وِحدة تفوقني

حجم الخط
6

بين العزلة التي تفرض عليك والعزلة التي تختارها بمحض إرادتك فروق كبيرة، بين الوحدة التي تشعر بها وأنت محاط بعشرات الوجوه التي تغمرك بحضورها والوحدة التي تبحث عنها لترى ذاتك وتلملمها من الشتات فروق أكبر، فليس ما نختاره بمحض إرادتنا مشابه لما يفرض علينا، عزلة السجين غير عزلة الناسك، وحدة الضرير غير وحدة المبصر، وحدة الأصم غير وحدة السامع، ووحدة ابن البلد غير وحدة المهاجر إليها، تختلف المشاعر في التقاط ذبذبات الشيء الذي يعكر صفاء بحيرة الداخل، وكذا الوحدة والعزلة، قليلة جدا هي قرون الاستشعار البشرية التي تلتقط هالتها الخفية، والتي تحيط بالشخص من حيث لا يدري وتجعله يقيم هناك في قوقعتها، بدون أن يقدر على كسرها، أو التأقلم فيها.
عاش طه حسين، على سبيل الذكر، ثمانين عاما في العتمة، وكلنا يعرف أن ليس هناك أقسى من العتمة، وهي في الغالب في نظرنا عامرة بالأشباح والأهوال، تبث الرعب فينا بمجرد تخيلها، وحتى رواد الليل في عصرنا يتباهون بحياتهم الليلية، ولكنهم في الغالب مثل الفراشات ينجذبون نحو الأماكن المضيئة. فالعتمة مرادفة لخروج اللصوص والمجرمين والخفافيش مصاصة الدماء، وكل ما يمارس عمله ليلا إن لم يكن مهنة مُصَرَّحا بها فهو عمل مخالف للقانون وفيه ما يُلحِق الأذى بالناس، وهذا ما ربط الليل والظلام بمخاوف الإنسان المختلفة.
فأيّ وحدة عاشها طه حسين خلال عمره الطويل؟ بدون أنوار، ولا ألوان، ولا أشكال ولا ملامح، وكلما سكتت الأصوات حوله فكأنّما فرغ الكون من كل أنماط الحياة إلا منه. أي حمل ثقيل ذاك الذي حمله على كتفيه؟ إذ يبدو أن «الوحدة» ثقيلة جدا وأن الرؤية بالتأكيد تخففها إلى حد كبير، وما كان مصيره لو أن ذكاءه كان أقل مما كان عليه؟ ألم تكن حياته كأغلب المكفوفين الذين همّشهم المجتمع، ستنتهي في خندق تعيس منسي؟ تماما كما وصفهم شارل بودلير في قصيدة «العميان» حين رسم لوحاته الباريسية في «أزهار الألم»؟
لقد كانت عبقريته منقذا جيدا له، ولكل مسيرته الحياتية، حتى أن تلك العبقرية هي التي أوجدت له حب عمره وشريكة حياته، التي ما كان ربما ليهتدي إليها لو أنّه كان مبصرا. لكن مع هذا لا أتخيل حياته المستمرة في العتمة، لا أتخيل الأخطار التي كانت قريبة منه ومرّ بقربها، وكيف قام بتلك الرحلة العجيبة لنهل العلم وهو وحيد تماما، حتى إن كان هناك من يساعده على معرفة الطريق، أتخيّل المشاهد الطويلة لحياته ولا أتوقف عن النقمة على «الحلاق» الذي تسبب في فقدانه لنظره، ولا بالحسرة على والديه وأبناء القرى الذين أفقدهم الجهل الكثير مما يملكون، وزاد من مصائبهم وكبّر حجمها.
المأساة في فقدان النظر وخوض الحياة في ظلام دامس، قد تكون أخف من فقدان حاستي النظر والسمع معا، كما حدث لهلين كيلر التي تركت لنا كتابا عن حياتها، من حسن حظي أني قرأته في صغري، وكان له تأثير عظيم عليّ، وكلما استيقظت من كوابيسي فزعة وفتحت عيني في الظلام إلاّ وتخيلتها مسلوبة الرؤية، غير قادرة على الاستنجاد بوالدتها لتحميها من الأشباح، تلك الطفلة «الطريّة» مثل زهرة لوز هاجمها برد أواخر الشتاء، تأقلمت مع قضبان قوقعتها، ومضت في نفق مغامرة حياتية صعبة، خرجت منه أقوى مما توقع كل المحيطين بها، وهو الشيء المشابه لحياة المغني الإيطالي الشهير أندريا بوتشيلي الذي لم أكن أعرف تفاصيلها، إلاّ حين شاهدت مؤخرا الفيلم الذي روى حياته.
هيلين كيلر تركت لنا فوانيس مضيئة لمن تاه في الدروب الوعرة لهذه الحياة، المتمثلة في أفكارها الإيجابية المبثوثة في مؤلفاتها، مثل مقولتها الشهيرة: «عندما يغلق باب السعادة، يفتح آخر، ولكن في كثير من الأحيان ننظر طويلا إلى الأبواب المغلقة، بحيث لا نرى الأبواب التي فتحت لنا»، فكيف رأت الأبواب ولم يرها ملايين المبصرين؟ كيف رأت جماليات هذا الكون وغابت عمن ينعمون بكل حواسهم؟ لقد قالت في موضع ما: «لم يكتشف أي متشائم سر النجوم، أو أبحر إلى أراضٍ غير معروفة أو فتح طريقا جديدا للروح البشرية»، فهل كانت تلك الخلوة المفروضة عليها سبب إدراكها العميق للأمور؟ أستغرب وأنا أتصفح حيوات الناجحين من فاقدي البصر، أو النطق، كيف كسروا تلك العزلة وخرجوا منها منتصرين؟ وأتساءل أحيانا هل الوحدة نقمة أم نعمة؟ وقد وُصفت بالجميلة في كثير من النصوص والرسائل، كونها الرّفيق الأول للمبدعين، وبدونها لا يمكن إنجاز شيء. وما الاحتمالات المقترحة لحياة بديلة لطه حسين المبصر أو لهيلين كيلر المبصرة؟ إن أمعنّا في أسباب نجاحيهما القائمة أساسا على تلك العزلة؟ هل كان ميغيل دي سيرفانتس سيكتب رائعته «دون كيشوت ديلامنشا» لو لم يُزج به في السجن؟ لقد أثمرت عزلته أعتق القصص على الإطلاق، كما أثمر سجن الرحالة ماركو بولو بكتاب وُصف بأعظم ما أنتجته الصدفة، فلو لم يسجن لما التقى بمدون رحلاته.
لقد بحثت في هؤلاء وغيرهم ممن خبروا الوحدة القاسية التي نخرت أعماقهم وحوّلتهم في لحظات هاربة إلى ذئاب تعوي بألم، عن ذاتي التي تحوّلت إلى مكان مقفر تنبعث منه أدخنة الحرائق التي عشتها على مدى سنوات، ذاك المكان الذي أعود إليه بعد أن تنطفئ أضواء المسارح، وتغادر الجماهير أمكنتها منسحبة إلى أعشاشها الدافئة، ذاك المكان الذي لا أملك منه شيئا، بقدر ما ملكني هو، وسلب مني سكينتي الخاصة، وصنع حولي ضجيجا أتلف عصبونات دماغي.. لقد بحثت هذه المرة عمّا يواسيني، أو يملأ هذا الكهف الفارغ في أعماقي، أو يفوق هذا الشعور الغريب بالفقدان الذي يسكنني منذ عشرين سنة ويتعاظم في داخلي، أردت أن أفهمني هذه المرة، حتى لا يجرفني ألم الفراغ إلى مزيد من الفراغ، أردت أن أرى عظمة العزلة في أبهى حللها، وهي تنبثق مثل شلال هادر من عيون لا تبصر، ومن أرواح عُلّقت بين الأرض والسماء لتتشبث بخيط رفيع من الحياة، فلا هي طالت نعم الحياة ولا نعم السماء.. أردت ذلك، وأعرف أن بين طيات الشعر والأدب أسرار لا نهاية لها عن تلك النفوس الطيبة التي اختارت هامشا من هوامش الحياة لتسجل حضورها، وتدوّن رسائلها لمن هم مثلي… وإن كنت أغرق كل ليلة في أمطاري وعواصفي وأوحالي، فإن الأمر أحيانا يخرج عن سيطرتي، حين تتمرد ذاكرتي عليّ فتخرج أثقالها، وتروي لي قصّة طه حسين مجددا، وهيلين كيلر، وسيرفانتس وماركو بولو، وقصصا أخرى تشبعت بها وأنا طفلة، وهي بسحر ساحر، ترمم ما تصدّع في ذاتي، فتغطي الشروخ والخدوش والتشققات، ولكنّها تفشل تماما في إخفاء الطفلة السمراء متوسطة الجمال التي تختبئ بين أضلعي، تلك الطفلة التي ما إن تفلت مني أحيانا وترتمي في حضن أمها حتى تطوقها السعادة من كل الجهات وتنسى أنّها وحيدة!

٭ شاعرة وإعلامية من البحرين

وِحدة تفوقني

بروين حبيب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية