قصيدة النثر العراقية: تحولات في التجربة الشعرية العربية

حجم الخط
0

إضاءة عامة: لا غرو أن بلاد الرافدين كانت مهد الثقافة العربية، منذ العصر العباسي ـ على الأقل- الذي أصبحت فيه الثقافة الشعرية ذائعة الصيت، وحينها تم الاحتفاء بالذاكرة الشعرية العربية التي أسفرت عن ظهور شعراء من أمثال أبي الطيب المتنبي وأبي العلاء المعري وأبي نواس وغيرهم، ما جعل التجربة الشعرية العراقية عنصرا مهما في بناء الذاكرة الشعرية العربية. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل بعد عصر النهضة العربية في مصر، التي أسفرت عن تيار البعث والإحياء والتيار الرومانسي بمدارسه المتعددة، حاول الشعراء العرب، وفي مقدمتهم الشعراء العراقيون النهوض بالشعر العربي من خلال ما سمي بـ«الشعر الحر»، حيث لم يستقر مصطلح «القصيدة الحرة» إلا بعد ظهوره في العراق مع كل من نازك الملائكة في قصيدتها «الكوليرا»، والشاعر بدر شاكر السياب في قصيدته «هل كان حبا؟»، وقد تلاهم بعد ذلك، الشاعر عبد الوهاب البياتي في ديوانه «أباريق مهشمة».

1- نحو قصيدة النثر

لم يقف مسار التحول في التجربة الشعرية العربية عند هذا الحد، بل تجاوزتها نحو «قصيدة النثر». وإذا كان بعض الدارسين يسندون بواكيرها الأولى إلى الأربعينات من القرن الماضي في محاولات كل من حسن عفيفي وألبير أديب وجبران خليل جبران وأمين الريحاني، إلى أن جاء فؤاد سليمان الذي انطلق من النثر الجبراني ومهد الطريق «للقصيدة النثرية»، ثم جاءت مجلة «شعر» عام 1957 التي شجعت على كتابة «قصيدة النثر» بخلاف مجلة «الآداب» البيروتية التي كانت في الموقف المعارض بزعامة سهيل إدريس.
وإذا كانت «قصيدة النثر» قد برزت وتطورت في الغرب، في نهاية القرن العشرين، فإن جذورها مستمدة من الشرق، وهي أول ما ظهرت في ملحمة «كلكامش» المكتوبة من قبل السومريين في بلاد ما بين النهرين، وإذا أمعنا النظر أكثر فهي موجودة في كتاب العهد القديم (التوراة)، كما في «نشيد الإنشاد» ومزامير داوود وسفري الجامعة والأمثال وغيرها. فضلا عن كتابات الصوفية النثرية، ثم أصحاب مجلة «شعر» ومجلة «أبولو» ومجلة «الكلمة» العراقية ويأتي في مقدمتهم الكاتب حميد المطبعي. فقصيدة النثر أصولها مشرقية، بل إن بعض الشعراء في الغرب تأثروا بما مضى ذكره، ومنهم ت. س. إليوت في «الأرض اليباب» الذي يستمد فكرة قصائده من الكتب المقدسة التي ظهرت في المشرق. ومن هنا، فقصيدة النثر العراقية كانت حاضرة ضمن هذا التطور الشعري العربي الذي أسهمت فيه منذ القصيدة التقليدية مرورا بالقصيدة الحرة.

2- قصيدة النثر العراقية

يظهر أن قصيدة النثر في العراق، وإن بدأت منذ الستينيات، فإن جذورها تعود إلى سنة 1920 مع الأديب والصحافي روفائيل بطي الذي طبع مجموعته الشعرية الأولى عام 1925. والشاعر مراد ميخائيل الذي افتتن بقصائده النثرية معروف الرصافي في مجلة «الحرية»، وقد نشر أول قصيدة بعنوان «عبادة الحب» في مجلة «الصباح» سنة 1924. وتجدر الإشارة إلى أن الشاعر الزهاوي كان يفضل كتابة النثر الفني بدون أن يطلق عليه شعرا منثورا، وصولا إلى الشاعر حسين مردان الذي يعد من أهم شعراء قصيدة النثر، حيث لم يجرؤ على تسمية ما كان يكتبه من قصائد بقصيدة النثر، بل كان ينعتها بـ«النثر المركز».
أما في الستينيات، فقد ارتبطت بجماعة كركوك وتضم كلا من «صلاح فائق وسركون بولص وفاضل العزاوي وغيرهم. كما ارتبطت بمجلة «الكلمة» التي دعمت هذا النمط الشعري الجديد، وأعدت ملفات خاصة حولها، وإن كان لقصيدة «التفعيلة» هيمنة خاصة في الأربعينيات من القرن الماضي، فإن فاضل العزاوي (1940) خلال الستينيات، ومجايليه من الشعراء، فضلوا أن يتوجهوا إلى كتابة «قصيدة النثر» حيث «كتب قصيدته الشهيرة «المجوس في الصحراء» (1963) على ورق السجائر في معتقله هناك في كركوك، وبعدها أصدر «البيان الشعري» مارس/آذار 1969». هذا نموذج من شعره يقول فيه:
«يَنْصَهِرُ النِّظَامُ : بِالرَّغْمِ مِنَ التَّدَخُّلِ الإِضَافِيّ
قَدْ يَنْبَغِي أَنْ نُوهِمَ اللَّوْلَبَ
لِكُتلَةِ الكَثَافَةِ
ولِأَنَّ كَفِّي تَنْتَشِرُ
أَحْدِسُ أَنَّ البَحْرَ لِي
مَعا نُسَايِرُ اللَّيْلَة
إِلَى ثَكَنَاتِ الجَسَدِ المَادِّي
وفِي اللُّغَاتِ تَكْسِبُ المَعْرِفَةُ
كِيمْيَاءَ الهُمُومِ».
إن إيمان فاضل العزاوي بـ«قصيدة النثر» لم يرتبط بالشكل أسلوبا وإيقاعا، بل بالحداثة على اختلاف أوجهها المتعددة، وبذلك، فكتابته في هذا النمط الشعري الحداثي، هو انخراط واع في عصر أدبي حداثي مختلف بكل مستوياته وتجلياته، وهذا ما يشير إليه، على حد تعبيره، فهي تشير إلى «المرحلة الطويلة التي سوف تؤدي في النهاية إلى انهدام الحدود الفاصلة بين الشعر والنثر، وربما أيضا بين الأنواع الفنية، من خلال النظر إلى الشعرية كقيمة جمالية في العملية الإبداعية الشاملة».
وفي هذا السياق، يعد صلاح فائق، صاحب ديوان «رهائن» عن اتحاد كتاب العرب، من أهم شعراء «قصيدة النثر» العراقية، حيث تميز أسلوبه الشعري بالرسم التعبيري الذي متح من الانطباعية، إلى درجة غموضه الطافح في الوضوح المفرط في إنسانيته، إنه شاعر تتساوى لديه الأشياء والكائنات والوقائع المتخيلة، وهذا هو سر إنسانيته التي تعد من وظائف أشعاره النثرية. وهذا نموذج من شعره يقول في قصيدة «عازف بيانو تحت حافر حصان»:
«فِي وقْتٍ متأَخّرٍ
اقْتَحَمَ أبِي مكْتَبَتِي
وَنهَبَ ما فِي «ألفَ ليلةٍ وَ لَيْلة»
منْ مَلاعقَ فِضّيةٍ وأقْداح منْ ذَهَب»
أما الشاعر سركون بولص، فقد شق طريقا متميزا لحداثة القصيدة العراقي،ة سواء في تصوراتها أو مكوناتها الفنية والجمالية، ويرجع سبب تفرده في هذا المسار في الخلق التصويري الذي لا يجاريه فيه أحد، حيث كشفت قصائده عن موهبة فذة، جعلته ذائع الصيت ليس في البلدان العربية فحسب، بل في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية التي استقر بها بعد هجرته إلى بيروت عام 1966. هذا ما جعل ناظم عودة ينعته بـ«نسّاج الصورة»، حيث تحولت القصيدة بين يديه من «قصيدة استعارية بامتياز. قصيدة تتقصى طرائق تخييل الموجودات عن طريق الاستعارة إلى شعرية أخرى تؤسس إيقاعها في النثر، وتخلق شكلها في هيئة لا تشغَل البلاغةُ كل ملامحها، وإنما تؤسس قصيدة الصورة، المتفردة، الحسية غالبا، المفتوحة على خيال أبعد من البلاغة وأبعد من الذات». وهذا نموذج من شعره يقول في قصيدة «لن أنتظر أكثر»:
«لنْ أنْتَظِرَ أكْثر وإلاّ انْقرضتُ بإشْراقَتِهَا الواحدة.
أوْ على الأَقلّ ضاعَتْ منِّي. ضَاعَتْ منِّي كالقِطَار الذي كَان
سَيَحْمِلُنِي إلى قَرْيَةٍ، ولاَ أرَى منْهُ إلاّ ريشَة منْ بُخَارٍ تَحُومُ حولَ
ذِرَاعِي، ومنْها، حقِيبة تتدَلَّى بِثِقْلِ أحلامِي؛ الصّمْتُ الطوِيل
أقْنَعَنِي
إنّني شجَرَةٌ
تبْزُغُ في أغْصانِهَا أقمارُ الصّبْر»

تنوير خاص: تحولات الشعرية العربية

لقد أحدثت قصيدة النثر العراقية من خلال النماذج المشار إليها، تحولا نوعيا على مستوى الذاكرة الشعرية العربية، بفعل تأثير شعرائها على قصيدة النثر في العالم العربي، على الرغم من السمات التي يمكن أن توحدها. وأهم سمة عمد إليها هذا النمط الشعري الحداثي؛ «التجريب» الذي جعل الشكل يتخلق في المضمون والمضمون يتخلق في الشكل بلا مسافة فاصلة بينهما مثلما يكون الكائن الحي؛ سواء على مستوى اللغة أو البناء أو الدلالة.

٭ كاتب من المغرب

قصيدة النثر العراقية: تحولات في التجربة الشعرية العربية

رشيد طلبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية