الانطباع الذي خرجت به حالما أنهيت قراءة «حين تركت ظلالي على الجدار» لخالد الكريشي (مركز الحضارة العربية في القاهرة 2018)، أنّ هذا النصّ السردي وقد وسمه الكاتب بـ«قصص قصيرة جدّا» ينضوي إلى نوع من الكتابة القصصيّة المكثّفة التي تكاد تلتبس بالشعر؛ وأعني مطلق الشعر، وليس القصيدة. ونعرف في تاريخ الآداب الأجنبيّة أنّ «قصيدة النثر» التي كتبها شارل بودلير كانت ذات منحى سردي؛ حتى أنّني، وكنت قد ترجمت بعضها لـ«القدس العربي»، وجدتها أشبه بـ«القصّة القصيرة جدّا».
بل نحن نقف في «ظلال الشبق» على نصوص يذكّر أكثرها، على تفاوتها طولا وقصرا، بفنّ «التوقيع» في الأدب العربي القديم. ومثالها «فزّاعة الطير» حيث يتحوّل المتكلّم نفسه إلى فزّاعة، أو «أنانيّة» أو «حوار الصمّ» أو «حديث هامشيّ» أو «لذّة» أو «اشتياق» أو «لعبة» أو «واجب التحفّظ» أو»إدمان» أو «حياة أزليّة» أو «الأبكم» أو «حلم عزازيل» أو «لعنة» أو «ضياع» أو «نسيان» أو «اعتراف» أو «فراق».
وكذا في ظلال الثورة، حيث تستوقفنا نصوص تنحو المنحى نفسه مثل «صمت» أو «طيبة» أو «برج عاجي» أو»احتجاج بحر» أو»ذاكرة الزهايمر» أو «ليل أبيض» أو «خطوط حمراء» أو «حفلة عزاء» أو «مرآة» أو «انسحاب» أو «خلايا نائمة» أو «لعبة1» أو «لعبة2» أو «القانون» أو «غيينيس» أو «دخان» أو «إقلاع» أو «حلم» أو «غيمة».
هناك إذن شكل جديد للسرد يعلن عن نفسه في هذا الكتاب المحكم لغة وبنية. غير أنّه بصرف النّظر عن هذا «التصنيف»، فإنّه قد لا يجوز التّغاضي عن قيمة هذه النصوص الجماليّة المرتبطة بشكلها الشّعريّ بالمعنى الواسع للكلمة ؛ وهذا الشّكل ليس شكليّا البتّة، فالقصّة ـ ولنحتفظ للكاتب بحقّه في تصنيف نصوصه ـ ليست مجرّد حكاية أو قصّة؛ وإنّما هي تحقّق خصوصيّتها بواسطة سحر الإيقاع وبواسطة الالتجاء إلى شكل مُطقَّس وشبه موسيقيّ حيث يتمّ تنزيل الكلمة منزلة أرقى من اللّغة العادية. وباختصار فإنّ القصّة في هذا الكتاب قصّة شعريّة على ذلك النحو الذي نجده عند المسعدي في «أيّام عمران». والكاتب نفسه يختتم كتابه بشعر لنزار قبّاني.
هو عمل محكيّ أو مسرود يثير المتقبّل بواسطة الألفاظ ولعبة المفارقة والسخرية. وهو يغطّي زمنيّة مطوّلة تبدأ بالطفولة مع «فزّاعة الطير» وتتدرّج بنا إلى المراهق أو اليافع فالطالب اللاعب على «أوتار القانون» فالثورة فعالم الفيسبوك، ويشتمل على شخصيّات عديدة، ولكنّ السارد يكتفي بوضع عدد محدود من الشّخصيّات في الصّدارة على أساس دورها الأساسيّ والمفصليّ في مجريات القصّة. وهو يحرص على إبراز فرديّة كلّ شخصيّة من هذه الشّخصيّات وتفرّدها إبرازا قويّا. ويتولّى توجيهها حسب علاقاتها بمجمل الشخصيّات؛ ولكن في حدود النصّ، وما يقتضيه من تعارضات أو تقابلات أي قوى متضادّة وليس إلى قوالب تشلّ الحركة. وهذا لا يعفي طبعا من تطارح كثير من الإشكالات مردّها إلى الجنس الأدبي الذي يمكن لقارئ غيري أن يَحار فيه، وقد يجده أشبه بـ«قصيدة النثر».
إنّه لمن السّائغ في الدّراسات الأدبيّة قديمها وحديثها، أن ينقّب القارئ عن خصائص الجنس الأدبي، من حيث هو نوع نظريّ، عسى أن يدنيه من خاصّة العمل المقروء، ويوقفه على مدى قربه من نصوص أخرى تنضوي إلى ذات الجنس أو بعده عنها. إنّما ينشأ الإشكال كلّما اتّخذ القارئ هذا النّوع نموذجا أو قاعدة ـ معيارا للحكم والتّمييز بين النّصوص، وأوجب على الكاتب أن يمتثلها. وفي هذا إجحاف بالنّصّ، لأنّ القارئ إنّما ينشد عادة من المقايسة، ميزة بعينها، وهو يطابق بين النّصّ والنّوع. وقلما عكس الأمر وبدأ بالنّصّ عسى أن يكتشف ميزته الخاصّة التي يمكن أن تختلف عن ميزة النّوع. على أنّ هذا الضّرب من المقايسة أو المطابقة كثيرا ما يصلح في إظهار الأنماط النّوعيّة وسماتها الخاصّة.
على أنّ الأنواع أو الأجناس إذا كانت ثابتة فان أشكالها متغيّرة لا شكّ. وطالما اعتبرنا أنّ مدار الخطاب إنّما هو على ذات وعلى خبرتها باللغة وبالعالم، أمكن أن نتوقّع تبدّلات الشّكل والأسلوب وأن نتقبّل حتّى أكثرها غرابة ، بحيث نرى القيمة الجماليّة في المتغيّر من الأشكال، أكثر ممّا نراها في نموذج يُحتذى أو قاعدة- معيار يُمتثل بها. وهذا لا يعني أنّ القاعدة شأن نقديّ ليس إلاّ، أو أنّ النصّ طليق من أيّ قاعدة أو هو يسوح، حيث أراد وأينما شاء له سبيله المرسوم. وأقدّر أن خالد وقد صنّف نفسه في العنوان، يعي كتابته، ويعرف القاعدة التي يلتزمها أو يخرقها ويخالفها، ما دام النصّ محكوما بقصد أو منضويا إلى جنس بعينه.
أهمّ ما نخلص إليه من هذه الافتراضات أنّه من الصّعوبة بمكان أن نرى في معياريّة القاعدة أيّ شكل من أشكال «نقاء النوع» باعتباره نوعا نظريّا ثابتا ينبغي ألا يمتزج بغيره. والكاتب هنا سارد شاعر في الآن ذاته، والمبدع إنّما يسهم في التّقليد الأدبي بتحقيق الاحتمالات الكامنة فيه، أي تلك التي لم يدركها السابقون؛ كأنْ يعيد تجميع التّقاليد الأشدّ عراقة، ويفتتح فيها وبها سبيلا غير مطروقة، أو حتّى بالانقطاع عن التّقليد نفسه. ومن هذا المنطلق يمكن أن ننظر في ظلال خالد الكريشي، من حيث هي نوع سرديّ متحوّل له خصائصه، أساسه ضرب من اللعّب الجادّ بالكلمات، أو مغامرة الذّات اللغويّة.
وهذا لا يتسنى إلاّ بوصف الخطاب والانطلاق من النّصّ بحثا فيه عن الصّيغة التي تنتظم النوع أو الجنس، ووقوفا على القانون الذي يشتمله وعلى وجوه التحرّر منه. وأساس ذلك إنّما هو العنصر السّائد المتسلّط الذي يحكم بقية العناصر ويتصرّف فيها؛ ونعني به قانون المشابهة وقانون المجاورة. وعلى ضوئه يمكن أن نصنّف هذه النصوص إلى خطابين متلازمين استعاريّ وكنائيّ. والمسوّغ لذلك أنّ هذا العمل سرد شعريّ. وهو يتمثّل في النصوص كلّها صورة الكاتب أو المتكلّم المتماهي بخطابه. وهذا ما يجعله استعاريّا يلابس الشعر حيث الاستعارة «بنية تداخل بالمطابقة» تمّحي فيها الحدود والفواصل بين الأشياء والماهيات. أمّا ما يجعله كنائيّا أو رمزيّا، فهو تقديمه مساخر الممسوخين في عالم تونسيّ اضطربت قيمه ومثله. ولذلك نقف فيها على المضحك والغريب، وكل ما هو متنافر في تجسيد بعض الشخصيّات. وعليه فلا غرابة أن ينزع الخطاب فيها السخرية والطّرفة الشائعة. ولعلّه أجلى ما يكون في شخصيّة المتكلّم، كلّما عثر في ذاته على ما يسخر منه عند الآخرين؛ وهو الذي جعل من نفسه «فزّاعة طير» و«لاعبا على القانون» من حيث هو أصل ومقياس ونظام وتشريع، ومن حيث هو آلة من آلات الطرب ذات أوتار. فهي سخرية الذات من نفسها وهي تتملّى صورتها في مرآتها.
يستوقفنا صوت السارد في كلّ قصّة وهو يتحرّك في فضاء وزمان مخصوصيْن. ويؤدّي نصّه في ضوء الممكنات السرديّة وما يتعلّق منها بالتغييرات الزمنيّة وإدارة فن الدخول إلى العالم المحكيّ، سواء أقيّدته وجهة نظر داخليّة أم لم تقيّده. وهذا كاتب ومحامٍ وعضو في هيئة الحقيقة والكرامة. من هو المتكلّم في هذا النصّ؟ وكيف نميّز في سياق كهذا بين ذات متلفّظة وذات ملفوظة؟
وجوابنا وهو يحتاج إلى تفصيل وتدقيق ليس هذا موضعه، إنّ الشخصيّة ليست سوى مجموع كلمات أو هي براعة أدبيّة أو هي وسيط. ولكنّ لها من القوّة ما لا يخفى خاصّة عند الكتاب القديرين المتمكّنين من أدوات فنّهم مثل صديقنا خالد. ولعلّ هذا ما يجعلهم يبدون لنا وكأنّهم شخوص من لحم ودم. ومردّ ذلك ليس إلى أنّهم يمكن أن يشبهوا أيّا منّا وحسب، وإنّما لأنّهم مقنعون أيضا. إنّ الشخصيّات القصصيّة هي أبدا شخصيّات قصصيّة أو هي من ورق بعبارة رولان بارت، ولكنّها تحيل على شيء آخر، وتتيح لنا نحن القرّاء أن نتعرّف إلى أصناف من الناس الذين وُجدوا ويوجدون أو أن نفهمهم ونفهم سلوكهم ومشاعرهم وعاداتهم وما يتعلّق بملامحهم الجسديّة أو قدراتهم الإنسانيّة. وما يُحكى لنا أو يروى هو في أيّ رواية هو دائما عمل أحد ما يقصّ علينا ويخبرنا بقدر ما يخبر عن نفسه أو يحكيها.
والمسوّغ لذلك أنّ الخطاب يعقد علاقة مخصوصة بالذّات المنشئة، سواء من خلال اللّغة المشتركة، أو من خلال ما يسمّيه المعاصرون «مغامرة لغويّة» أو «مختبرا لغويّا» أو كتابة مغامرة، إذ يصعب دون ذلك، أن نفسّر كيف يكتسب النصّ تفرّده، ويبني نسقه الخاصّ. على أنّها في النصّ الذي نحن به، ظلال الشعر؛ ولا غرابة فالكاتب يجرّب الشعر أيضا. وأنّى له أن يتحرّر من سطوة الشعر؟
٭ كاتب تونسي
منصف الوهايبي