إيران: حصوننا مهددة من الداخل!

حجم الخط
0

يدرك الإيرانيون جميعاً عدا البعض من المعارضين الذين يؤمنون بتغيير نظام الجمهورية الإسلامية، أن إسقاط النظام على شاكلة ما حصل في العراق وليبيا، أمر مستحيل، وقد تكون نتائجه عكسية تماماً توحدهم ضد «الغزو الأجنبي» أو على الأقل تحول بلادهم إلى «سوريا ثانية».
وحتى قبل أن يتسلم دونالد ترامب مقاليد الرئاسة في الولايات المتحدة في 20 كانون الثاني/يناير 2017 وطوال السنوات الماضية منذ سقوط نظام الشاه الراحل في شباط/فبراير 1979 بل وفِي كل حقب التاريخ الإيراني المعاصر منه والقديم، فإن ما كان يوحد الإيرانيين دائماً رغم كل نزاعاتهم الداخلية، هو الحروب مع الخارج.
ومع أن طهران تقلل على الدوام من خطر تهديدات «الصقور» في الولايات المتحدة بشن حرب مباشرة على نظام الجمهورية الإسلامية، وتعايشت طوال السنوات الماضية من عمرها معها ومع تهديدات مماثلة انطلقت من إسرائيل خصوصاً ما يتعلق بتوجيه ضربة لبرنامجها النووي، إلا أن التغييرات الأخيرة في إدارة ترامب بعد تعيين جون بولتون مستشاراً للأمن القومي، وهو من دعاة توجيه ضربة عسكرية إسرائيلية للبرنامج النووي الإيراني لإعادته إلى الوراء سنوات، جعلتها لا تتفق على رأي واحد في كيفية مواجهة هذه التحديات، وجاءت هذه المرة مشفوعة بانقـــســـام داخلي حاد بين المحافظين والإصلاحيين وصل حد التخوين، واندلاع اضطرابات شعبية يمكنها أن تتجدد في أي لحظة لتهدد بجدية بقاء النظام.
فما بين الدعوة لإظهار «العين الحمراء» والاستمرار في لغة «التهديد مقابل التهديد» وإظهار المزيد من المرونة، أو حتى «الانحناء» أمام العاصفة، تباينت ردود الأفعال عند أصحاب القرار الإيراني وعند من يدعمهم من كبار السياسيين وصانعي الرأي العام في إيران.
أصحاب نظرية المواجهة، ليسوا وحدهم من الحرس الثوري المتهم بأن تدخله في سوريا هو واحد من أسباب تصعيد المواجهة الأمريكية المدعومة من دول غربية كفرنسا وبريطانيا وحتى ألمانيا مع إيران، لأن هناك أصواتاً ارتفعت من بعض الأمريكيين من أصول إيرانية لديهم صلات وثيقة بأطراف نافذة داخل النظام، دعت إلى تشكيل حكومة «شبه عسكرية» إيرانية في مقابل الإدارة الأمريكية الجديدة التي باتت تضم تقريباً جميع المنادين بالحرب مع إيران عدا وزير الدفاع الحالي جيمس ماتيس يؤمن بضرورة المحافظة على الاتفاق النووي مع إيران، وذلك بالرغم من عدم تأييد الرئيس ترامب للصفقة وإشاراته المتكررة لإمكانيه إلغائها في أيار/مايو المقبل.
وفي حين دعا هوشنك أمير أحمدي، وهو بروفيسور يقيم في ولاية نيو جرسي وأحد المتقدمين الذين رفض مجلس صيانة الدستور ترشيحهم لانتخابات الرئاسة الإيرانية، إلى تنحية روحاني جانباً، وأن يجري تطعيم الحكومة بوزراء عسكريين وتشكيل «حكومة عسكرية مصغرة» اعتبرت الأوساط الاصولية هذه الدعوة بمثابة «فخ» لجر إيران إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة متهمة أحمدي بالعمل لصالح وكالة المخابرات الأمريكية، وبأن له صلات مع الجهات التي ما تزال تدعم الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، وتحديداً صهره اسفنديار رحيم مشائي المودع حالياً في السجن.
فهذا الرجل هو من تلقى دعوة مثيرة للجدل من اسفنديار لحضور مؤتمر اقيم في طهران لإيرانيي المهجر. وهو شارك أيضا في مشاريع من بينها مشروع مقاولات ضخمة في المنطقة الحرة في جزيرة كيش جنوب إيران مع من يوصفون بالحلقة الثالثة المحيطين بأحمدي نجاد آنذاك. ويوصف أمير أحمدي بأنه أحد أعضاء اللوبيات الإيرانية والذي كان له دور بارز في نقل الرسائل بين الحكومتين الإيرانية والأمريكية وسافر خلال السنوات الأخيرة عدة مرات إلى إيران والتقى بعدد من المسؤولين الإيرانيين. كما أنه رشح نفسه للانتخابات الرئاسية مرات عدة، ونشرت له مؤخراً مقالة حول تنصيب جون بولتون في منصب مستشار الأمن القومي الأمريكي حيث جاء فيها: في ظل هذه الظروف بدأنا نشعر باحتمال لجوء الولايات المتحدة للحل العسكري. ويضيف أيضا: أكتب «من المحتمل» لأنني أرى أن الأجواء تحتمل الخيارين. فخلال العام والنصف الماضية من كتاباتي ولقاءاتي الصحافية المتعددة، حذرت من أن الرئيس الإيراني روحاني لا يقوى على المواجهة المباشرة مع نظيره الأمريكي ترامب، والتجارب أثبتت هذا. ولابد من يوضع روحاني جانباً.
وكتب أمير أحمدي أن بولتون سيتولى أيضا إدارة لجنة الأمن القومي الأمريكي. فهذا المنصب مهم للغاية، كونه الأقرب للرئيس الأمريكي مقارنة بأي منصب آخر، وسيؤثر هذا بالتأكيد على قرارات الرئيس الأمريكي مستقبلاً.
ويضيف أيضا: إن بولتون تولى في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأبن منصب السفير الدائم للولايات المتحدة في الأمم المتحدة ولعب دورا بارزا في الحرب ضد العراق عام2003. فهذا الرجل يؤمن بالحل العسكري وفرض العقوبات في سياسة واشنطن الخارجية. ولا يمكن أن نتجاهل الدور الذي لعبه كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في تعيين جون بولتون. فالشخصان يسعيان في إقناع إدارة ترامب بضرورة اللجوء للحل العسكري ضد إيران.
وأبدى أمير أحمدي قلقه من إمكانية انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي من جانب واحد ويضيف: بولتون يسعى لدفع ترامب للانسحاب من الاتفاق النووي. وبعد ذلك أن تفرض المزيد من العقوبات المشددة ثم فرض الحصار البحري، ثم لاحقاً الجوي على نظام الجمهورية الإسلامية، وإجبار طهران على الاستسلام من دون قيد أو شرط مشيراً إلى أن الهدف المبدئي، هو تعطيل القدرات الصاروخية لإيران ووقف تدخلات الحرس الثوري في المنطقة (لبنان، سوريا، العراق واليمن). فهذه هي استراتيجية ما بعد الخروج من الاتفاق النووي، ثم تأتي المرحلة الثانية وهي نزع السلاح الإيراني. ويتطرق أمير أحمدي للبّ الكلام ويكتب: في نهاية الأمر فإن بولتون برفقة بمبيو وزير الخارجية يسعيان لتدمير الجمهورية الإسلامية. ومن أجل هذا الهدف سيلجآن لكل الفرص المتاحة من بينها الدعم المالي والعسكري للمعارضة في الخارج، بالأخص منظمة مجاهدي خلق المقربة جدا من بولتون. والجدير بالذكر كما يقول أن الدعم المالي والعسكري الذي نتحدث عنه سيأتي بالطبع من الدول العربية التي ستسعى أيضا لتزويد المعارضة بالداخل بالدعم الممكن وهذا ما يفصح عنه معارضون أن تغيير النظام سيكون من الداخل.
ويضيف: إن فريق تيلرسون وماك ماستر كان أكثر عقلانية. ولم يبق من فريق العقلاء سوى وزير الدفاع الجنرال ماتيس الذي سيكون في خانة الأقلية. ومن المحتمل أن يعزله ترامب من منصبه في وقت قريب، أو قد يتم دفعه لاتخاذ مواقف أكثر عدائية ضد طهران. في كل الأحوال فتلك ليست بالأخبار الجيدة للجمهورية الإسلامية.
وكما يبدو أن على طهران أن تضع في حسبانها أسوأ السيناريوهات المحتملة (كإثارة الاضطرابات الداخلية) أو أن عليها أن تشهد تغييرا فكريا في أيديولوجية السلطة الحاكمة. ويبرر أمير أحمدي أن إيران لن تقوى على مجابهة السياسات الأمريكية الساعية لإسقاط النظام الحاكم في إيران. ويرى أن حكومة روحاني أضعف من أن تدخل في مواجهة جدية ويضيف: منذ التوقيع على الاتفاق النووي وصل الأمريكيون لقناعة بأنه لا حل لمشكلتهم مع إيران سوى باللجوء للقوة، والسبب أن الحكومة في إيران لا تتراجع عن مواقفها إلا إذا تم اللجوء إلى القوة معها مثل ما استسلمت في الاتفاق النووي، ولهذا يقترح على طهران تشكيل حكومة يلعب فيها العسكريون دوراً كبيراً، وأن تختار المواجهة على تقديم تنازلات مع العلم إنه كان يدعو إلى عكس ذلك حين تقدم العام الماضي للترشيح للانتخابات الرئاسية الأخيرة قائلاً: «لـــو كنــت رئيــســاً لإيران، لكــنـــت توجهت إلى البيت الأبيض في أقل من مئة يوم، هكذا يجب التصرف».
في المقابل وجه إصلاحيون متحالفون مع الرئيس حسن روحاني رسالة واضحة عن موقفهم بالدعوة إلى أن تتحرك الحكومة «المعتدلة» على المعتدلين في الولايات المتحدة، وإيجاد اتصالات مباشرة مع «الحمائم» في الكونغرس وحتى في الإدارة الأمريكية لتكوين رأي عام أمريكي يعزز من فكرة الحوار المباشر لحل الملفات العالقة وأهمها موضوع الصواريخ البالستية ودور إيران في المنطقة.
ومثّل هؤلاء الإصلاحيين مصطفى تاج زادة الذي سجن سبع سنوات بسبب الاحتجاج على الانتخابات الرئاسية عام 2009، محذراً مع قطاع عريض من الإيرانيين من استمرار الانخراط في أزمات المنطقة وقضاياها دون الحوار مع الولايات المتحدة لأن اتساع الفجوة بين طبقات المجتمع الإيراني اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، قد أفقد الكثير من تلك القضايا أهميتها سواء بين الأوساط السياسية أو داخل المجتمع الإيراني، وفي ظل ظروف كهذه، مشيرين إلى الاحتجاجات الأخيرة في إيران ويقولون إنه لم يتوقع أحد بأنها ستنتشر بهذه السرعة وفي وقت قصير للغاية.
ويربط دعاة استمرار الحوار مع واشنطن بين هذه الأزمات وتقرير حكومي يتحدث بصراحة أن الأوضاع الاقتصادية المتردية كانت من أبرز أسباب خروج المحتجين للشارع، لنسبة البطالة العالية في أغلب المناطق التي اندلعت فيها الاحتجاجات.
وفِي ضوء خطاب سابق للمرشد علي خامنئي نصح بترجيح التعاون مع دول الشرق على الغرب، اعتبر فريق ثالث أن دول الاتحاد الأوروبي غير جديرة بالاعتماد عليها في خضم المواجهة الإيرانية مع أمريكا حول الاتفاق النووي.
وفِي هذا السياق أشار رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، علاء الدين بروجردي، إلى أن طهران يجب أن تعزز علاقاتها مع روسيا والصين أكثر من أي وقت مضى لمواجهة السياسة الأمريكية بعد تعيين بولتون. وقال بروجردي في ضوء حديث عن احتمال فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات جديدة على إيران لاقناع ترامب بعدم الانسحاب من الاتفاق النووي: «يصر الأمريكان على تشديد سياستهم تجاه جمهورية إيران، ويجب علينا أن نوجه أنظارنا إلى الشرق، وخاصة إلى الصين وروسيا».
فهل ينفع ذلك في تخفيف الضغوط الخارجية أم أن استمرار الأزمات الداخلية دون حلول جدية هو الذي سيعصف بإيران ويهددها أكثر من شن حملة عسكرية؟!

إيران: حصوننا مهددة من الداخل!

نجاح محمد علي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية