خريطة طريق غير معلنة في منبج واختلاف في تفسيرها بين أنقرة وواشنطن

حجم الخط
0

منهل باريش: وارب مسؤولان رفيعا المستوى في وزارة الخارجية الأمريكية في إجاباتهم خلال الإحاطة الصحافية عبر الهاتف مع عدد من الصحافيين الدوليين.
وركز المسؤولان، اللذان اكتفى مدير الحوار بتعريفهما بـ»مسؤول رقم واحد» و»مسؤول رقم اثنين» دون ذكر اسميهما، على التفاهم العريض مع «الدولة الشريك في الناتو» والتي تكررت بشكل ملحوظ في كل الإجابات تقريباً. ورفضا الاعتراف بالجدول الزمني الذي أعلنته تركيا، واعتباره موضوعا يخصها، وأكدا على أن كل مرحلة من المراحل الثلاث مرهونة بسابقتها ولا يمكن الانتقال إلى الأخرى حتى إنجاز كل مرحلة بشكل كامل.
وأشار المسؤولان إلى أهمية تسيير الدوريات الأمريكية ـ التركية المشتركة على خطوط الترسيم حول منبج. وشددا على أهمية حفظ الأمن والاستقرار الذي تنعم به المدينة منذ سيطرة «مجلس منبج العسكري» التابع لـ»قوات سوريا الديمقراطية»، قسد، على خلفية هزيمته تنظيم «الدولة الإسلامية» في 2016. وحذر المتحدثان من حساسية المنطقة، بسبب وجود قوات النظام والقوات الروسية في المنطقة القريبة جنوب منبج. وألمحا إلى أن ذلك يحصل بالتفاهم عبر قنوات خفض التصعيد من موسكو.
في مقابل ذلك، أعلن «مجلس منبج العسكري» في بيان مصور له، الأربعاء، أن المستشارين العسكريين التابعين لـ»وحدات حماية الشعب» الكردية سينسحبون «خلال أيام قليلة». وقال الناطق باسم المجلس، شرفان درويش، في المؤتمر الصحافي: «إن مجلس منبج العسكري لن يقبل بأي انتشار تركي في منبج». ونفى علمه بتفاصيل الاتفاق بين واشنطن وأنقرة. في حين قال المسؤول الرفيع في الخارجية الأمريكية أن واشنطن أطلعت بعض قيادي «قسد» على «خريطة الطريق» التي تم التفاهم عليها مع تركيا.
واستبقت «وحدات الحماية» بيان المجلس العسكري في منبج بإعلانها سحب مستشاريها العسكريين، الذين يقومون بمهام تدريبة لعناصر ومقاتلي المجلس العسكري. إلى ذلك، توجه وفد من التحالف الدولي، برئاسة السفير في الخارجية الأمريكية ويليام وربيك، والضابط في القوات الخاصة الأمريكية جيرمي جيرارد، وعدد من الضباط والدبلوماسيين إلى مدينة منبج، وعقدوا لقاء مع «الإدارة المدنية لمدينة منبج وريفها»، ولقاء مع قيادة مجلس منبح العسكري. ونقلت مصادر مقربة من الاجتماع إلى «القدس العربي» أن الوفد الأمريكي طمأن القادة المحليين بعد اتفاق «خريطة الطريق» المتفق عليها، وأبلغهم: «لا تغيير سوف يحصل في المدينة سوى خروج المستشارين العسكريين لوحدات حماية الشعب».
وأفاد عضو سابق في «مجلس محافظة حلب» أن الجهات الرسمية التركية في منطقة «درع الفرات» زادت من وتيرة لقاءاتها بالقادة العسكريين المنحدرين من مدينة منبج، إضافة إلى الفعاليات السياسية والمدنية المحسوبة على تركيا، في منطقتي الباب وجرابلس.
وتتركز المشاركة العسكرية لمقاتلي مدينة منبج في منطقة «درع الفرات» في أربعة فصائل موالية لتركيا، بشكل متباين، هي الجبهة الشامية، ولواء الشمال، وحركة أحرار الشام الإسلامية، وفرقة السلطان مراد التي تعتبر الأكثر قرباً لأنقرة.
ويقدر تعداد المقاتلين في الفصائل أعلاه، وآخرين موزعين على فصائل أخرى، بنحو 1500 مقاتل، وهو ما يوازي عدد مقاتلي «مجلس منبج العسكري» الموالي لـ»قسد».
ومن غير الواضح، في تفاصيل «خريطة الطريق» ما هو مصير مقاتلي فصائل «درع الفرات» من أبناء منبج، وهل سيتم دمجهم في الإدارة العسكرية التي سيتم تشكيلها مع نهاية المرحلة الثالثة، بعد 60 يوماً من توقيع الاتفاق بين وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو ونظيره التركي مولود جاويش أوغلو في 4 حزيران (يونيو) الجاري.
وتنسحب التساؤلات السابقة على «الإدارة المدنية» المزمع التوافق عليها بين الجانبين في الأسبوعين الأخيرين (المرحلة الثالثة). فمن المعروف أن أغلب القيادات السياسية وأعضاء المجلس المحلي المشكل قبل سيطرة تنظيم «الدولة الإسلامية» على منبج، قروا إلى تركيا وأقاموا فيها. وعدد لا بأس به منهم انخرط في العمل الإغاثي والمدني ومجلس محافظة حلب الحرة ولجنة إعادة الاستقرار التي تشكلت مع انطلاقة عملية «درع الفرات» 2016.
الحديث الأمريكي عن رفض نشر قوات أمريكية في شوارع منبج والاعتماد على المقاتلين المحليين، والاكتفاء بالإشارة إلى «دوريات مشتركة» مع تركيا، يعزز الشكوك حول اختلاف تفسير الاتفاق، وأنه من المستبعد تنفيذ الاتفاق في إطار زمني محدد، مع نفي الجانب الأمريكي لمدة الستة أشهر 6 أيضاً والتي تم تداولها على باعتبارها أقصى إطار زمني ممكن لتنفيذ التفاهم وإحالة التفاصيل إلى مجموعات العمل المشتركة والتي عقدت اجتماعاً بعد لقاء الوزيرين في مقر وزارة الخارجية الأمريكية في واشنطن.
هذا يرجح أن واشنطن تحاول امتصاص غضب أنقرة بشكل أساسي من خلال إبعاد العسكريين من «وحدات حماية الشعب» التي تصنفها تركيا على لوائح الإرهاب، على غرار «حزب الاتحاد الديمقراطي» الكردي، وتعتبرهما جناحين، عسكري وسياسي، لـ»حزب العمال الكردستاني».
وتبقى المشكلة العملية في آليات تشكيل الإدارتين، فانتخابات مباشرة لمجلس منبج المحلي، أو الإدارة المدنية، بنسبة تمثيلية للقومية، هو أحد الاشتراطات التركية لضمان عدم عودة «الوحدات الكردية» عبر صناديق الانتخابات. علما أن منبج تضم التركمان والشركس والأكراد، إضافة إلى العرب. لكن عدم تواجد القوات العسكرية التركية والاستخباراتية داخل المدينة وبقاءها على خطوط الترسيم في دروات مشتركة مع القوات الأمريكية، لا يعني تغييرا في موازين القوة على الأرض وسيكون الدور التركي مقتصرا على الضغط لعودة المهجرين من أبناء المدينة وتقديم تسهيلات كبيرة لعودتهم، وستدعم المنظمات الأهلية العاملة في «درع الفرات» مقابل المنظمات النشطة في منبج والمدعومة أمريكياً.
وتبقى الآلية المتعلقة بتشكيل مجلس عسكري هي الأعقد في حلحلة الوضع الأمني والحد من النفوذ الأمريكي، الداعم لمجلس منبج العسكري. وتتمثل الصعوبة في إيجاد آليات استيعاب لكتائب محسوبة على تركيا وتدين بالولاء لها، خصوصا أن بعضها كان مندرجا في برنامج التدريب التابع للبنتاغون وتوقف الدعم الأمريكي عنه بعد مشاركتهم في معركة «غصن الزيتون»، وفي كتائب أخرى تندرج ضمن فصائل تعتبرها واشنطن إسلامية معتدلة، لكنها خارج مقاييس شروط دعمها.
إلى ذلك، يرجح أن يستوعب البنتاغون مقاتلي فصائل «درع الفرات» سابقة الذكر، في مجلس منبج العسكري بصفاتهم الفردية، لتجاوز هذه المحنة وعدم إغضاب شريكها في «الناتو» في حال رفضت إدخالهم في المجلس العسكري.
ومع الغموض الحاصل من الجانب الأمريكي، وعدم نشره نص الاتفاق وايضاح تفسيره، ستبقى الأمور مفتوحة للتأويل، ويعني بالفعل ربط «خريطة الطريق» في منبج بعلاقة تركيا مع إيران وروسيا، ومحاولة مساومة أمريكية أخيرة لمنع تركيا شراء منظومة صواريخ إس -400 وربطها بصفقة طائرات إف-35.

11TAG

خريطة طريق غير معلنة في منبج واختلاف في تفسيرها بين أنقرة وواشنطن

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية