ ‬عليهم‭ ‬أن‭ ‬يقرأوا‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬يتعلموا‭ ‬من‭ ‬الفلسفات‭ ‬الكبيرة،‭ ‬لا‭ ‬أن‭ ‬ينغلقوا‭ ‬لأن‭ ‬مفهوم‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬ومفهوم‭ ‬الشباب‭ ‬هو‭ ‬المستقبل،‭ ‬وهو‭ ‬مفهوم‭ ‬الثمار‭ ‬المقبلة،‭ ‬وإذا‭ ‬ما‭ ‬حددنا‭ ‬من‭ ‬الآن‭ ‬نوعها‭ ‬من‭ ‬المحتمل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬فاسدة‭ ‬ولهذا‭ ‬تقع‭ ‬على‭ ‬الشباب‭ ‬مسؤولية‭ ‬تنوير‭ ‬وتثوير‭ ‬المجتمع‭ ‬وتغييره‭ ‬أيضا‭ .‬

‭*‬هل‭ ‬كان‭ ‬المثقف‭ ‬العراقي‭ ‬على‭ ‬درجة‭ ‬من‭ ‬المسؤولية‭ ‬في‭ ‬علاقته‭ ‬مع‭ ‬مجتمعه؟‭ ‬

ـ‭ ‬المثقفون‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬كانوا‭ ‬وما‭ ‬زالوا‭ ‬يؤدون‭ ‬دورهم،‭ ‬وأنا‭ ‬أجدهم‭ ‬يمتازون‭ ‬عن‭ ‬بقية‭ ‬مثقفي‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬بأنهم‭ ‬كانوا‭ ‬دائما‭ ‬مع‭ ‬التيار‭ ‬المدني‭ ‬واليساري،‭ ‬بمعنى‭ ‬أنهم‭ ‬مع‭ ‬الأفق‭ ‬المستقبلي‭ ‬للبلد،‭ ‬ومن‭ ‬بداية‭ ‬العشرينيات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬وقبل‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ‭ ‬وبعده‭ ‬ارتبط‭ ‬المثقفون‭ ‬بالحركة‭ ‬التنويرية‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وقسم‭ ‬منهم‭ ‬انتمى‭ ‬إلى‭ ‬الأحزاب‭ ‬اليسارية‭ ‬وقسم‭ ‬منهم‭ ‬بقي‭ ‬على‭ ‬مفهوم‭ ‬الطبقة‭ ‬الوسطى،‭ ‬ولكن‭ ‬بالعموم‭ ‬حركة‭ ‬المثقفين‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬كانت‭ ‬وما‭ ‬زالت‭ ‬تقدمية،‭ ‬ولذلك‭ ‬ما‭ ‬أنتجوه‭ ‬من‭ ‬علاقات‭ ‬اجتماعية،‭ ‬ومن‭ ‬آفاق‭ ‬معرفية‭ ‬وثقافية‭ ‬لا‭ ‬نجد‭ ‬له‭ ‬مثيلا‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬وإلى‭ ‬اليوم‭ ‬تعتبر‭ ‬هذه‭ ‬الشريحة‭ ‬هي‭ ‬الأكثر‭ ‬توحيدا‭ ‬بين‭ ‬الشرائح‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الأخرى،‭ ‬لاحظ‭ ‬الآن‭ ‬ضعف‭ ‬الطبقة‭ ‬العاملة‭ ‬والفلاحين،‭ ‬لكن‭ ‬المثقفين‭ ‬مستمرون‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬أنفسهم‭ ‬رغم‭ ‬اختلافاتهم‭ ‬الأيديولوجية،‭ ‬الانتماء‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬للمثقف‭ ‬شيء‭ ‬خاص‭ ‬به‭ ‬لكن‭ ‬كمثقف‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مع‭ ‬التقدم،‭ ‬مع‭ ‬الحرية،‭ ‬مع‭ ‬التطور‭. ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬القلة‭ ‬منهم‭ ‬ارتبطت‭ ‬بالسلطة،‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬ارتبطوا‭ ‬بالسلطة‭ ‬ليسوا‭ ‬مثقفين‭ ‬منتجين‭. ‬هؤلاء‭ ‬كانوا‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬مستفيدين‭ ‬من‭ ‬علاقتهم‭ ‬بالسلطة‭. ‬والمستفيدون‭ ‬موجودون‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الشرائح‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬ولا‭ ‬نقيس‭ ‬على‭ ‬هؤلاء‭ ‬كمثقفين‭ ‬ولا‭ ‬نقيس‭ ‬على‭ ‬المثقف‭ ‬الموظف،‭ ‬لأن‭ ‬المثقف‭ ‬الموظف‭ ‬أيضا‭ ‬يخضع‭ ‬إلى‭ ‬واجب‭ ‬وقانون‭ ‬معين‭ ‬وإلى‭ ‬رقابة،‭ ‬نحن‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬المثقف‭ ‬داخل‭ ‬المثقف‭ ‬الذي‭ ‬يتبنى‭ ‬الثقافة‭ ‬كمنهج‭ ‬حياة،‭ ‬يتبنى‭ ‬الثقافة‭ ‬كسلوك،‭ ‬وله‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يغيّر‭ ‬السلطة‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬بناء‭ ‬مؤسسات،‭ ‬وبناء‭ ‬أفكار‭ ‬جديدة،‭ ‬وبعمل‭ ‬قطيعة‭ ‬مع‭ ‬الموروث‭ ‬الجامد‭.‬

‭*‬ارتبط‭ ‬المثقف‭ ‬العراقي‭ ‬بشكل‭ ‬أو‭ ‬بآخر‭ ‬بعلاقة‭ ‬مع‭ ‬العمل‭ ‬السياسي،‭ ‬كيف‭ ‬تقيّم‭ ‬لنا‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬المثقف‭ ‬والسياسي؟

ـ‭ ‬السياسي‭ ‬أُمِّي‭ ‬وهناك‭ ‬قلة‭ ‬بينهم‭ ‬يفهمون‭ ‬تقنيا‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مفهوم‭ ‬السياسة،‭ ‬والمعرفة‭ ‬التي‭ ‬يمتلكها‭ ‬المثقف‭ ‬لا‭ ‬يمتلكها‭ ‬السياسي،‭ ‬ولهذا‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬تجويع‭ ‬وإذلال‭ ‬المثقف‭. ‬معرفة‭ ‬المثقف‭ ‬معرفة‭ ‬فلسفية،‭ ‬ومعرفة‭ ‬تجربة‭ ‬ومختبر‭ ‬يومي،‭ ‬هي‭ ‬معرفة‭ ‬لغة‭ ‬ومعرفة‭ ‬بحث‭ ‬ومعرفة‭ ‬كتابة‭ ‬وتشخيص‭ ‬ونقد،‭ ‬بينما‭ ‬السياسي‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬كل‭ ‬هذا،‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬السياسي‭ ‬يخاف‭ ‬من‭ ‬النقد‭ ‬لأنه‭ ‬صاحب‭ ‬سلطة،‭ ‬يخاف‭ ‬من‭ ‬النقد‭ ‬لأنه‭ ‬يخشى‭ ‬أن‭ ‬يفقد‭ ‬امتيازاته،‭ ‬والمثقف‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يتعالى‭ ‬على‭ ‬السياسي‭ ‬وعلى‭ ‬السلطة،‭ ‬لأنه‭ ‬يملك‭ ‬من‭ ‬المعارف‭ ‬ومن‭ ‬خصوصيات‭ ‬المعرفة‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يملكه‭ ‬رجل‭ ‬السلطة‭. ‬

‭*‬الدّين‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يشكل‭ ‬عاملا‭ ‬مهيمنا‭ ‬وفاعلا‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬خيارات‭ ‬المجتمع،‭ ‬كيف‭ ‬تقيّم‭ ‬دوره‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬العراقي؟

ـ‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬نستذكر‭ ‬مقولة‭ ‬مهمة‭ ‬لماركس‭ ‬‮«‬الدين‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬نشوء‭ ‬الدين‭ ‬يمثل‭ ‬عقل‭ ‬الشعوب‮»‬‭ ‬أي‭ ‬أنه‭ ‬نقل‭ ‬المجتمعات‭ ‬من‭ ‬العهود‭ ‬البدائية‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬تحكم‭ ‬العقل،‭ ‬وهذه‭ ‬مرحلة‭ ‬بشرية‭ ‬إنسانية‭ ‬اجتماعية‭ ‬كبيرة‭ ‬جدا،‭ ‬كان‭ ‬الدين‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬شخَّص‭ ‬هذه‭ ‬النقلة‭ ‬التاريخية‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬العقل‭ ‬المتحكم‭ ‬في‭ ‬الحياة،‭ ‬فالعقل‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يضع‭ ‬القوانين‭ ‬ويضع‭ ‬الحقوق‭ ‬ويبسط‭ ‬العدل‭ ‬ويعطي‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يبني‭ ‬المجتمع،‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الدين،‭ ‬ولكن‭ ‬الدين‭ ‬عندما‭ ‬يصبح‭ ‬تقاليد‭ ‬وطقوسا‭ ‬وعادات‭ ‬آنذاك‭ ‬يدخل‭ ‬منطقة‭ ‬الوهم‭. ‬والوهم‭ ‬يغري‭ ‬الفئات‭ ‬الشعبية‭ ‬البسيطة‭ ‬ذهنيا،‭ ‬بينما‭ ‬دين‭ ‬العقل‭ ‬يوجد‭ ‬فيه‭ ‬فلاسفة‭ ‬وعلماء‭ ‬ومفكرون‭ ‬ومجتهدون‭ ‬مِن‭ ‬واضعي‭ ‬الأصول‭ ‬الدينية،‭ ‬الذين‭ ‬أنقذوه‭ ‬من‭ ‬الأسطورة‭ ‬والبدائية‭ ‬والشفاهية‭ ‬والعقل‭ ‬التبسيطي‭ ‬للأمور،‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الدين،‭ ‬لكن‭ ‬القيمين‭ ‬على‭ ‬الدين‭ ‬حولوه‭ ‬إلى‭ ‬سلطة،‭ ‬إلى‭ ‬مؤسسة‭ ‬دينية،‭ ‬هُم‭ ‬أخذوا‭ ‬دور‭ ‬الإله‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬ولكي‭ ‬تكون‭ ‬لديهم‭ ‬هذه‭ ‬السلطة‭ ‬استولوا‭ ‬على‭ ‬جغرافية‭ ‬الأرض،‭ ‬ولهذا‭ ‬خضع‭ ‬الفلاحون‭ ‬لهم،‭ ‬ومذّاك‭ ‬استولوا‭ ‬على‭ ‬الجغرافية‭ ‬الروحية‭ ‬للإنسان،‭ ‬بحيث‭ ‬جعلوه‭ ‬مرتبطا‭ ‬بالغيبيات،‭ ‬فالدين‭ ‬أساسا‭ ‬نقلة‭ ‬عقلية‭ ‬في‭ ‬تفكير‭ ‬الشعوب‭. ‬أما‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬وهم‭ ‬وشعائر‭ ‬وطقوس‭ ‬وتقاليد‭ ‬لكي‭ ‬يربح‭ ‬منها‭ ‬البعض‭ ‬من‭ ‬رجال‭ ‬الدين‭ ‬هنا‭ ‬يصبح‭ ‬الدين‭ ‬وَهْما،‭ ‬وهؤلاء‭ ‬أساءوا‭ ‬إلى‭ ‬مفهوم‭ ‬الدين‭ ‬العلمي،‭ ‬فالإله‭ ‬المقصود‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬الإله‭ ‬الذي‭ ‬يؤمن‭ ‬به‭ ‬رجال‭ ‬الدين،‭ ‬إنما‭ ‬الإله‭ ‬الذي‭ ‬يؤمن‭ ‬بحق‭ ‬الإنسان‭ ‬ومستقبل‭ ‬الإنسان،‭ ‬لذلك‭ ‬عندما‭ ‬قالوا‭ ‬للإنسان‭ ‬هذا‭ ‬الإله‭ ‬لك‭ ‬تمسك‭ ‬به،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬الإنسان‭ ‬العادي‭ ‬المعزول‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الطبقة‭ ‬التي‭ ‬تتحكم‭ ‬باسم‭ ‬الدين‭ ‬بثقافةِ‭ ‬وحقِ‭ ‬وقوتِ‭ ‬الناس،‭ ‬بمعنى‭ ‬تدخل‭ ‬رجال‭ ‬الدين‭ ‬بكل‭ ‬شيء‭. ‬بأكلهم‭ ‬وشربهم‭ ‬وزواجهم‭ ‬ولبسهم‭ ‬وبنومهم‭ ‬وأحلامهم،‭ ‬لم‭ ‬يتركوا‭ ‬للإنسان‭ ‬الحرية،‭ ‬وفي‭ ‬الحقيقة‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الوَهْم‭. ‬

‭*‬مجتمعاتنا‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية‭ ‬تعيش‭ ‬اليوم‭ ‬زمنا‭ ‬تعصف‭ ‬به‭ ‬الفوضى‭ ‬والعنف‭ ‬والدماء،‭ ‬أين‭ ‬هي‭ ‬مسؤولية‭ ‬الفعل‭ ‬الثقافي‭ ‬إزاء‭ ‬هذه‭ ‬الصورة؟‭ ‬

ـ‭ ‬الثقافة‭ ‬بريئة‭ ‬من‭ ‬الدم‭ ‬الذي‭ ‬تتحمل‭ ‬مسؤوليته‭ ‬السلطات‭ ‬والطبقات‭ ‬المهيمنة،‭ ‬الثقافة‭ ‬الحقيقية‭ ‬بريئة‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الظلم‭ ‬والعنف‭ ‬ومن‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الدماء‭. ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬مثقف‭ ‬حقيقي‭ ‬يؤمن‭ ‬بالعنف‭ ‬والدم‭ ‬والاستبداد‭ ‬وسلب‭ ‬حقوق‭ ‬الآخر‭. ‬ولأن‭ ‬السلطة‭ ‬محكومة‭ ‬بمبدأ‭ ‬القبيلة‭ ‬والغزو،‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬تتحكم‭ ‬بها‭ ‬القبيلة،‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬العقلية‭ ‬الدينية‭ ‬والعصبية‭ ‬القبلية‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تتحكم‭ ‬بالحياة،‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬موضوع‭ ‬السنة‭ ‬والشيعة‭ ‬هو‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬العصبيات‭ ‬القديمة،‭ ‬وليس‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬الإنسان‭ ‬الحديث‭ ‬المعاصر،‭ ‬هذه‭ ‬النزعات‭ ‬القديمة‭ ‬أعيدت‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬لأنها‭ ‬تقوي‭ ‬سلطة‭ ‬الحاكم‭ ‬وتمتن‭ ‬هيمنته‭ ‬وتجعله‭ ‬هو‭ ‬المتحكم،‭ ‬فيأتي‭ ‬المثقف‭ ‬البسيط‭ ‬الساذج‭ ‬يلتحق‭ ‬بهذا‭ ‬الركب‭ ‬ويبرر‭ ‬الدم‭ ‬والغزو‭ ‬ويضع‭ ‬تبريرا‭ ‬للحرب،‭ ‬ولكن‭ ‬الثقافة‭ ‬بالمنهج‭ ‬الإنساني‭ ‬والعلمي‭ ‬والتقني‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬سلطوي‭ ‬ودموي‭.‬

‭*‬كيف‭ ‬ترى‭ ‬مستقبل‭ ‬الثقافة‭ ‬في‭ ‬العراق؟‭ ‬

ـ‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الثقافة‭ ‬بدون‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬منظومة‭ ‬كاملة،‭ ‬فالثقافة‭ ‬ليست‭ ‬كيانا‭ ‬مستقلا،‭ ‬لا‭ ‬عن‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬ولا‭ ‬عن‭ ‬النقد،‭ ‬ولا‭ ‬عن‭ ‬السوق،‭ ‬ولا‭ ‬عن‭ ‬الشارع،‭ ‬ولا‭ ‬عن‭ ‬حركة‭ ‬الناس،‭ ‬ولا‭ ‬عن‭ ‬مؤسسات‭ ‬العمل‭ ‬ومؤسسات‭ ‬الدولة،‭ ‬الثقافة‭ ‬بنية‭ ‬من‭ ‬بنى‭ ‬المجتمع،‭ ‬هذه‭ ‬البنية‭ ‬معناها‭ ‬علاقات‭. ‬والثقافة‭ ‬نتيجة‭ ‬علاقات‭ ‬بين‭ ‬مؤسسات‭ ‬المجتمع،‭ ‬بين‭ ‬طبقات‭ ‬المجتمع،‭ ‬بين‭ ‬فئات‭ ‬المجتمع،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬فن‭ ‬تنظيم‭ ‬مدينة‭ ‬بدون‭ ‬أن‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬تنظيم‭ ‬العِمَارة،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬تنظيم‭ ‬العِمَارة‭ ‬بدون‭ ‬أن‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬تنظيم‭ ‬السكن،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬تنظيم‭ ‬الناس‭ ‬التي‭ ‬تسكن‭ ‬بدون‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬بنية‭ ‬الأسواق‭ ‬أو‭ ‬بنية‭ ‬النقل‭ ‬والمواصلات،‭ ‬أو‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الرقمية‭ ‬الحديثة،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬الثقافة‭ ‬ليست‭ ‬كلاما‭ ‬يُكتب،‭ ‬وإنما‭ ‬حياة‭ ‬تعاش،‭ ‬والحياة‭ ‬التي‭ ‬تعاش‭ ‬بمعنى‭ ‬تعاش‭ ‬بكل‭ ‬حواس‭ ‬الجسد‭. ‬ومعيارنا‭ ‬النقدي‭ ‬للثقافة‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬جسدك‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬يمتلك‭ ‬حريته‭ ‬الكاملة،‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يعتدي‭ ‬عليك‭ ‬بالنَّظر‭ ‬ولا‭ ‬بالملبس‭ ‬ولا‭ ‬بما‭ ‬تأكل‭ ‬ولا‭ ‬بالصوت‭ ‬العالي،‭ ‬لأن‭ ‬الثقافة‭ ‬تنظيم‭ ‬اجتماعي‭ ‬هائل‭ ‬المديات‭.‬

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية