أنا رضوان ابن موسو اللبنانيّ. أُعرَف بالممرّض رضوان، أو يُكتفى أحياناً، حين الإشارة إليّ، بالممرّض فقط. وهو لقب حصّلته بجهودي ومثابرتي على حدٍّ سواء. أتفرّد به في القرية التي كانت تُسمَّى قرية الأسرار، أو القرية المقدّسة، قبل أن تعرف بقرية الأشرار، كما باتت تشتهر الآن. أتعرّف إلى العالم عبر المؤخّرات، أحلّل نفسيّة كلّ امرئ من خلال مؤخّرته،’عندما أحقن الإبرَ، أستكشف النفسيّات وأستطلع الخبايا.. تخبرني تلك العوالم بما يعترك في نفوس أصحابها، تخلق عندي الولع الذي لا يُروَى إليها. أصادق من الناس مؤخّراتهم. اكتشفت نفسي في عالم المؤخّرات، الذي بات يختصر عالمي كلّه. أو هكذا خمّنت.. أستطيع القول إنّني تربّيت دون أبٍ. كنتُ الأب لأخي كاوا الذي يصغرني بسنة وثلاثة أشهر. نغدو ونروح معاً، كنّا في الصفّ نفسه، كان متفوّقاً في دراسته على عكسي تماماً، كنت أكره المدرسة منذ البداية، لم أستطع تحمّل ظلم المعلّم، ولا تحمّل عصاه الحارقة التي كان يسوط بها يدي كثيراً لإهمالي دروسي. على الرغم من إقراره بذكائي وسرعة بديهتي في تلقّف الدروس، لكنّه كان يغتاظ جدّاً لإهمالي. فقدت كاوا في الصفّ السادس. إذ كفّ عن القيام بدوره، عندما أقعدته الضربة التي تلقّاها في عرس ابن البردكيّ عن الاستمرار في دراسته. كعادته كان يلعب مع أترابه، يتنقّل معهم من زقاق إلى آخر، كان الأولاد يتراشقون بالحجارة، أصابت إحداها رأسه، شجّته، بقي مغمىً عليه أيّاماً، وعندما فاق تغيّرت حالته رأساً على عقب. بات يلازم البيت، يتكلّم قليلاً، يتعب إذا تحرّك، تجتاحه أحياناً نوبات غضب يكاد يقتل فيها نفسه. تجده في بعض اللحظات يتكلّم كلاماً واعياً جدّاً، ينمّ عن شخصيّة عبقريّة، لكنّه لا يلبث أن يعاود الرجوع إلى حالته التي استعصت على أمهر الأطبّاء والمشايخ. تنقّلت به أمّي وجدّتي من عيادة طبيب إلى تكية شيخ، لم يجد نفعاً لا من الأدوية الكثيرة التي خرّبت معدته، ولا من الرقى والأحجبة العديدة التي أثقلت رقبته وكتفيه، فألقى بالأدوية والرقى جميعها، وقرّر أن يكمل حالته منعزلاً الآخرين، ومبتعداً عنّي أنا الذي استوحشت لغيابه. كان ينكبّ على كتبي يقرأ بسلاسة ومتعة، ثمّ يرميها بعد دقائق، ويمسك رأسه. حار الجميع في أمره، فلا هو بمجنون ولا هو بعاقل. عند الأطبّاء يغادره جنونه، أمّا عند الشيوخ فيهدأ ويستكين. تتناهبه حالات متناقضة غريبة. حالة واحدة فقط أظهر فيها شراسته، عندما أعطت جدّتي النقود على استحياء وبتخاذل وتذلّل للشيخ الذي أشار إلى ابنه البليد أن يلفّ حجاباً، قبل أن يأتي ابنه بالحجاب، وقبل أن يضع الشيخ النقود في جيبه، انقضّ كاوا على النقود، كانت تبلغ أربعاً وخمسين ليرة، أربع ليرات حديديّة، والبقيّة ورقيّة، واحدة من فئة الخمس والعشرين ليرة، واثنتان من فئة العشر ليرات وواحدة من فئة الخمس ليرات، رماها في فمه، بلع الحديديّة منها، وظلّ يمضغ الورقيّة حتّى فتّتها، ثمّ بصقها على ابن الشيخ وهو يقهقه في وجهه، وينعته بالمجنون ابن المجنون. سردت جدّتي تلك الحادثة وهي ترثي لحال الشيخ وابنه، تستغفر لكاوا فعلته المجنونة، هي التي استبشرت في تسميته أن يكون البطل الشجاع، لكنّه انتهى إلى درويش يُرثى له.. لم توافق المجالس الطبّيّة على تسريحه من الخدمة الإلزاميّة، إذ لم تجد فيه عيوباً ولا تشوّهات، لم تجده مجنوناً قط كما حاولنا أن نقنعهم بذلك، لأنّ كاوا بدا عاقلاً، يجيب عن الأسئلة بدقّة وموضوعيّة، وفي المرّات التي أخذناه إلى المجلس كان ينتابه التعقّل فنظهر مخادعين، يُبهدلنا الأطبّاء والضبّاط ونعود أدراجنا خانعين أذلاّء، بينما هو يقهقه. اقتنعت تلك المجالس بحالته غير الطبيعيّة بعد أربعة أشهر من خدمته، كنت وقتذاك أنهيت خدمتي، ولم تبقَ لنا حجّة في تأجيله، كان لابدّ من سوقه.. في الدورة اكتشفوا حالته، لكنّ الأوراق استغرقت أشهراً في رحلة الروتين المرضيّة. ساهم في إعفائه الضابط المسؤول عنه، الذي أكّد بأنّ حالته متدهورة، وينبغي إعفاؤه من الخدمة، وبعد عدّة محاولات أعفي وعاد ليستمرّ في حياته البسيطة، في البيت بالقرب من أمّي وجدّتي، مشاركاً أبي الصمت. وكان قد استقرّ له القرويّون على لقب كاوِكو، الذي اشتقّوه من اسمه، وهو لقب مورَّى، يشير إلى التدليع من جهة، ويعلن العباطة أو السذاجة والبلادة من جهة أخرى. حاولت أن أعوّض فشل أخي في إكمال دراسته بأن أكمل دراستي، لكن هيهات، وأنا غير القادر على تحمّل غلاظات المعلّمين ولا أمتلك صبراً على ذلك. على الرغم من قضائي أكثر من سبع سنوات في الدراسة في المدينة، التي انتقلت للسكن فيها بعد الصفّ السادس، حيث كان التعليم في القرية محصوراً بالمرحلة الابتدائيّة، أمّا مَن يريد إكمال تعليمه، فكان عليه استئجار غرفة في المدينة. كنت أحرص على أن أستأجر بالقرب من بيت خالتي، التي لم يكن زوجها يروق لي، كما أنّه لم يكن يتحمّل رؤيتي أيضاً. كانت مشاعرنا حيال بعضنا متبادلة ومتشابهة. كان يغضّ النظر عن بعض المساعدات التي تقدّمها لي خالتي، ويحرص على تنبيه ابنته ألاّ تختلط معي، أو تكلّمني. لم يكن على علم بتلك الأماسي التي كنت أنفرد بها في القرية، وأحضنها، أستمتع بجسدها اللذيذ، وأضمّ مؤخّرتها المدوّرة إلى وسطي. نلت الكفاءة بعد محاولتين فاشلتين، لكنّني لم أنل الشهادة الثانوية التي قدّمت عليها ثلاث مرّات. قرّرت إنهاء خدمتي الإلزاميّة، بعدما تخلّفت عنها. كنت اعتدت حياة العزلة والوحدة. ونادراً ما كنت أشتاق لأحدهم. كنت أجد راحة كبيرة في بقائي وحيداً، أستمتع بتخيّل ما لا أستطيع بلوغه وإدراكه. كان كلّ شيء محصوراً بالعتمة، حتّى تلك اللقاءات مع روناك ابنة خالتي كانت تتمّ في الليل، إلاّ بعد أن تغيّرت أوضاعها إثر الانقلاب الذي أحدثه الخبر الذي ساقه والدها إليها، حول نيّته في تزويجها من أحد معارفه المغتربين في الخارج. أحدث ذلك الخبر زلزالاً في كيانها، وغيّرها بالكامل، تحوّلت إلى فتاة أخرى لا أعرفها. ما كان منّي إلاّ الفرار إلى الخدمة الإلزاميّة، عسى أن أوفّق في تناسيها. كلّ إخفاقاتي فيما بعد كانت محاولات فاشلة لنسيانها. تمكّنت من قتلها في روحي وذاكرتي بعدما مارست أشنع الجرائم التي أعترف بها. والتي كانت استشفاء من قبلي وتداوياً من الجرح الغائر الذي خلّفته الوقائع والظروف في حياتي. تراني انهرتُ يومَ انهار أخي، أم يوم جاء والدي غارقاً في صمته، أم يومَ أخبرتني روناك بخطوبتها، أم في الأيّام التي تلت، والتي كانت كلّها كفيلة بتدمير أعتى الحصون، وأصلب الرجال..؟! على الرغم من ذلك أرفض أن أوصَف بالمختلّ أو المجنون، كما أرفض أن أغيّر عملي الذي درّ عليّ المؤخّرات من أوسع الأبواب.. سعيد بعملي في التمريض. ومَدين لخدمتي في ذلك المستوصف. أطوّر نفسي في المداواة والتمريض يوماً بيومٍ، أرفض أن يكون هناك من هو أبرع منّي في حقن الإبر، هوايتي التي غدت عشقي ونقطة تعلّقي بالعالم.