عِناد إدوارد سعيد

حجم الخط
2

لماذا عانَد؟ كان بإمكانه أن يساير حتى النهاية، فيبقى بروفيسوراً عريقاً يكتب باقتدار حول مسائل ‘مسالمة’ في الأدب الإنكليزي والمقارن وحول الموسيقى، حاملاً جنسية أمريكية تيسر له حياته، ويعيش حياة هادئة مع عائلته في نيويورك، وربما يتاح له وقت ليعزف البيانو بترَف جميل، من غير أن يتعب نفسه بقضايا فكرية وإنسانية دفعت لأن يحمل اسمَه معهدُ إدوارد سعيد الوطني للموسيقى في فلسطين، وكرسي في جامعة كولومبيا يتناوب عليه بعد وفاته أكاديميون آخرون، مسايرون أو معاندون. لكنه اختار المعاندة (أو لم يستطع سواها) إخلاصاً للحقيقة التي لم تنفصل في كل تاريخها الفلسفي عن أسئلة الأخلاق، ومنها سؤال العدالة. وهكذا عاند ما في كتابات المستشرقين من تزييف للحقيقة، تزييفاً يصل حد الاختراع، مبررين به مواقفهم وأفعال إمبراطورياتهم ‘غير العادلة’، كما عاند الموقف الأمريكي من قضية فلسطين بأن حاول أمام الرأي العام، كتابة ومقابلات ومحاضرات، فضح الزيف في الرواية الإسرائيلية التي بررت مواقف وأفعالاً ‘غير عادلة’ في حق الشعب الفلسطيني.
غالباً ما يكون الإحساس بالظلم هو مصدر المعاندة. والتفكير كما هو معروف يفاقم هذا الإحساس، وإن لم يكن المفكر واقعاً تحت رصاص أو قمع مادي مباشر. لم يعش إدوارد سعيد في مخيم أو في مكان في فلسطين يعرف القصف، ولم تكن أفكار المستشرقين وتبعاتها لتمنعه من الوصول إلى مناصب أكاديمية رفيعة. لكنه ببساطة أحس بظلم ربما تسلل إلى حياته الشخصية بصورة مباشرة في مراحل حياته الأولى، لكنه بعد ذلك أصبح ما لا يؤذيه بصورة مباشرة، لكنه جمعي موجود، يؤذيه كأنه كذلك. إن الإحساس بوجود خطأ ما في منطق العالم، إذا استفحل، وإذا أحس صاحبه بقدرة ما على التغيير ولو بفكرة مكتوبة، هو إحساس سيمنعه غالباً من ممارسة حياته بمنطق المسايرة والمشي قرب الحائط. قد لا يؤمن أبداً بقدرته على تغيير شيء، وقد يسمع كلاماً كثيراً حول استحالة التأثير، لكنه يصر على المحاولة، لا لشيء قدر أنه لن يتمكن من ممارسة حياة ‘طبيعية’ دونها، وإن بدت الغاية بعيدة مستحيلة.
حين كتب إدوارد سعيد ‘الاستشراق’، لم يكن يتوقع، إطلاقاً، ردة الفعل العارمة على أفكاره على مدى عقود. عشرات وربما مئات من المقالات والردود والكتب والترجمات. والأكثر من كل ذلك تأثيراً هو وصول المصطلح والفكرة إلى صلب الثقافات. بالنسبة لـ’شرقي’، فإن كتاب الاستشراق يفسر له تماماً لماذا قد يحس بالضيق كلما سُئل في سفره عن شيء محدد في ثقافته يختزلها إلى كل ما هو بعيد عن العقل والفلسفة، وتجعله واعياً إلى ثقافته نفسها حين تختزل نفسها كما أراد لها الأقوياء. كنتُ كغيري قبل السفر، أعرف الكتاب وأعتبره الكتاب المقدس للمسافر، وساعدني كثيراً على مستوى التعامل المباشر مع الآخرين، وهو من أجمل ما قد تصنعه الأفكار، أي التأثير في الحياة اليومية للبشر. لم أكن أعرف وقتها مدى تأثير سعيد، خارجي وخارج نطاق الأبحاث والندوات التي تتناول علاقة الثقافات والحضارات، ولم يكن موضوع كتابه جوهر ما كنت أبحث فيه، إلى أن جاء ذلك اليوم، قبل أكثر من ستة أعوام، وعرفت ما قد تصنعه فكرة أخلص لها صاحبها العنيد.
كنت في مساء ذلك اليوم الإنكليزي البارد في نقاش مع مشرفي في مرحلة الدكتوراه في جامعة كمبردج، عن أمور متعلقة بالشعر والتلقي والمعـــرفة، فبدأ بالحديث عن بحث له حول تلقي الموسيقى في العصور العربية الكلاسيكية، وعن مصطلحات كالطرب والتطريب، ثم تابع الحديث عن عرضه بحثَه في احد المؤتمرات، ذاكراً وقد بدا عليه الغضب – اسم أكاديمي آخر كان قد انتقد البحث. كان ‘استشراقه’ المزعوم هو محور الانتقاد، وقد عبر مشرفي عن ذلك هكذا: ‘لقد دعاني مستشرقاً’، وقد زاد غضبه وحنقه على هذا ‘الاتهام’.
لم أسمع ما قال بعد ذلك ولم أهتم، خرجت بشعور غامر غريب بما يشبه الانتصار، لا انتصار الشرق على الغرب، الثنائية التي شرح سعيد كيف خُلقَت، بل انتصار الفكرة. لقد غير إدوارد سعيد اللغة الإنكليزية! كنت أقول في نفسي وقد دفأتني الفكرة تماماً. كانت قبله ‘مستشرق’ و’دراسات شرقية’ بلا قيمة سلبية أبداً، محض أسماء للتخصصات لا يسأل أحد عن وظيفتها الخبيثة في العالم. وبعد كتابه، تغيرت الأشياء حد اللغات، ووصلت إلى الحواس: إلى دفء كبير وسط برد عنيد.
هو الدفء الذي يمنحه كل عنيد كتب باسم الضعفاء الذين لا يفهمون لمَ هم كذلك، باسم المقموعين اجتماعياً وسياسياً وفكرياً وجنسياً. ربما يعرف العنيد أنهم إن لم يفهموا فإنهم سيبقون أبداً ضعفاء، ويعرف تماماً علاقة الحقيقة بالعدالة، والمعرفة بالقوة.
سألني المشرف بعد ذلك إن كنت قد قرأت البحث، وقلت له إن غريمه على بعض حق في ما قال، إذ إن البحث مكتوب بنَفَس ‘من يقوم بتجربة على فئران’. تفهم ولم أضطر للدفاع أكثر، فإدوارد سعيد قد فعل كل شيء من أجلي وأجل غيري، وترك عالَماً كاملاً قوياً يتوجس إذا ما اختزل أو نمط أو غيب جزءاً من صورة الحقيقة لهدف سلطوي غارق في لاوعيٍ جمعي ثقافي نبه إليه سعيد. مرت أشهر بعد ذلك إلى أن قررت الكلية إجراء تغيير على اسمها، الذي كان لعقود ‘كلية الدراسات الشرقية’. قامت باستفتاء حول البدائل، ورغم أن الطلاب، لجهل بما يعنيه الاستشراق بعد سعيد، أرادوا إبقاءها كما كانت، إلا أن مجلس الكلية من الأساتذة قرر عدم الاستجابة، وتم فعلاً تغييرها إلى اسم قد لا يكون أقل سوءاً، لكنه، على الأقل، لا يحمل اسم ‘الشرق’ فيه. كنت أنا من آخر الحاصلين على درجة الدكتوراه في ‘الدراسات الشرقية’ من تلك الجامعة، ولم آبه كثيراً للاسم بقدر ما عنتني فكرةُ أن فكرةً في كتاب قد تغير الكثير من المفاهيم وقيمها واستخدامها في المؤسسات. والآن، كلما سمعت عبارة في مسلسل تشي بأن الأشياء قد تغيرت، أو كلما سمعت بمشروع من مثل الذي يقوم به قسم الفلسفة في كينغز كوليدج في جامعة لندن، مشروع ‘الفلسفة بلا فجوات’ الذي يحاول إعادة صياغة تاريخ الفلسفة، مع إعادة الاعتبار للفلسفة العربية الكلاسيكية، كلما حدث شيء من ذلك سألت عن قوة الفكرة، وقدرتها على الارتحال والتوطن والتغيير، وعن جمال كل ذلك.
قالها مرة درويش عن فلسطين: ‘ما أكبر الفكرة، ما أصغر الدولة’. ما يفعله الفلسطينيون والعرب منذ عقود، رغم كل الهزائم هو الإبقاء على فكرة، بمنتهى العناد لواقع العالم: فكرة أن عكا وحيفا ويافا والجليل والقدس كلها عربية، رغم أنف ملايين الخرائط التي يرسمها الأقوياء، ورغم واقع اللغات. هل تغير الأفكار العالم حقاً، هل هي فردية المنشأ، أم هي صدفة تفاعل بين ‘العالم والناقد والنص’ على حد تعبير سعيد؟ السؤال متشعب دوماً وله إجابات كثيرة الآن تأخذ بالاعتبار التطور الهائل في العلوم الاجتماعية. لكن تكفي للتأمل من أجل تبرير الأمل والعناد صياغته هكذا: كيف كان ليكون شكل العالم بلا أفلاطون والأنبياء وابن رشد وماركس وفرويد؟ لم تكن فكرة إدوارد سعيد، كما كل الأفكار، أصيلة تماماً، فقد تابع فوكو وغيره في نظرياتهم إلى حد كبير. كلهم، كما كلنا، مصنوع من طبيعية وتاريخ وتعليم وسلطة وثقافة لها الإسهام الأكبر في الأقدار، وتبقى مساحة قليلة لـ’الفرد’ في تغيير شيء منها وحيداً. له أن يتبع الضوضاء المألوفة ‘لا حياة لمن تنادي’، ‘ولكن أنت تنفخ في رماد’. وله أن يعاند خيبة الأمل الأكثر احتمالاً ويصر على المحاولة، معتقداً أن هذا فقط ما يستحق الحياة، لا المسايرة والسلام والأمان وكل العناصر التي تصنع حياة يصفها الأدباء بصفة mediocre وتصعب ترجمتها إلى غير ‘متوسطة’ أو ‘دون المتوسطة’ أو ‘عادية’. وربما لا مفر من العناد ورفض العادي المتاح، حين يستفحل إحساس بالظلم وإدراك للخطأ واعتقادٌ أن البحث في الحقيقة هو مدخل للتصحيح، مهما بدت الفكرة والكلمة ضعيفة جداً أمام عالم مخيف معقد كبير.
وهو تماماً ما فعله إدوارد سعيد، وقد ترجمه شعراً محمود درويش: ‘فاخترعْ أملاً للكلام، ابتكرْ جهةً أو سراباً يُطيل الرجاء’، والأهم، الذي يصيب تماماً روح العناد: ‘إذا مت قبلَكَ، أوصيك بالمستحيل’. المستحيل: أن تُنفخ فكرة فتشعل الرماد، وتعودَ حياةٌ لمن تنادي. كم تبدو الفكرة ولغتها رومانسية شابة، وربما لهذا تمثل، في وقت شاخ فيه الأمل، قمة العناد.

‘ كاتبة اردنية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية