المترجمُ كاتبُ ظله.. وأسلوبية الترجمة

رشيد طلبي
حجم الخط
0

المغرب: لا يفْتأُ، الكاتب والمترجم محمد آيت لعميم، يضخُّ بمؤلّفِهِ الجديد دماءً جديدةً فِي مشهد الترجمة العربية. وقدْ جاءَ هذَا المُؤلَّفُ نتيجة خِبْرة واعيّة بالترجمة والبحْثِ في خبايا النُّصوص التي تحتفي عادة بجدلية اللغة والكتابة، حيْثُ تَرْجمَ العديدَ منَ الأعْمَال منها «القراءة» لفانسون جون مع نصر الدين شكير (2013). و«بورخيس صانع المتاهات» (2016). و«قصيدة النثر في مديح اللَّبْس» (2017). وبخصوص المقالات، فقد ترجم لكبار المفكرين والنّقّاد أمثال؛ بول ريكور وأمبرتو إيكو وبيير بيّار وجوليا كريستيفا وغيرهم.

لقَدْ قاده هذا الوعي إلى تَرْجمَة مؤلف «المترجم كاتب الظل» لكارلوس باتيستا، الفرنسي المولد (1968) والبرتغالي الأصل، الذي وجهته ثقافته ولغته المزدوجتان صوب بناء مساره في أعمال الترجمة، حيث نال شهادة المتريز في بحث حول أسئلة الترجمة بين اللغة الفرنسية واللغة البرتغالية. وعمل مترجما لدار نشر «كريستيان بورجوا»، إذ ترجم العديد من الأعمال الشّعْرية والروائيّة للروائي أنطونيو لوبو آنطيس.
لذلك، جاء هذا المتن، في طبيعة مختلفَة، يتأرجح بين الكتابة الإنتاجية حيناً، والكتابة الإبداعية أحياناً أُخرَى؛ التي تتميزُ بالمجاز والرمز والاستعارة، بغية الإمساك بخصوصية فعل الترجمة، بعيداً عن التنظير المحبط، قريباً من الممارسة في شكل نوع من التصادي. وَفْقَ هذا السيّاق التأملي في فعل الترجمة، والخوض في مضمّناتها والترنُّح بين ملذاتها وعذاباتها.
جاء مؤلف «المترجم كاتب الظل» عبارة عن شذرات ونوادرَ وتذكُّراتٍ ومُختصرات وإضاءاتٍ. وقد علّق عليها المترجم في مقدمة هذا الكتاب محمد آيت لعميم بقوله: «تُذَكِّرُنا بكُتُبِ الحِكَمِ، ونوادرَ لا تعِدمُ حِسَّ الدّعابة، حيثُ أعطيت الكلمة للجميع كيْ يتحدّثُوا عن الترجمة، وفكِّ ألغازِهَا وأسْرارِها، والاستمتاع بلذائذها المشُوبة بنوعٍ مِنَ الألَم الدّفِين، فالترجمة كما أبرزها هذا الكِتاب هَمٌّ مُشْترَكٌ لكل فئات المُجْتَمَع، وليْست حِكْراً على المنظّرين، بلْ هي شأنٌ إنساني، الكُلُّ مدعُوٌ لإعطاء تصوّرِه حوْلَهَا».
تبعا لهذا، يطْرَحُ هذا المؤّلَّفُ ضرورة الترجمة في الثقافة الإنسانية. انطلاقا من موقف أنثروبولوجي للغة وعملية التواصل بين الشّعُوب. فإذا كانت اللّغة تُلبِّي حاجة كُلِّ شعب في التّعْبِير عن أغراضه، فإنّها لا تكفي، ولن تَظَلَّ على نبض تَجدُّدِهَا المُسْتمر إلاَّ بتلاقحها مَعَ لُغاتٍ أُخْرَى، وَفْقَ أنساق لغوية مُتعدّدة ومتنوعّة، تعدُّ التّرجمةُ وإعادة الترجمة أحَدُ أنساقها المهمة في هذا المقام.
وبالوقوف عند السياق التاريخي فالترجمة في الثقافة الغربية ضرورة انبثقت عن المشهد العقابي، في أُفُق تجاوز الجرح البابلي كما ورد في القصة التوراتيّة، و«في هذه الصيغة يصيرُ التعدُّدُ عقاباً والترجمةُ ترافعاً لتخفيف العقوبة». أمَّا في الثقافة الإسلامية، فالتعدُّد هو الأصل، وتأتي الترجمة لضيافة الآخر وفسح مجال التعرُّف عليه. لذا، فهي بمثابة «حبل النجاة للإخوة الذين تشعبت بِهم السُّبُل وتاهُوا في غابة القول».

يأتي التفكير في فعل الترجمة، باعتباره حاجة ملحة للتواصل والتبادل، من خلال عملية التأمُّل الذي تنبثق عنه نظريات عديدة ذات البعد المعرفي والعلمي والجمالي والفكري والفلسفي.

هنا، تُصبحُ الترجمة ضرورة إنسانية مُلحّة فِي أُفق تحقيق التواصل الإنساني بين الشعُوب والتّلاقُح الثقافي بين الحضارات، مادامت «اللُّغات تتجاذبُ في ما بينها، وتتوق إلى الانصهار في بعضها بعضا بطريقة لا تُقاوم»، وحيث إنَّ اللغة وحدها قاصرة على إضاءة «كل ما ليس كاملا حقيقة في اللغة، تكشفُ الترجمة كل ما يظل سديمياً في الطبيعة البشرية». لهذا، فهي لقاءٌ تواصليٌ إنسانيٌ، وسفر نحو مجهول معلوم. وقد عبّرَ عن هذا باتيستا بقوله: «الترجمة لقاء: يأتي الأصل لزيارة قارئ من بلد آخر، وهنا، إمّا أن يُحدّثه كما لو كان جاره الجنب، أو كما لو أنه صديق بعيد، يتحدّثُ لغة القارئ بطريقة جيدة جدّاً، لكن بسحر نبرته الخفيفة».
لذا، يأتي التفكير في فعل الترجمة، باعتباره حاجة ملحة للتواصل والتبادل، من خلال عملية التأمُّل الذي تنبثق عنه نظريات عديدة ذات البعد المعرفي والعلمي والجمالي والفكري والفلسفي. هُنا، تحضرُ هذه الترجمة التي ترومُ التأمُّل في فعل الترجمة التأويلية للنص الأدبي، باعتباره نصا مختلفا ومستعصيّاً، تبعاً لطبيعته التخييلية والإبداعية، لذلك، لم يجد الكاتب بدّاً من استعمال لغة ترقى في مجملها إلى مستوى النص الإبداعي، من خلال النوادر والمختصرات والشذرات، مستعملاً الخيال والرمز والاستعارة، مادام هو الخبيرُ بترجمة الشعر والرواية.
بعد مُقدمتي هذا المؤلف، تم التطرق إلى فعل الترجمة من خلال ما يأتي: (فن الحب – فن الحياة – فن الإغواء- فن الفرار- تذييل). وبالتمعن في طبيعة هذه الفصول، نجد أن كارلوس باتيستا يحاول أن يلامس مقومات الترجمة التأويلية، معتمداً لغة التقابل والتصادي، حيث يعرِّفُها في مقابل الترجمة الحرفية بقوله: «أما الترجمة التأويلية فهي تُطَابِقُ مرحلةَ التَّخمير. يمكنها أن تعطينا خمراً أو خلاًّ. هنا تتدخّلُ موهبة لا يمكنُ لأي آلة أن تقوم بذلك، إنّها فطانة القطّارة».
من هنا، نجدها تنبني على مقومين أساسيين؛ «في جزء منها عقلانية (تستدعي المعرفة)، وفي جزء عاطفية – تُسْتَمَدُّ من الحبّ والخوف. يتوجه حبُّ المترجم إلى ما هو مخفي في الأصل. تدفعه غريزته السرّية أن يكتشف فيه المزيد من الجمال الممكن أو أن يدركه بطريقة جميلة ممكنة أكثر. خوفُهُ، على العكس من ذلك، يودُّ أن يُخمّنَ ما الأصلي حقيقة؛ ما يسْكُتُ عنه وما يهدف إليه، كي لا يخونه. إذا كان الحبّ أعمى بالمطلق فإنّ الخوف نقديّ بشكل مفرط»، ويؤكد هذا في موضع آخر بقوله: «ينبغي للترجمة أن تكون مخلصة جدّاً كي تنعش القلب، وخائنة جدّاً لتغري العقل».
ومِلاكُ القَوْل، هو أنّ طَرْحَ هذا المؤَلَّف للمُترجم محمد آيت لعميم في المشهد الثقافي العربي، لم يكن طرحا مجانيا أو عبثيّاً، بل مبنيّاً على اختيارٍ ألمعِيٍّ لمثل هذه النصوص المُتحلْحِلَة بين التخييل والتنظير، وفهم اللُّوذعيّ للُعبة التّرجمة وحِكْمَتها. وهو بذلك، قدم عملاً مزدوجا في حقيقته، حيث قدّم لنا، أوّلاً، ترجمة تأويلية بأسلوبه الخاص، معتمدا على لغة عربية فصيحة لا عيَّ فيها ولا أمْتَا. وثانياً، عبّرَ من خلالها عن أفكاره الخاصّة المتعلّقة بترجمة الأدب، عبْر ثقافتين مختلفتين؛ ثقافة برتغالية متشربة بالحضارة العربية الأندلسية، وثقافة فرنسية أوروبية، مادام قد ترجم لكارلوس باتيستا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية