الاستشهاديون: فوق الأرض وخلف أستار السماء

حاولت مراراً أن أتذكر لو أن انتحارياً تمكن من إحداث تغيير جوهري في مسار التاريخ. في أغلب الأحوال فإن الانتحاري أو الاستشهادي في المفهوم الديني- يمثل شرارة استفزاز، أو دفعة معنوية لصفوف الحلفاء، وصدمة مربكة للأعداء، كما يرمز إلى من يقدم حياته ثمناً لقيمة تمثل عنده شيئاً أكبر من الحياة بكثير.
قد يبدو من يرتمي في أحضان الموت من أجل قضية سامية، كمن يقرر الرمي بنفسه في وجه قطار مندفع مبتسماً، رغبة في إيقافه حتى لا يدهس في طريقه باص مدرسة عالقا على السكة. ويمثّل القطار المندفع الخطر على الدين أحياناً، أو اليأس من تغيير الواقع أحياناً أخرى.
حينما يكون الاستشهادي متديناً فإنه يرغب في ضمان مقعده في الجنة، ويدفعه الإيمان بأن قوة شديدة العظمة يمكنها أن تتجسد في هذا الارتطام غير العادل بالقطار، وتصنع الفرق الميتافيزيقي (ما فوق الطبيعي) فتتمكن من إيقافه. وقد كانت نماذج الاستشهاديين ماثلة في عدة عصور، وكانت المحفزات والذرائع متشابهة. لكن العمل الاستشهادي الذي يفترض أن يهدف إلى صنع أزمة مفاجئة تسهم في تغيير واقع أقرب للمستحيل، كان كذلك يُرى كتذكرة استثنائية تختصر الطريق إلى الجنة أو المجد الأبدي، وهو ما جعل البعض يعتقد أن الانتحار ‘الاستشهادي’ عمل مرتبط بالتطرف الديني فقط.
قد يقول قائل إن الفعل الانتحاري لا يعدو كونه الحصاة التي يقذف بها قائد السريّة باتجاه آخر ليصرف بها انتباه العدو ويفقده التركيز. الفرق في حالة ‘الاستشهادي’ أن الحصاة جسد يريد أن تُفرغ روحه فتصعد إلى السماء، أو جسد لن تكون له قيمة إلا لو رغب في الصعود باكراً. لكن هذا الأمر لا يعكس كل ما نشهده من تفجيرات انتحارية معاصرة، ففي كثير من الأحيان كان الاستشهاديون ممن لا يؤمنون بحياة بعد الموت، بل أنهم يكفرون بجنة الخلد، لكنهم ما انفكوا يسمّون فعلهم الانتحاري استشهاداً، ويحلمون بمجدٍ يخلدهم على الأرض. وكان الشيوعيون اليساريون في لبنان وسورية وأعضاء فتح ومنظمة التحرير، الفلسطينيون، ممن اشتهر بالعمليات الاستشهادية من العرب قبل الإسلاميين الجهاديين بعقود. لم يتحدث مجدي الصايغ ولا سناء محيدلي استشهاديان يساريان من جنوب لبنان – عن حلم الفردوس في رسائلهما الأخيرة، بل كانا يحلمان بجنة على الأرض ينعم بها القوم من بعدهما، ولم يبديا تطلعا صريحاً إلى وعود السماء. إنه الحلم عندما يواجه واقعاً، بدلاً من الواقع المستغيث بحلم كما هو عند ‘المجاهدين’.
بالعودة لأشهر أمثلة التاريخ، كان النزاريون الإسماعيليونالذين سماهم الرحالة الأوروبي ماركو بولو بالحشاشين – يرتمون للموت من خلال تنفيذ عمليات اغتيال يدركون أن معظمها لن ينتهي بعودتهم إلى موطنهم المعزول في قلعة الجبل. كل ما كان يفعله حسن الصبّاح ورشيد الدين سنان – شيخا الحشاشين في زمنين مختلفين- هو إرسال محارب يحمل خنجراً مسموماً، ليفتك بضحيته المختارة على رؤوس الأشهاد في مكان عام غالباً، فيكون عبرة لكل من تسوّل له نفسه أن يسير على نهج الضحية أو يوافق فكرها، كما حدث عندما قتل الحشاشون وزير الدولة السلجوقي نظام الملك، والخليفة العباسي المسترشد، وملك القدس الصليبي كونراد الأول.
لكن الحشاشين ‘النزاريين’ انقرضوا كجماعة سياسية، وانقرضت أهدافهم بعد عقود من صيت ‘الإرهاب’، وتبدد عنهم حلم الدولة وتشرذموا، بل ان التاريخ نادراً ما يذكر أنهم كانوا رواداً في العلوم والاختراعات. ثم جاء الرحالة الأوروبي ماركو بولو فأفسد كل ما تبقى لهم من هيبة، لما روى أن ‘شيخ الجبل’ كان يخدر انتحارييه ويعد لهم قبل يوم التنفيذ حفلاً ساهراً في حديقته الغناء تحييه الجواري العاريات وأقداح النبيذ وسلال الفاكهة، وهو أمر يذكّر بصيت حكاية ‘نكاح الجهاد’ في سورية الآن.
ومن المجحف أن اعتقد الغرب أن ‘الحور العين’ كنّ كل ما وراء الحشاشين من حافز، ثم اعتقد أن جهاديي ‘القاعدة’ هم النسخة المحدثة منهم. إن وعد الجنة لا يضمن أن تكون المقاصد من العمل الاستشهادي واحدة دوماً.
لا مانع من أن يجد أي من هؤلاء في وعد الجنة ملاذاً أكثر ملاءمة ليقينهم بإمكانية الخلاص من بؤس الواقع ـ المشحون بالفقر والجوع والكبت السياسي والاجتماعي- فيصبح هدف تغيير حياتهم بالتالي أمراً ثانوياً. من الممكن أن يغدو البؤس وقوداً لأملهم في تحول السواد إلى بياض بانتقالهم إلى مكان آخر، أو عالم آخر، في ظرف لحظة، أو ‘ ظرف قنبلة’ إن صح التعبير. لكن ذلك أيضاً لا يمنع من أن يكون الفعل الاستشهادي عند المتدين بادئاً برغبته في تغيير الواقع وتحقيق النصر، تماما كالاستشهادي اليساري ‘الأرضي’، فيظهر في الاستشهاديين مترفٌ كـ’ابن لادن’ بل يقودهم، ويتطلع معهم لأمجاد الأرض وأمجاد السماء في آن.
يجب استبعاد أن يكون هناك فهم واحد يفسر العمل الانتحاري أو الاستشهادي، لأنه سيجد لنفسه قوالب مختلفة جديدة دوماً. ليس بحاجة ملحة للدين ولا للحور العين من يريد أن يحمل قنبلة أو يدسها في جسده. الاستشهادي الانتحاري بحاجة لمجرد حلم، ولمن يقنعه بأن الموت طريق وحيد لتحقيقه، سواء كان حلمه فوق الأرض أو خلف أستار السماء.
*كاتب وإعلامي إماراتي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية