يشهد أدبنا العربي منذ ثلاثة عقود أو أكثر بقليل، تحولا كميا في الشعر والرواية لا ينكر. على أن اللافت في أكثره، أن التحول النوعي يكاد لا يتعدى ظاهرة الخطاب الواصف، وقد بدأ يتحول إلى ما يسمى «الأدب الموضة» أو «الأدب الفرقعة». وبسبب من ذلك كله ظلت أكثر النصوص تراوح في حركة دائرية تنتهي في الأعم الأغلب إلى حيث ابتدأت؛ وقلما وقفنا فيها على حركة لولبية لا تكاد تتناهى دورة فيها، حتى تصعد درجة أعلى وتنهض بدورة أخرى.
صحيح أن الخطاب الأدبي يجري «لغة واصفة» تشير إلى تفكير الذات المتكلمة في خطابها ورؤيتها له وطريقتها في أدائه. وهذه الظاهرة التي نسميها «الشعر على الشعر» أو «الخطاب على الخطاب» حيث لا موضوع للشعر سوى الشعر نفسه، أو للرواية سوى الرواية نفسها؛ قديمة جدا في تاريخ الآداب كلها. والإشارات إليها في شعر العرب من القدماء والمعاصرين، أكثر من أن نحصيها في حيز كهذا، وإنما حسبنا هنا الإشارة إلى قليل منها. وقد ذكر ابن رشيق في العمدة في «باب في أدب الشاعر»، أنه لا يجوز للشاعر أن يثني على شعره، وإن كان جيدا في ذاته، فكيف إذا كان دون ما ظن. على أنه يستدرك، ويجوز ذلك إذا كان القصد ترغيب الممدوح أو ترهيبه. وقد استشهد في هذا السياق، بقول أبي تمام: ويسىء بالإحسان ظنا لا كمن / هو بابنه وبشعره مفتون
وعقد الآمدي في موازنته فصلا ذكر فيه ما وصف به الشاميان أبو تمام والبحتري قصائدهما، واختتمه بأبيات لبعض القدامى من الذين مدحوا أشعارهم ووصفوها، بعبارته؛ مثل كعب بن زهير وتميم بن مقبل وسويد بن كراع والمسيب بن علس.
ومثال هذا الخطاب الواصف حيث موضوع القصيدة هو القصيدة، قول امرئ القيس المعروف بالذائد (وهو غير امرئ القيس صاحب قفا نبك):
أذود القوافي عني ذيادا / ذياد غلام جريء جـرادا
فلمــا كثرن وعنينـــه / تخير منهن شتى جـيـادا
فأعزل مرجانها جانبـــا / وآخذ من درها المستجادا
وهي أبيات من الشعر الذي عالجه القدامى في كلامهم على الصنعة الشعرية، وما سموه بـ«تنقيح» الشعر و«تثقيفه» و«تحكيكه» و«تجويده». وقد ذكروا غير واحد من هؤلاء الشعراء «عبيد الشعر» الذين كانوا يثقفون شعرهم مثل زهير والنابغة والحطيئة وطفيل الغنوي الذي كان يسمى بـ«المحبر» والنمر بن تولب الذي سماه أبو عمرو بن العلاء بـ«الكيس» وسويد بن كراع. وأوردوا شواهد كثيرة قد تكون أمس بالكتابة التي تتملى ذاتها وتتدبـر لغتها وتكشف عن جوهرها في اللحظة ذاتها التي تتوارى فيه خلف ما تكشفه وتصرح به أو تومئ إليه. ولعل مصطلح «الصنعة» التي وسم بها هذا الشعر المنقح، وهي ليست صنعة المحدثين؛ أن تثبت نسبه إلى الكتابة التي لا تعني الخط ضرورة، وإنما هي بنية تفكير. وكلما كانت مفاضلة بين الكلمات أو موازنة كانت كتابة، إذ يمكن أن تشطب الكلمة، ما أن تدون، وتطرح وتستبدل بأخرى. وهذا صنيع لا يتسنى إلا في الكتابة؛ وليس له مقابل في الأداء الشفهي إلا إذا دون.
إن كل كتابة صناعة، ولا يمكن لمن يكتب إلا أن يصنع ويصحح ويزيل الأسقاط، حتى لكأن وعي اللغة من وعي الكتابة؛ الأمر الذي يفسر هذه الظاهرة التي نحن بصددها أي وعي الشعر في الشعر أو الرواية في الرواية، حيث الكتابة أشبه بـ«اللعب» الذي يمتثل من تلقاء نفسه وبكامل حريته للقواعد التي يضعها وينص عليها في الآن ذاته. واللعب إنما يقتضي ملاعبة أو مشاركة، وليس المُلاعب، في هذه النصوص، إلا الذات المنشئة وقد وضعت نفسها في قلب هذا اللعب، وكأنها تنشد أن تحوز قواعد اللعبة، وتكتنه موضوعها وطرائق أدائها. على أن الحرية في هذا السياق ليست حرية مطلقة مبرأة من كل إكراه ومن كل نفعية إجرائية وشرط خارجي. ذلك أن الكتابة على قدر ما تَبِين عن كنهها تَبِين عن متطلباتها. ويظهر ذلك أول ما يظهر في المستوى المعجمي: فالمتكلم في أبيات امرئ القيس يتخير كلمات من بين كلمات كثر تتزاحم عليه، وتكلفه مشقة الاختيار ومكابدة اللغة. وقد لا يكون الاختيار أو الانتقاء سوى نبذ للممكنات، وكأن في كل كلمة متخيرة، كلمة معزولة منحاة تضطرب وتتقـلب. ولم تكن مصادفة لغوية أن سمى العرب الكلمة الجيدة « نقية» (جمع نقايا) وسموا «الرديء» وما ألقي من الشيء «نقاة»، وكأنهم استشعروا لمح الصلة بين هذه وتلك. وكانت جودة اللفظ ورداءته أو شرافته ووضاعته، حْذوين لغويين لا ثالث لهما يتحكمان في صناعة الشعر وفن تأتيه؛ وإليهما كان يحتكم متقبلوه بشتى أصنافهم وفئاتهم. على أن الجودة في ما تدل عليه هذه الأبيات وغيرها وهو كثير، مراتب؛ فالشاعر يطرح «الرديء» ويحتفظ بكلمات «جياد» مختلفة، ثم يعود إليها ويفاضل بينها. ويلحق النظير بنظيره ليرجح بعضها على بعض، وينتقي «المستجاد» منها. وهو بصنيعه هذا إنما يرد الكلمات إلى طبقات وأنواع، كما تدل على ذلك الأفعال المتعاقبة «تخير» و«أعزل» و«آخذ» فضلا عن حرف الجر «من» الذي يفيد في سياق البيتين الثاني والثالث معنى الفصل والتبعيض كليهما. ولعل هذا التمييز بين «الجيد» من الألفاظ أو ما سماه الشاعر»مرجان القوافي» أي صغار اللؤلؤ و«المستجاد» أو ما سماه «در القوافي» أي اللآلئ، أن يفسر في جانب منه ظاهرة التصحيف في أدبنا القديم أي تلك الراجعة إلى روايات كانت تعتبر متساوية في الصحة، ما لم تكن بها علة قادحة. ولكن ما يعنينا من هذا «الخطاب على الخطاب» أن الشاعر ليس مطلق الحرية في انتقاء الكلمات وتخيرها وتركيبها، كما يوهم بذلك إدلاله بقدرته وفرط تدلهه بنفسه؛ فهذا من مقتضيات الفخر ليس إلا. وهو الغرض الذي تنضوي إليه الأبيات التي أوردنا.
يصدر الشاعر في انتقائه الكلمات عن الثروة اللغوية التي يمتلكها ومخاطبه كلاهما. وهو من ثمة، ملزم أن يستعمل الدليل اللغوي المشترك. وقد يوهم الانتقاء من حيث هو استبدال كلمة بأخرى، بحرية ما، والحق أن الانتقاء والاستبدال وجهان لصورة واحدة. ذلك أن العلامة اللغوية تقتضي طريقتين في التنظيم هما: الموالفة والانتقاء. والأولى وهي «بالحضور» تنهض على لفظين أو أكثر ماثلين في سلسلة الكلام فعلا. وأما الثانية فتجمع ألفاظا «بالغياب» في سلسلة ذاكرية موجودة بالقوة.
وقد بين اللسانيون أن الانتقاء، وهو صورة من صور الاستبدال يتعلق بالتعيينات المجمعة في الدليل اللغوي، وليس بالرسالة المقدمة. على حين أن المواد مجمعة، موالفة، في الاثنين أو في الرسالة الفعلية وحسب، من حيث هي نظم لأجزاء (جمل وكلمات) منتقاة محكومة بسياق وبهيئة من هيئات التماس. أما العلامات المجمعة في قائمة الاستبدال فيرتبط بعضها ببعض بنسب من المماثلة، مختلفة، تترجح ما بين تكافؤ «المترادفات» ومحور المتضادات المشترك. ومن ثمة ينهض لتأويل العلامة مرجعان: مرجع الدليل ومرجع السياق سواء أكان «مقننا» أم حرا مرسلا. وفي الحالين كليهما، فإن العلامة تتعلق أبدا بمجموع آخر من العلامات، أي بصلة تناوب في حال الدليل أو بصلة تجاور في حال السياق. فإذا كان الشاعر في هذا «الخطاب على الخطاب» يستبدل علامة بأخرى، فإن أثر الأولى المنحاة لا ينقطع ولا يزول، بل إن معنى الثانية السياقي موسوم في جانب منه، بسمة الكلمة الغائبة أو بسلطة أخرى منظورة قد تكون سلطة المخاطب.
نعود في خاتمة هذا العنصر، لنذكر بما أثبتناه من أمر الحرية المتاحة للمتكلم أو للمنشئ وهو يثقف قصيدته وينقحها، ويصحح فيها ما يصحح، ويغير ما يغير، فهي حرية تتفاوت بتفاوت قواعد الموالفة أو»النظم» من حيث الصرامة.
صحيح أن الشعر نبت اللغة وثمرة الكتابة، وليس بالأمر الذي يستشف بنوع من الإلهام. ونذكر بأن أسطورة شياطين الشعر، شأنها شأن «ربة الفن» عند الإغريق، قد لا تعدو أكثر من محاولة لتفسير الظاهرة الشعرية العصية على العلم والمعرفة، والإقرار بامتناع الشعر عن الحد والتعريف. فحري بنا إذن متى رمنا استيعاب الطابع الاستثنائي في كتابة الشعر أو الرواية، أن نستوعب نظرة الشاعر أو الروائي إلى فنه، من خلال هذه اللغة «الاصطلاحية» التي يحفل بها نصه؛ لكن شريطة ألا يتحول النص كله إلى خطاب واصف أو خطاب في خطاب ورؤية أقرب ما تكون إلى الرؤية النقدية لا الأدبية. وقد يُستنتج من ذلك أن كتابنا لم يرزقوا حظا وافرا من الخـــــيال، أو أن تجاربهم الحياتية معدومة أو محدودة.
كاتب من تونس
منصف الوهايبي