ثلاثة شروط لإنقاذ مؤتمر جنيف -2

حجم الخط
1

اذا كانت حوافز متزايدة تدفع باتجاه السير على طريق مؤتمر جنيف- 2 اواخرَ الشهر المقبل، فان كوابح كثيرة تبطئ السير وقد تتسبب بوقفه.
على صعيد الحوافز، ثمة تصريح من موسكو لنائب رئيس الوزراء السوري قدري جميل يعبّر عن حال سورية، حكومةً ومعارضة، في هذه الاونة. الطرفان، بحسب جميل، يراوحان مكانهما. غَلَبةُ احدهما على الاخر باتت شبه مستحيلة. استمرارُ الحرب، والحال هذه، لا يعني سوى امرٍ واحد هو المزيد من النزف والدمار والاهدار.
ثمة حافز اخر لعله وليد التقارب المتزايد بين واشنطن وطهران، نتيجةَ ما تسميه ‘اسرائيل’، بارتياب، ‘هجوم الساحر’ حسن روحاني في الامم المتحدة. هذا التقارب تابعه وزير خارجيته محمد جواد ظريف في جنيف الاسبوعَ الماضي. مسؤولةُ السياسة الخارجية في الاتحاد الاوروبي كاثرين اشتون ترجمت جدّية التقارب بين واشنطن وطهران بقولها ان الجولة الثانية للمفاوضات ‘النووية’ ستستأنف في جنيف في 7 تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل.
هل من صلة بين المفاوضات التي تجريها مجموعة دول 5+1 وايران بشأن برنامجها النووي، والحرب الدائرة في سورية؟
الجواب: نعم . من الطبيعي والمنطقي ان يسعى الطرفان الامريكي والايراني الى مقاربة جميع موضوعات النزاع بينهما على مستوى المنطقة برمتها، بسبب ارتباط بعضها ببعضها الاخر من جهة، وبسبب ارتباطها بمصالح الحلفاء الاقليميين للطرفين من جهة اخرى.
الولايات المتحدة يهمها في تسوية نزاعها مع ايران، بشأن برنامجها النووي، ألا تأتي على حساب أمن ‘اسرائيل’.
ايران يهمها الا تكون التسوية النووية المرتقبة مع الولايات المتحدة على حساب حليفتها سورية وقوى المقاومة في لبنان وفلسطين. روسيا تتطلع، من خلال التسوية النووية، الى ايجاد توازن قوى جديد في المنطقة يحمي مصالحها ومصالح حلفائها، وفي مقدمهم سورية.
دول الخليج العربية حريصة ايضا على ألا تأتي التسوية على حساب امنها ودورها الاقليمي. السعودية ترهن حضورها مؤتمر جنيف – 2 بتحديد الغاية المتوخاة منه، وقد شفعت تحفظها بسحب عضويتها من مجلس الامن.
الحوافز التي تدفع باتجاه التسوية تقابلها كوابح ناجمة عن تناقض المصالح. ‘اسرائيل’، مثلا، تتخوف من مفاعيل التسوية على امنها، واحتمال تسبّبها بمضاعفة نفوذ ايران في المنطقة وتعزيز دورها المناهض لكيانها. بعض قوى المعارضة السورية، لا سيما الفصائل الاسلامية ‘الجهادية’ المتهمة بالتعاون مع تنظيم ‘القاعدة’، ترفض مبدأ التفاوض مع نظام الرئيس بشار الاسد، بل هي تقاتل ‘الجيش الحر’ الموالي لـِ’الائتلاف الوطني السوري لقوى المعارضة’ الذي لا يعارض الجلوس الى طاولة المفاوضات.
الى ذلك، ثمة مسألة سياسية واخرى اجرائية تحتاجان الى حل. امريكا واوروبا تشعران بأنهما مطالَبتان بتنسيق المواقف مع دول الخليج العربية التي تدعم قوى المعارضة السورية. ما لم توافق السعودية وقطر ومعهما تركيا على حضور مؤتمر جنيف-2 فان فصائل المعارضة السورية الموالية لها لن يكون في مقدورها المشاركة في المفاوضات المنشودة.
ثم، هناك ‘اسرائيل’ التي تعارض اي تسوية نووية مع ايران، وقد تقوم بخطوات سياسية وميدانية لتعطيل التقارب الحاصل بين واشنطن وطهران ما ينعكس، بالضرورة، سلبا على مؤتمر جنيف-2. كيف؟ بتزويد الفصائل المعارضة للمفاوضات اسلحةً نوعية تمكّنها من توسيع نطاق الحرب ضد نظام الرئيس الاسد. هذا سيثير حفيظة ايران التي تعتبر ‘اسرائيل’ مجرد اداة امريكية، وانها لا تتخذ غالبا اي خطوة الا بموافقة واشنطن. باختصار، طهران ستعتبر خطوة ‘اسرائيل’ بمثابة ضغط امريكي يهدف الى تدفيعها ثمن التسوية النووية مرتين: مرة من خلال التنازلات المطالَبة بتقديمها، ومرة اخرى من خلال اضعاف حليفتها الاولى سورية.
الولايات المتحدة استشعرت احتمال قيام ‘اسرائيل’ بعرقلة التسوية النووية من خلال الساحة السورية، فبادر وزير خارجيتها جون كيري الى دعوة ‘المجلس الوطني السوري’ المعارض، الذي كان اعلن رفضـه المشاركة في مؤتمر جنيف-2 للعودة عن قراره السلبي. ثم بادر، بالتنسيق مع بريطانيا وفرنسا، وربما تركيا ايضا، الى تنظيم مؤتمر لـ’اصدقاء سورية’ ينعقد في لندن في 22 الشهر الجاري. غاية المؤتمر التنسيق بين ‘اصدقاء سورية’ وترجمته الى حملة لاقناع مختلف فصائل المعارضة السورية بأمرين: الجلوس الى طاولة المفاوضات، وتأليف وفد موحد ليكون للمعارضة وزن فيها ومكاسب .
ظاهر الحال يشير الى ان الولايات المتحدة تتجه لترجيح حلٍ سياسي للصراع. غير ان ثمة بين المسؤولين في دمشق وموسكو مَن يشكك في نيات واشنطن ويتخوف من ان تكون جهودها لعقد مؤتمر جنيف-2 مجرد مظاهرة اعلامية لطمأنة ايران وحثها على متابعة تفاوضها مع مجموعة دول 5+1 انما مع ابقاء الحرب مستعرة في ارجاء سورية.
حتى لو تمكّنت واشنطن من معالجة هواجس حلفائها الاقليميين واعتراضاتهم بشأن المفاوضات الناشطة مع ايران والمرتقبة مع سورية، فان مسألة اخرى بالغة التعقيد تبقى مستوجبة الحل. انها مسألة تحديد هوية فصائل المعارضة المطلوب تمثيلها للجلوس الى طاولة المفاوضات، ذلك ان واشنطن، وربما غيرها من عواصم القرار، ترفض مشاركة فصائل ‘الاسلام الجهادي’ في المفاوضات، في وقتٍ تقوم هذه الفصائل بالسيطرة على مناطق كان ‘الجيش الحر’ قد هيمن عليها في شمال سورية وشرقها.
ان حصر تمثيل المعارضة بالفصائل غير ‘الجهادية’، التي تنحسر سيطرتها على الارض يُضعفها سياسيا تجاه نظام الاسد في المفاوضات. كما ان دعمها عسكريا لتحقيق غلبة ميدانية على الفصائل ‘الجهادية’ مجازفة قد يطول امدها، فضلا عن ان نتيجتها غير مضمونة. الى ذلك، فان قيادة النظام التي لا تفوتها ملاحظة انقسام المعارضة على نفسها والاقتتال الجاري بين فصائلها، قد تجد نفسها بغنى عن طاولة المفاوضات، وان متابعة تنفيذ الحل الامني اجدى لها وافعل. في ضوء هذه المعطيات والتجاذبات، يمكن ان تستقيم المقاربة الفضلى للصراع في سورية من خلال التوافق على تحقيق مبادئ، بل شروط، ثلاثة:
الاول، اتفاق اللاعبين الكبار، دوليين واقليميين، على تصوّر ومنهج لحل الازمة السورية. توافق اللاعبين الكبار شرط لمصالحة اللاعبين الصغار. أليس هذا درس التاريخ؟
الثاني، توافق الكبار، وبالتالي الصغار، على ان المدخل الصحيح للمفاوضات وانجاحها انما يكون بوقف الحرب، بدءا بوقف تزويد طرفي الصراع بالرجال والسلاح والعتاد.
الثالث، تمكين اطراف الصراع السوريين من التفاوض في ما بينهم باستقلالية تامة، بل بمنأى عن اي تدخل او وصاية خارجية.
سورية هي قضية السوريين وحدهم.

‘ كاتب لبناني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية