معادلة الحياة

حجم الخط
0

كثيراً ما تصادفنا حالات التغني بالغرب وحضارته، ولعن حضارتنا وما أورثتنا إيّاه بلادنا العربية من تخلّفٍ وجهلٍ وضعفٍ وتشرّدٍ؛ ولعلّ ما تشهده المنطقة حالياً من ثوراتٍ وانقلابات وتغييرات سياسية، تجعل الكثير من الشباب العربي، وقد أكون أحدهم، ييمم وجهه شطر القارة العجوز، أملاً بمستقبلٍ قد يكون أفضل من مستقبلهم في واقع بلدانهم الغائم، حتى لو كان هذا المستقبل مرهوناً بمسميات عدّة، أوّلها (لاجئ).
ولكن، في خضمّ هذه التحولات السياسية، وما سينجم عنها من تبدّلات اقتصادية وثقافية، وربما جغرافية أيضاً، لا بدّ أن تكون هناك حقائق جديدة يكتشفها الإنسان العربي، ويقف عليها بغية استنباط الأسباب التي أدّت بنا إلى مثل هذه الحال، وربما ستؤدي إلى ما هو أسوأ، ما لم يقف الإنسان العربي من جديد، مستعيناً بما يملكه من مخزون ثقافي، وإرث حضاري جعل حركة النزوح باتجاه الحضارة نحو الشرق في يوم من الأيام، قبل أن تتحول تلك الحركة نحو الغرب في العصور القليلة المنصرمة.
ولعلّ تلك النقاشات التي تدور بين الشباب العربي، سواء على أرض الواقع، أم على وسائل التواصل الاجتماعي، تعود بي إلى مدينتي الصغيرة ‘الرقة’، وأحلام السفر والاغتراب والرغبة في جني المال من دول الخليج أو أوروبا، وانطباعنا المغلوط عن طبيعة الحياة في الغربة، وتمحور هدف المواطن العربي البائس حول ‘المال’ وجمع الثروة، نتيجة ما يعانيه المجتمع العربي من فقر وقهر، حيث كان الفقير منّا يفاخر أقرانه بما يحصّله من شهاداتٍ علميةٍ، ومنزلة مرموقة، نادراً ما كانت تجلب له المال الوفير، أو تؤمن له حياة ميسورة، في حين يتنطع القسم الآخر ممن هجر حياة العلم، واتجه نحو جمع المال، مفاخراً بسيارته الحديثة أو منزله الفاخر وأناقته الفريدة، لتبقى السجالات مفتوحة بين أنصار العلم وأنصار المال.
أذكر حينها رواية والدي الراحل عن نقاشٍ عميقٍ دار في مضافة عائلتي في ‘ديوان آل العجيلي’ بين رجلين يُمثل كلٌّ منهما طرفي المجتمع المتناحرين، وعلى ما أذكر كان أحدهما الأستاذ عبد الفتاح الصطاف مدير أوّل مدرسة في الرقة، والمعلم الأكبر لمعظم مثقفي الرقة وطلابها، في حين كان الرجل الآخر هو علي مظفر أحد أثرياء الرقة، ومن أكبر الإقطاعيين في بلدي، وبعد نقاش طويل، واصطفافاتٍ من قبل الحاضرين كلا مع طرف، لم يجد المتخاصمان حكماً يفصل بينهما، وقاضياً يقضي بصحة رؤية أحدهما على الآخر، إلى أن دخل المضافة الراحل الأديب د. عبد السلام العجيلي، حيث جلس كعادته في مكانه داخل المضافة، وبعد التحية والسلام عليه من الحاضرين، انبرى أحد الموجودين ليروي للعجيلي فحوى النقاش، وأنّ الحديث لم يخرج بنتيجة ترضي الجميع، فالمعلم والمربي يرى أن قيمة الإنسان في العلم وما يكتسبه من خبراتٍ علمية، في حين يرى المزارع والإقطاعي الثري أن العلم لا ينفع بقدر نفع المال، وأن قيمة الإنسان ترتكز على ما يجنيه من مالٍ وثروة في حياته.
هنا أطرق العجيلي قليلاً، والجميع ينتظر رأيه في هذا الحديث، ثمّ رفع رأسه مبتسماً وقال: كلاهما على حق.
ولكن، سنضع ترتيباً تبعاً لأولوية كلٍّ منهما، ففي المرتبة الأولى تكمن قيمة الإنسان في ما يمتلكه من أخلاق، وهذه نضع عندها رقم واحد (1). ومن ثمّ يأتي دور العلم إلى جانب الأخلاق لنضع رقم صفر إلى جانب الرقم السابق ليصبح (10) من (10)، ومن ثمّ يأتي دور المال لنضع رقم صفر آخر إلى جانب الرقم السابق ليصبح الرقم (100) من (100).
فلو اجتمعت هذه الأمور في الإنسان يكون قد أتمّ صفات النجاح على أكمل وجه، ويكون قد بلغ العلا وحاز قصب السبق في المجتمع.
ليغدو الترتيب على النحو الآتي: الأخلاق + العلم + المال = إنسانا ناجحا . ولكن، لو قمنا بإزالة الرقم واحد (1) من التركيب العددي السابق مع ما يرمز إليه، فماذا يبقى لدينا؟!
بعد ذلك تبسّم الحضور جميعهم، وأثنوا على حكمة العجيلي الذي أثنى بدوره على المعلم والإقطاعي، مؤكداً أنّ لكلٍّ منهما دوره وأهميته في المجتمع، وأنّ أحدهما يكمّل الآخر، وانتهى النقاش بسعادة الجميع ورضاهم.
من هنا نرى أنّ ما نحتاجه في بناء مستقبلنا، وما يجب علينا غرسه في ناشئتنا هو القيم الحقيقية الأصيلة، التي تعبّر عن حضارتنا وأمجادنا والتي لخّصها النبي الكريم (ص) بقوله: ‘إنما بُعثت لأتمّم مكارم الأخلاق’.
*كاتب سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية