يستطيع أي لاعب في هذا الملعب الكوني الكبير أن يَخرج بطلا محمولا على الأكتاف، حين يحرز الأهداف، فهل هذا كاف لتحقيق نصر رياضي مبهر؟ بصراحة، لا! لأن تحقيق الهدف لم يعد وحده كفيلا بإرضاء الكاميرات، التي تلهث وراء معجزات، تفوق ذهول المشاهد و حماسته، فقنوات اليوتيوب التي تلتقط القدرات الخارقة لأعظم اللاعبين في العالم، تدهشك بالتأويلات الفلكية، والإحالات الدينية و المبررات الشرعية التي تنتج عنها، أو تؤدي إليها، وخذ على سبيل المثال اللاعب «الإسرائيلي»: ميسي، الذي يحظى بنصيب الأسد من هذه الفيديوهات، وهي تقتحم عالمه السري، الذي يحرسه الغموض، و ألغاز الغيب ، وقفازات الماسونيين وقبعات السحرة الماورائيين، لا يخلو الأمر طبعا من فذلكات وألاعيب الصورة، لتسهل مغنطة الوعي، واستدراج المولعين بحكايا أرض الظلام، وخفة الكاميرات في صناعة عروض وهمية، تلقى رواجا، لمن لم يعد الواقع غاويا عندهم بالقدر الذي يلبي به الوهم نهمهم، وهوسهم بالغيبيات ، فماذا عن محمد صلاح؟
رسائل رياضية من عالم الروح
يقول اللاعب السابق والإعلامي الشهير ديفيد آيك في إحدى حلقاته المصورة، أن الحقيقة ليست ما يجب أن نؤمن به أو نرفضه، إنما هي الواقع الذي نختلف أو نتفق معه، ويتوقف مدى فرضها أو تعميمها على مستوى المعلومات التي نقدمها لإثباتها، فامتلاك المعلومات يؤدي إلى السيطرة على الأذهان والأحاسيس، بما يبرهن غاندي: «الكذب لا يتحول إلى حقيقة حين يتم الترويج إليه، والحقيقة لا تفقد وجودها حين لا يتمكن الناس من رؤيتها»، ولذلك يصر في كتابه «السر الأعظم» على احتكار كائنات الظل للسلطة، الكائنات التي يُشَبّهُ هيئتها بالزواحف، أو المخلوقات الفضائية، وهي لم تزل تشرب من دم البشر لتظل محتفظة بأقنعتها التنكرية وهيئاتها الآدمية، مستغربا من أولئك الذين يقودون حملات لتشويه عقله، واتهامه بالجنون، متسائلا: إن كان كل هذا الجنون في العالم كافيا لأكون مجنونا، فإنني وبكل أسف مصاب بخيبة ظن»!
أثار آيك، انتقادات كثيرة حول نقدياته لعالم الكرة، ومكامن المؤامرة في هذا الملكوت الأخطر على وجه الكرة الأرضية، ليتماهى بتفسيراته مع نشطاء اليوتيوب، الذين يستعرضون تسديدات ميسي المدعومة بقوى شيطانية لا يراها المشاهد، توجهه عبر السحر الأسود، الذي تمارسه منظمات ينتمي إليها اللاعبون الأكثر شهرة وثراء في العالم، ولذلك لا يتردد آيك بالكشف عن رسائل من عالم الروح، يتلقاها المشاهير ومنهم أبطال الملاعب، لصناعة معجزات بركلات خارقة، تهز العالم، وتغزو الميديا ووسائل التواصل، فتلهي البشر وتشغلهم عما لا يجب أن يروه، لأنه ليس من اختصاصهم، طالما أنها قادرة على احتكار شاشاتهم، حين تخطف أعينهم منهم، قبل أن تصهر أذهانهم ومشاعرهم وصلواتهم؟!
المؤامرة بين الشغف والخوف!
من تابع مباراة ليفربول – مساء الثلاثاء- مع روما، تسحره إمارات الذعر والذهول والانهزام، على وجوه المنتخب الإيطالي وجماهيره، وهم يبحلقون في توالي الإبهارات الكروية التي يحققها محمد صلاح في الملعب وأمام الشباك، مرتلا في سره «إنا جعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا»، فما أن يتم الآية، حتى تكتمل الغشاوة التي تخترقها أهداف عربية القدمين، بمهارات مشفوعة بالصلوات، تثير الخشوع والرعب في عيون كاميرات لا تصدق ما تراه، حين يختل توازن الملعب بعد مغادرة صلاح، فأين يكمن الفرق إذن، بين لاعب مسلم يستعين بصلواته لتحقيق معجزاته، وبين اللاعبين الذين باعوا روحهم للوسيفر «حامل الشعلة»، ورفعوا شعاراته محققين ببركة لعناته إنجازات خيالية في عالم الكرة – كما يدعي نشطاء اليوتيوب؟
بدك الصراحة أو ابنة عمها أيها المشاهد؟ حسنا، تحيز لما لا تصدقه، لأنه الأولى بالتصديق، وسأثبت لك ذلك في معرض هذه الكتابة، بما أن عروبة محمد صلاح جاءت أولا، أما صلواته، فلمْ تُبَيّضْ صورة المسلمين في أوروبا، بقدر ما سوّدتْ وجه الشيطان، هذه هي الحكاية باختصار، ولمزيد من الفهم ، عد إلى حلقات ديفيد آيك ما غيره، وانظر كيف يهزأ ممن لا يصدقون نظرية المؤامرة التي ينفذها أتباع مملكة الظل، من المشاهير والرؤساء ولاعبي كرة القدم… ثم مستوى التعقيد في الأحداث السياسية أو الكروية العظمى، وفهمها، من خلال الربط بين النقاط المتباعدة، ساخرا ممن يحاولون الاختيار بين نظرية المؤامرة ونظرية الصدفة، فلا مجال للاختيار بين ما لا يحق للمشاهد فيه، لأن النظريتين أمر قائم بذاته، مع فارق بسيط وعظيم في آنٍ، أن المؤامرة تخص الأذكياء فقط، وأما الأغبياء والجبناء فلن يحتملوا قوتها ولن يجرؤوا على الاعتراف بسطوتها، وهم يفرون منها مختبئين وراء إنكارها، ومن تنقصه الشجاعة لا يمكن أن يجرؤ على خذلان النفاق! فهل بعد ذلك يصبح شغف المعرفة هوسا مرضيا، والخوف منها برهانا على صحة العقل ورجاحة الوعي، في إعلام مسلوب البصر والبصيرة، والإرادة والإحساس؟!
مزرعة أورويل الإعلامية
لعبة الكراسي الوحيدة التي تحير آيك هي تلك التي تنفذ فيها تذاكر المقاعد لحضور ندواته قبل ثلاثة أشهر من انعقادها، وهو ما يحدث في المباريات وبرامج جيري سبرينغ، وحفلات سوبر بول، التي تثير سخطا أخلاقيا عندما تظهر جانيت جاكسون صدرها بينما يخفي حكام الظل، الذين يحتلون قمة الهرم الأعظم، مشاهد لضحايا اليورانيوم من الأطفال المشوهين في العراق، ليتساءل آيك أين هي الأخلاق بالضبط؟ وما هو الأجدر بإثارة السخط الأخلاقي في هذا العالم الحر؟ لا غرابة إذن أن تكون أفظع الديكتاتوريات في العالم هي الديكتاتوريات الإعلامية، وأخواتها، التي يطلق عليها: مزرعة أورويل، أو الجمهورية الأورويلية، لأنها تسرقك من صدقك مع نفسك، لتخدعك بوعيك المسلوب، لا الممنوح إليك، فتصدق بها أنك تمارس الحرية بأبهى أشكالها، في ذات الوقت الذي تكون فيه خاضعا إليها، تماما، ومتحولا من عَبدٍ مُشاهد يرى ما يفي بحاجته، إلى «شـاهد عبـودي، ما شـفش حاجـة»!
في المحصلة، الجميع، مهما بلغت مناصبهم، هم موظفون داخل شبكة، تقتصر فيها حقوق المعرفة على فرق الأشباح التي لا يسمح لنا برؤيتها، وهي القلة القليلة التي تتحكم بمصير الخليقة برمتها، فهل ستلوم من يتهمون آيك بالجنون بعد استعراضه هذا؟
محمد صلاح، سيصبح دون أدنى شك، أسطورة في تاريخ ملاعب ( البلورة المستديرة)، بصلواته ومهاراته، معا، لأن أحدهما يكمل الآخر، ولا يكتمل بدونه، والتحدي الأكبر، لن يكون بين المهارات وحدها في ملكوت الرياضة، لأن من يدقق النظر، في رموز وشعارات مشاهير الكرة، ووشومهم وقلائدهم، و رموز صلواتهم، والأداء الاحتفالي ببطولات العالم الكروية، و ما يحمله من طقوس وإشارات بعينها، يعي تماما، أن اللعبة أكبر بكثير من ركلة قدم، وأن من يمول هذه الحفلات الجنونية التي تكتسح الكون، يقودك إلى الجد الأكبر لعائلة بوش، الذي تحدث عنه صاحبنا آيك، كاشفا أنه هو نفسه الذي مول هتلر والنازية ، في الوقت نفسه الذي غذى موارد الاتحاد السوفييتي وأمريكا والحرب على العراق، وفقاعة طالبان، وداعش، وبرشـلونة، وما خـفي أعـظم!
هنيئا إذن، لصلواتك يا محمد يا صلاح، وهنيئا لنا بسمائك التي تأخذها معك أينما حللت، هنيئا لسجودك الذي ترفع به رأس العروبة المتلولح فوق أعناق الطغاة، حين يطأطئ الغزاة هاماتهم لحذائك… ولن نسأل بعد هذا إن كانت فتوى تحريم كرة القدم قابلة فعلا للتطبيق، أم أن الاكتفاء بمحظوراتها كفيل بتشريعها، نص نص، أو هيك وهيك… وسلامتكم!
كاتبة فلسطينية تقيم في لندن
لينا أبو بكر