ستيفن هوكنغ والأزل المباغت

حجم الخط
1

منذ خمسون عاماً، وعالم الفيزياء الأشهر في عصرنا ستيفن هوكنغ، تحت طائلة «الموت المبكر» في أي لحظة، بسبب اصابته بمرض لوجريج المتسبب بشلل تدريجي، والذي اقعده ورفع من مستوى التحدي الجسدي سنة تلو سنة، وكذلك من تحدي تطوير النظام الالكتروني المتصل بكرسيه والذي يتواصل فيه مع العالم الخارجي، و»يفسر» لنا اصل هذا «العالم الخارجي» وفصله، ببعض أصابعه. وفي النهاية، انتج هوكنغ ما انتج، في الرياضيات والفيزياء، وساهم في تيسير المعرفة العلمية حول مسائل معقدة مثل الانفجار العظيم المولد للكون الذي نحن فيه، ومثل نظرية الاكوان المتعددة، ومثل الثقوب السوداء والاشعاع الذي ينبعث منها، والاوتار الفائقة، والتعارض والتوفيق بين منظار النظرية النسبية في الفيزياء، وبين ميكانيكا الكم الاكثر صلاحية للجسيمات الجزئية، وللاطياف وموجاتها، وغير ذلك مما يسر هوكينغ السبل اليه خصوصا عند اصداره اواخر الثمانينيات لكتابه الاكثر رواجا «تاريخ موجز للزمن».
هوكنغ الذي لم يكتف المرض بشل حركته، بل شل قدرته على النطق، ثم وصل حتى الى اصابعه، ولم يعد له غير تحريك عينيه ليكتب، واصل مع ذلك كفاحه من اجل الحياة المنتجة علميا، والعاطفية ايضا، بزواجين، بل وقصة غرام في اواخر زيجته الاولى مع الممرضة التي صارت لاحقا زوجته الثانية، واتهمت لاحقا بأنها ارادت ذلك عن طمعا مادي، واتهمت بايذائه، وهو ما نفاه هوكنغ رغم طلاقه منها.
وفي وقت ثمن الفلسطينيون والعرب موقف هوكنغ الذي انتهى به الى الانضمام لحملة مقاطعة اسرائيل وجامعاتها، يمكن قراءة مقالة في جريدة هآرتس تلفت الى ان هوكنغ زار اسرائيل اربع مرات حتى العام 2006، وانه اعتمد كثيرا في خصوص العمل البحثي حول الثقوب السوداء على عالم فيزيائي اسرائيلي هو جاكوب بكنشتاين. الاهتمام العربي الاخر، وليس فقط العربي، انصب حول تداعيات كتابات هوكنغ حول الكون واصله وفصله على المعتقدات الدينية والايمانية، لا سيما ان كتاب «التصميم الكبير» لهوكنغ فهم من قبل كثيرين على انه مطارحة الحادية صافية.
ففي هذا الكتاب يكثف هوكنغ الفيزياء النظرية المعاصرة في ان «الجاذبية تشوه المكان والزمان وتسمح للزمكان بأن يكون مستقرا في محل وغير مستقر على صعيد الكون». وان الطاقة الموجبة للمادة يمكن ان تبتلعها الطاقة السالبة للجاذبية. اعتبر ان حيثية وجود قانون مثل الجاذبية تعني بحد ذاتها ان الكون يمكنه ان يخلق ويعاد خلقه من لا شيء وتلقائيا. الخلق التلقائي هو عنده السبب لماذا يخلق شيء من لا شيء. كثيرون اعتبروها خلاصة الحادية بامتياز، لكن اخرين اعتبروها خلاصة منسجمة تماما مع نظرية الخلق من عدم في الديانات الابراهيمية، واخرون اعتبروا ان قوله بالاكوان المتعددة، المتوازية، والمستقل كل منها بقوانينه الخاصة، تشبه التصورات الميثولوجية الجنوب اسيوية.. في الواقع، اهمية هوكنغ في انه نجح في اعادة جذب الناس والاسئلة ومحاولات الاجابة الى «الكونيات» او الكوزمولوجيا، وساهم بألف حيلة في محاولة تبسيط وتصوير نظرية توسع الكون الذي نحن فيه، وندرة الحياة المنتظرة في هذا الكون، في مجرتنا، كما في المجرات الاخرى، ما دامت معظم «الانظمة الشمسية» القائمة في هذه المجرات هي انظمة متعددة النجوم الشموس، والكواكب الداخلة في مدارات معقدة، وليس في مدار دائري فحسب، مثلما الحال في مجرتنا.
اعتبر هوكنغ عمله جزءا من هذا المسار المتواصل للعلم لاعادة تهدئة الانسان باكسابه تواضعا مريحا في مكانه ضمن هذا الكون. كون من جملة اكوان، يتضمن عددا كبيرا من المجرات، في كل منها مليارات النجوم، وانسان لم ينوجد في كل هذا التاريخ الكوني الا في اللمحة الزمنية الوجيزة الاخيرة منه. على كرسيه، ومع شلله المتفاقم حتى ايقاف كل اعصابه، كان بمستطاع هوكنغ ان يسرح ويمرح، بين المجرات، بين الاكوان، وان يمد قارئه بهذا الشعور، الشعور بالسديم الكوني، بهذا الازل المباغت.
كاتب لبناني

ستيفن هوكنغ والأزل المباغت

وسام سعادة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية