القاهرة ـ «القدس العربي»: كان الموضوع السياسي الأبرز الذي احتل صفحات الصحف المصرية الصادرة أمس الاثنين 11 يونيو/حزيران هو نجاح المحادثات بين الرئيس السيسي ورئيس وزراء إثيوبيا أبيي أحمد والارتياح الحقيقي هذه المرة من رعب قضية المياه بسبب سد النهضة، ففي ظاهرة هي الأولى من نوعها رأينا رئيس وزراء إثيوبيا والسيسي يتبادلان القسم على الهواء، بأن كلا منهما لن يلحق الضرر بالآخر. كما أن ابيي أحمد استخدم عبارات إسلامية لمخاطبة المصريين وطمأنتهم على حصتهم من مياه نهر النيل. وفيما عدا ذلك فلا تزال اهتمامات الأغلبية كما هي مركزة على امتحانات الثانوية العامة، وإجازة عيد الفطر، وأين سيتم قضاؤها واستعدادات كل أجهزة الدولة لحفظ الأمن ومنع وقوع أي حوادث إرهابية. ومسلسلات رمضان ومباريات المنتخب المصري لكرة القدم في مونديال روسيا، التي ستبدأ أولاها يوم الجمعة مع اورغواي. ومن الأخبار الأخرى التشكيل الوزاري الجديد وطرح التوقعات عمن سيبقى ومن سيخرج من الوزراء. والحديث الأهم كان عن موعد رفع اسعار الوقود وما سيترتب عليه من زيادات كبيرة في اسعار جميع السلع والخدمات. وإلى ما عندنا من تفاصيل الأخبار وأخبار أخرى غيرها..
مطالب الولاية الثانية
نبدأ بأبرز المطالب من الرئيس السيسي في ولايته الثانية، حيث قال يوسف سيدهم رئيس مجلس إدارة وتحرير جريدة «وطني» القبطية يوم الأحد، من خلال مناقشة ما ورد في خطابه امام مجلس النواب.
ومما قاله: «ذكر الرئيس مؤسسة الأزهر مشيرا لها بأنها حاملة رسالة الوسطية والتنوير، بدون أن يتعرض إلى إصلاح الخطاب الديني، وما ينبغي عمله لاستئصال تيارات التطرف والتشدد والأصولية، التي ما يزال أحد روافدها متغلغلا في قيادات دينية داخل المؤسسة، وفي كتبها وتعاليمها.
ذكر الرئيس الكنيسة القبطية ممتدحا مواقفها الوطنية وحكمتها في التعامل مع الأزمات، وتحصينها لرعاياها ضد مواجهة الإرهاب بالعنف، أو بما يخدش وحدة المصريين، بدون أن يتعرض لاستمرار تقاعس أجهزة الإدارة والأمن عن إرساء دعائم القانون والذود عن هيبة الدولة، أمام هجمات المتشددين والمتطرفين الذين يواصلون الاعتراض على بناء الكنائس، وعرقلة فتح الكنائس المغلقة، على الرغم من إجازة ذلك طبقا للقانون.
لم يتعرض الرئيس من قريب أو بعيد لتحدي إصلاح الحياة الحزبية، على الرغم من أنه كان يوجه كلمته أمام البرلمان الذي يعد معقل الاحزاب، وعلى الرغم من سابق دعوته للتصدي لظاهرة التشرذم الحزبي، وحتمية اصطفاف الأحزاب في كتل سياسية قوية، ورغم أن الرئيس والبرلمان على السواء يعرفان تمام المعرفة أنه ينبغي مواجهة ذلك التحدي، قبل انقضاء فترة الرئاسة الثانية، لتجهيز المسرح السياسي لإفراز قيادات قوية فاعلة وقادرة على تداول السلطة».
السلطة المؤبدة
ولو تركنا سيدهم وانتقلنا إلى «المصري اليوم» لنكون مع الدكتور نصار عبد الله فسنجده يحذر في مقال له عنوانه «عن السلطة المؤبدة» من استمرار أي رئيس في الحكم مدة طويلة وما يخلفه ذلك من مصائب ومشاكل قال، رغم إنه من محبي عبد الناصر: «في هذا النص الصريح تلك الثغرة التي كانت تجيز انتخاب الرئيس لمدد أخرى غير محددة، التي نفذ منها الرئيس السابق حسني مبارك، لكي يصبح واحدا من أكثر الحكام المصريين المؤبدين، وللأمانة فإن كاتب هذه السطور لا يشك في وطنية أي رئيس مصري، لكنه يؤمن بأنه أيا ما كانت وطنية الرئيس ـ أي رئيس ـ وأيا ما كانت كفاءاته ومواهبه، وأيا ما كانت المزايا التي يمكن أن يحققها حكم طويل متصل، فإن هذا كله لا يعد شيئا يذكر إذا ما قورن بالمساوئ الفادحة للسلطة المؤبدة التي لم يفلت من مساوئها ـ في ما أتصور ـ رئيس على الإطلاق، ممن اعتمدوها منهجا لهم، بمن في ذلك الزعيم الوطني خالد الذكر جمال عبدالناصر نفسه.
وأولى هذه المساوئ هي تزايد الحاجة إلى جهاز أمني ضخم ومتشعب، ولا شك في أن الجهاز الأمني الكبير يمثل عبئا على المجتمع من عدة وجوه فهو أولا تكلفة مالية باهظة، يدفع فاتورتها في أغلب الحالات ـ ويا للمفارقة ـ مجتمع أغلب أبنائه من الفقراء، وتحجب عنها الصورة الحقيقية للواقع الخارجي بقصد تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب الشخصية المادية والمعنوية، وفي ظل تلك البطانة ينمو الفساد ويتضخم، وينتقل هابطا إلى المستويات الأدنى فالأدنى، في عملية أشبه ما تكون بالانشطار المتسلسل الذي يقود في نهاية المطاف إلى الانفجار، وهذا هو بالضبط ما حدث في عهد الرئيس المؤبد حسني مبارك.
أما ثالث المساوئ المرتبطة بالسلطة المؤبدة فهي تسخير الجهاز الإعلامي الرسمي للترويج لرموز النظام، ومكافأة عناصر الإعلام، بقدر ما أسهم به كل منهم في الترويج، ولا مناص في هذه الحالة من أن يصبح النفاق هو سيد الموقف، وأن يصبح الكذب هو سيد السياسات الإعلامية. لا يهم أن يكون الكذب مفضوحا أو غير مفضوح، طالما أن رموز النظام تطرب له وتكافئ عليه، وطالما أنه لن تجيء سلطة أخرى تفرز الصادقين من الكاذبين، ولا يهم أن يكون كلام الإعلاميين مما يسوغه العقل، أو مما يتناقض مع أبسط مقتضياته، طالما أن رموز النظام تصدقه وتستشهد به، وتحث عليه وشيئا فشيئا يتوارى العقل من حياة الناس ويضمحل ثم يذوي ويغيب، وهذا هو في اعتقادي أخطر آثار السلطة المؤبدة».
موجات هائلة
وفي «الأسبوع» قال رئيس تحريرها وعضو مجلس النواب مصطفى بكري: «بقدر ثقتنا في إدراك الدولة المصرية، وفي المقدمة الرئيس عبد الفتاح السيسي لمتاعب المواطنين، بقدر الأمل في وضع آليات تسهم في احتواء الاحتقان المجتمعي الذي راح يتصاعد مع كل موجة غلاء جديدة، خاصة في ظل ما هو مرتقب من رفع أسعار المحروقات خلال الأسابيع المقبلة، وهو أمر سيحدث حال حدوثه موجة هائلة من الارتفاع في أسعار كافة السلع والخدمات».
بناء الإنسان المصري
وفي «الأهرام» ركز رئيس المجلس الأعلى للإعلام مكرم محمد أحمد على كيفية بناء الإنسان المصري التي أكد عليها الرئيس وقال: «إذا كانت إعادة بناء الإنسان المصري هي الهدف الأول لمرحلة فترة الحكم الثانية، التي تستهدف مدرسة منضبطة تستعيد دورها الأساسي في التعليم، ونظاما تعليميا جديدا يركز على احتياجات التنمية ومستشفى نظيفا حسن التجهيزات ونظاما صحيا شاملا يوفر للإنسان المصري الوقاية الكاملة من أمراض التقزم، وضعف البنية الأساسية والهزال وفقر الدم، فربما يصعب تحقيق هذه الأهداف بدون إصلاح إداري حاسم بعيد النظر في نظم الثواب والعقاب، ويطارد الإهمال وعدم الاكتراث والتسيب، ويجتث جذورها من المنبع، ويحاسب كل مسؤول في إطار مسؤولياته المحددة، لأنه بدون نظام جديد للمتابعة يضمن تنفيذ خطط الإصلاح على أكمل وجه تصبح هذه الجهود مثل الحرث في الماء».
الاستثمار في البشر
وفي العدد ذاته من «الأهرام» قال الدكتور صبحي عسيلة تحت عنوان «العقد الاجتماعي للولاية الثانية»: «بناء الإنسان المصري، أو الاستثمار في البشر كما يفضل البعض هو العنوان العريض في الولاية الثانية للرئيس، بكل ما يتفرع عنه أو يجب أن يتفرع عنه من اهتمامات وأولويات حددها الرئيس بقوله «وستكون ملفات وقضايا التعليم والصحة والثقافة في مقدمة اهتماماتي، وسيكون ذلك من خلال إطلاق حزمة من المشروعات والبرامج الكبرى على المستوى القومي».
مشكلة المجالات الثلاثة التي حددها الرئيس أنها مجالات خدمية، أي لا تدر أرباحا، بل أن تحقيق نتائج ملموسة فيها يقتضي وضع استثمارات كبيرة للغاية، والأهم أن اثنين منها على الأقل هما التعليم والثقافة لا تتوقف نتائجهما على رغبة وقدرة الدولة فقط، ويستغرق الوصول إلى مرحلة جني الثمار فيهما وقتا طويلا، ومن ثم فإنه بدون مشاركة مجتمعية حقيقية في مجالي التعليم والثقافة ستظل النتائج الممكن تحقيقها دون المأمول، وبكل تأكيد فإن اقتحام مجالي التعليم والثقافة بدون استراتيجية واضحة متوافق عليها، سيعني دورانا في الحلقة الجهنمية التي دارت الدولة فيها عبر العقود الماضية، وهو الأمر الذي يقتضي حتما طرح إستراتيجية التعامل معهما لحوار مجتمعي حقيقي يستهدف تأمين أكبر قدر ممكن من التوافق على ملامح تلك الاستراتيجية، كما أنه لا بد من الاجتهاد في وضع صياغة محددة لدور المؤسسات المختلفة في الدولة ومنظمات المجتمع المدني لإنجاز تلك الاستراتيجية انطلاقا من أنها تمثل مشروعا قوميا فعليا للمصريين، بل لعله المشروع الأكبر الذي يحوز توافق المصريين بمختلف أطيافهم وانتماءاتهم».
صانع السياسات الحقيقي
ومن «الأهرام» إلى «الشروق» ومقال الدكتور مصطفى كامل السيد وكانت عن رئيس الوزراء في مصر وسلطته وسلطة رئيس الجمهورية، وقد استعرض مكانة رئيس الوزراء قبل ثورة 23 يوليو/تموز 1952بالقول: «بأنها كانت حقيقية عندما يكون حزب الوفد في الحكم وشكلية عندما يكون رئيسها من أحزاب الأقليات العميلة للقصر الملكي وأضاف، أما في العهد الجمهوري ونظامه الرئاسي، فرئيس الدولة هو رئيس الحكومة، هذا ما فعله نجيب وعبدالناصر والسادات ومبارك، أو هو يترك رئاسة مجلس الوزراء لمن يثق في قدرته على تنفيذ سياساته، وكان رئيس الدولة يشارك في اختيار بعض الوزراء تاركا الوزارات التي لا يهتم كثيرا بها لمن رشحه رئيسا للوزراء، وظل كل رؤساء الدولة في العهد الجمهوري يهتمون أساسا بقضايا الأمن والدفاع والشؤون الخارجية والعدل والإعلام، فهم الذين يختارون من يشغل هذه الوزارات وربما يتركون لرئيس الوزراء المعين حرية اختيار الوزراء الآخرين مع مساعدته في الاختيار في بعض الحالات، ولكن يوحي ما تداولته الصحف في عهد الرئيس السيسي أن رئيس الوزراء الجديد كانت تعرض عليه قائمة من الأسماء المرشحة لتولي هذه الوزرات الأخرى ويقوم هو بالاتصال بأصحابها ليدعوهم للعمل معه، وتأتي هذه الأسماء من رئيس الجمهورية بعد أن تنال موافقة أجهزة الأمن والرقابة الإدارية للتأكد أنه لا توجد لدى هذه الأجهزة أسباب لرفض بعضهم، هل يختلف الأمر مع رئيس وزراء جديد؟ كلنا نتمنى للدكتور مدبولي أن ينجح في إدارة شؤون الحكومة خلال الفترة المقبلة التي يواجه فيها الشعب آثار المضي في تنفيذ ما يسمى ببرنامج إصلاح اقتصادي ذاق منه المصريون حتى الآن ارتفاع نفقة المعيشة، واتساع الفقر، وسيعرفون في الشهور المقبلة المزيد من ارتفاع الأسعار وضرورة سداد المديونية الحكومية الداخلية والخارجية، مما يشير إلى ضرورة الانتظار أعواما أخرى حتى يتذوق المصريون النتائج الإيجابية لهذا الإصلاح الاقتصادي، كما تعدهم بذلك الحكومة.
ولكن الدكتور مدبولي حتى مع معرفته العميقة بشؤون الإسكان وتخطيط المدن لم يطرح رؤية واسعة لمشاكل الوطن، تعينه على الاضطلاع بمهام منصبه وتوجيه الحكومة، السبب في ذلك واضح وهو أن صانع السياسات الحقيقي هو الرئيس عبدالفتاح السيسي، كما أن صانع السياسات الاقتصادية هو صندوق النقد الدولي، الذي تلتزم الحكومة بتنفيذ اتفاقها معه لمدة عامين مقبلين وربما يعفي ذلك الدكتور مدبولي من عبء التفكير في سياسات الدفاع والأمن والعدالة وقضايا الاقتصاد، فضلا عن الحريات وحقوق الإنسان، ولكن ذلك لا يقلل من احتمال رضا الرئيس عن إدارته للحكومة، فقد كان توجيه الرئيس له في الاجتماع الأول الذي عقده معه ومع المهندس شريف إسماعيل في أعقاب أدائه لليمين الدستورية في مجلس النواب هو الإسراع في تنفيذ برنامج المدن الجديدة، وفي مقدمتها العاصمة الإدارية هذه هي الأولويات التي حددها له الرئيس وبقدر نجاحه في اتباع هذه الأولويات يكون رضا الرئيس عنه، هذه هي حدود مسؤولية رئيس الوزراء في نظامنا السياسي الراهن».
مصر وإثيوبيا
أما الموضوع الأهم بالنسبة للنظام ولمصر ومستقبلها من خلال حصتها من مياه نهر النيل فكان المحادثات التي جرت بين الرئيس السيسي ورئيس وزراء إثيوبيا أبيي أحمد ومائدة الإفطار التي أقامها له لأنه مسلم من قومية الأورومو، وفي الحقيقة لم أر أي رئيس في حالة سعادة كما كان عليها في المؤتمر الصحافي مع رئيس الوزراء الإثيوبي لأنه استراح فعليا من هاجس حصة مصر من المياه، بسبب سد النهضة وثقته بأن القضية انتهت، ولذلك داعب رئيس الوزراء الإثيوبي على الهواء مباشرة ورد عليه مداعبا أيضا، وهو ما لم يحدث من قبل، فمثلا قال الرئيس نقلا عن سماح حسن وسحر المكاوي في «الوطن»: «لقد أكدت اليوم كذلك لأخي رئيس الوزراء ما نوليه من أولوية لتفعيل ما سبق الاتفاق عليه بين مصر وإثيوبيا والسودان، بشأن إنشاء صندوق ثلاثي لتمويل مشروعات البنية التحتية بما يحقق المصالح المشتركة للدول الثلاثة وأهمية البدء في اتخاذ خطوات تنفيذية لإنشاء الصندوق، وذلك بناء على الاجتماع المقرر أن تستضيفه القاهرة يومي 3 و4 يوليو/تموز 2018 على مستوى كبار المسؤولين لهذا الغرض.
وقال: كما ناقشنا الأوضاع الإقليمية وبالأخص ملفات جنوب السودان والوضع في الصومال والعلاقات الإثيوبية الإريترية، وهناك تطابق في وجهات النظر ورغبة صادقة في العمل المشترك لإحلال السلام الإقليمي، ومساعدة دول الإقليم على تجاوز التحديات الراهنة. طلب الرئيس عبد الفتاح السيسي من رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد أن يقسم بعدم إلحاق الضرر بمصر في ما يخص مياه النيل، وقد أقسم رئيس الوزراء الإثيوبس أثناء المفاوضات أن إثيوبيا لن تضر مصر في حق المياه، جاء ذلك خلال المؤتمر الصحافي المشترك بينهما في قصر الاتحادية عقب انتهاء كلمة رئيس وزراء إثيوبيا، وعلى الفور استجاب أبيي أحمد للرئيس السيسي وأقسم قائلاً: «والله والله لن نلحق الضرر بمصر.
وهنا قال الرئيس موجها كلامه للشعب ولأبيي أحمد: «أؤكد من خلال فخامة رئيس الوزراء وكما أنتم رأيتم وسمعتم منه ومن مباحثاتنا فإنه أكد وقال والله والله لن تجد ضررا منا فانا أحببت أن تسمعوها منه وانا بشكره عليها وأنت سترى من المصريين أيضا والله والله لن نضر بكم ابدا باذن الله».
مشاكل وانتقادات
جمال سلطان في «المصريون» يتساءل هل ستنكد الحكومة على المصريين ليلة العيد؟ ويجيب قائلا: «من خلال خبرة المصريين مع السلطة خلال الأعوام الأخيرة أصبحت هناك قناعة بأن الحكومة تختار أوقاتا محددة تعقبها إجازات رسمية من أجل تمرير تطبيق القرارات الجديدة المتعلقة برفع الأسعار، خاصة أسعار الوقود، فكانت الحكومة تختار مساء يوم الخميس مثلا لتنفيذ القرارات المشابهة، على اعتبار أن صبيحته سيكون يوم الجمعة، والناس نيام، ولا يوجد دوام رسمي ولا مدارس ولا جامعات، وكذلك يوم السبت الذي يعقبه، وعندما يفيق الناس مع أول أسبوع العمل تكون الحياة قد طبعت على القرار الجديد، والشارع بدأ التعامل وفق الأوضاع الجديدة، هذا المخطط الحكومي «الماكر» تكرر كثيرا، حتى أصبح مثار التندر لدى الناس والتعليقات الساخرة، خاصة اختيار ليلة الجمعة.
هذه الأيام هناك قلق ومخاوف لدى الناس من قرارات محتملة بخصوص رفع أسعار الوقود، والمسألة شبه منتهية، لأنها مدرجة في ميزانية العام الجديد، أي أن دولاب الدولة كلها تم ترتيبه على الوفرة المالية المنتظرة من رفع أسعار الوقـــــود، وبقيت المسألة متعلقة بالتوقيت فقط، متى يتم تنفيذ هذا الإجراء القاسي؟ هذا هو السؤال الذي يشغل الناس هذه الأيام، وهو ما يجعل الكثيرين يستحضرون خبرتهم القديمة مع الحكومة، واختياراتها للتوقيتات، خاصة في الأيام التي تسبق الإجازات القصيرة أو الطويلة، وبطبيعة الحال نحن مقبلون على إجازة عيد الفطر «السعيد» ابتداء من الخميس المقبل، الذي ستعقبه إجازات تمتد لقرابة أربعة أيام على الأقل، وبالتالي أصبحت هناك قناعة متزايدة، بأن قرار رفع أسعار الوقود قد يكون ليلة العيد، بدون اعتبار للمناسبة، فقد اعتاد المواطن على أن «تنكد» عليه الحكومة أيا كانت المناسبة.
كانت الأجهزة قد وجهت صحفها وأقلامها خلال الفترة السابقة للتمهيد للقرار، بالحديث عن الأسعار العالمية للوقود، وكيف أن المصريين «مدللون» بأسعار أقل من غيرهم من الدول، حتى دول الخليج العربي المنتجة للنفط، ووصلت الكتابات إلى مستوى متدن من الكذب والمغالطات، عندما تقارن مواطنا في دولة دخل أسرته الشهري يمكن أن يتجاوز مئتي ألف جنيه مصري، بمواطن مصري دخله الشهري تحت سقف الألفي جنيه، إذا استبعدنا الشريحة الوسطى المتآكلة الآن التي تتجاوز هذه الحدود بقدر محدود، ويبدو أن ما حدث في الأردن قد انعكس على توقيت القرار هنا، وكان واضحا أن أحداث الأردن تشغل صانع القرار في القاهرة، وكانت المؤشرات على ذلك واضحة في هجوم الإعلام الرسمي في مصر على مظاهرات الأردن وتحذير الأردنيين من مصير سوريا والعراق، كنت تشعر أن الخوف هنا وليس هناك.
المشكلة أن صورة المقبل أكثر ظلاما، لأن هناك تفاقما في أزمة السيولة وأزمة المياه وهناك ميزانية متواضعة للغاية للاستثمارات الجديدة، بما يعني أن توفير فرص عمل تتقلص، وكل ما يشغل الدولة لتوفير سيولة أن تفرض المزيد من الضرائب أو المزيد من الرسوم على الخدمات، وهو ما يخنق الناس أكثر، كما أن تقليص مساحات الزراعة لمحاصيل حيوية مثل الأرز، سيضطر الدولة للاستيراد، والاستيراد يحتاج إلى العملة الصعبة، وهو ما يضغط على العملة المحلية التي من المتوقع أن تتراجع خلال المرحلة المقبلة، كما أن أسعار الاستيراد بديهي أن تكون أعلى من الإنتاج المحلي، ويبدو أن السلطة مسترخية ومطمئنة على أن آلة الردع الخشنة جاهزة، وأن القوى السياسية تم تشتيتها وإرباكها بل وتمزيقها وقهرها.
دوامة لا أعرف كيف نخرج منها، بعيدا عن السياسة وعن جدل السلطة والمعارضة، فملايين المصريين البسطاء في المدن والقرى والنجوع هم الذين سيدفعون الثمن، ملايين الأسر هم الذين سيعانون البؤس وذل الاحتياج، ناهيك عما يتخلف عن ذلك كله من أعراض اجتماعية وخلل أخلاقي وسلوكي وحتى إجرامي».
السيناريو المجرب
أما عماد الدين حسين رئيس تحرير «الشروق» فتساءل أيضا لماذا لم ترفع حكومة إسماعيل أسعار الوقود وأجاب قائلا: «غالبية المراقبين والمتابعين توقعوا أن يتم التعديل أو التغيير الوزاري بعد قرار رفع أسعار الوقود المتوقع صدوره بين لحظة وأخرى، وليس قبلها.
السيناريو الذي تخيله هؤلاء هو الآتي: تقدم حكومة المهندس شريف إسماعيل استقالتها بعد أن تتخذ قرار رفع أسعار مختلف أنواع الوقود، وكذلك زيادة أسعار الكهرباء بعد أن رفعت أسعار المياه وتذاكر المترو. كان التخيل أو التفكير من داخل الصندوق أن يتم ذلك، في وقت ما خلال شهر رمضان الجاري.
والبعض اعتقد أن الوقت المثالي لذلك هو نهاية منتصف ليلة الخميس الماضي، وبدء الإجازة الأسبوعية التي تستمر حتى صباح الأحد. هذا السيناريو مجرب في العديد من البلدان، التي كانت تلجأ إلى مثل هذه القرارات الصعبة، بحيث يعتقد البعض خصوصا من الطبقات الفقيرة والشعبية أن الحكومة قررت إقالة الحكومة التي اتخذت قرارات رفع الأسعار، وجاءت بحكومة جديدة، تكون أول تصريحاتها أنها سوف تحاول معالجة الأوضاع الصعبة للمواطنين، ولا مانع من بعض التصريحات الوردية المتعاطفة مع الفقراء والمهمشين ومحدودي الدخل. بالطبع لو كنت مكان الدكتور مصطفى مدبولي لتمنيت أن تتخذ حكومة الدكتور شريف إسماعيل خطوة رفع الأسعار، حتى يتم رفع العبء عن حكومته ولو بصورة جزئية، ولا يلتصق بأذهان الناس أنها الحكومة التي كان أول قراراتها رفع الأسعار.
هذا ما كان متوقعا، وهذا ما تم تطبيقه في العديد من البلدان التي مرت بظروفنا وتجاربنا ومشكلاتنا الاقتصادية الراهنة. والسؤال: ما الذي حدث بحيث أن مؤسسة الرئاسة لم تلجأ إلى اتخاذ هذا السيناريو الذي يراه البعض منطقيا؟ السيناريو الأول هو: هل رفض المهندس شريف إسماعيل إعلان رفع أسعار الوقود قبل رحيله؟ لا أظن ذلك بالمرة لأنه أولا هو يؤمن بأهمية هذه الخطوة في سبيل الإصلاح الاقتصادي. والمؤكد أنه كانت هناك مواعيد كثيرة كان يفترض أن يتم فيها اتخاذ القرار أثناء وجود الحكومة.
السيناريو الثاني هو أن البعض يحلم بأن تكون الحكومة قررت وقف أو تأجيل اتخاذ قرار رفع الأسعار، خصوصا بعد الاحتجاجات واسعة النطاق في الأردن.
لكن هذا أمر شبه مستحيل، خصوصا أن الحكومة أصدرت العديد من قرارات الحماية الاجتماعية مثل زيادة الرواتب والمعاشات.. فهل ستفعل ذلك من دون أن ترفع الأسعار وهي تعانى من أزمات اقتصادية صعبة أهمها المديونية المتفاقمة، والعجز المزمن في الموازنة؟ السيناريو الثالث الأقرب إلى المنطق، هو أن طريقة تفكير الرئيس السيسي لا تفضل هذه الطرق الملتوية. فهو يرى أنه مادام قرار رفع الدعم عن الطاقة ضروريا ويجب اتخاذه فلا داعى للّف والدوران، وأن تكون الحكومة شجاعة في اتخاذ القرار والدفاع عنه.
وبالتالي فلن يفرق كثيرا من هي الحكومة التي اتخذت القرار. ثم إن غالبية الناس صارت تعرف أن صاحب هذا التوجه هو النظام عموما وفي مقدمته رئيس الجمهورية، وليس الوزير أو رئيس الوزراء فقط، وبالتالي، وبغض النظر عن الحكومة التي ستتخذ القرار فإن الناس يتعاملون مع الأمر باعتبار أن الرئيس هو صاحب القرار الفعلي. في كل الأحوال فإن الإجابة عن هذا السؤال سوف نعرفها خلال الأيام المقبلة. مع كل التمنيات الطيبة للحكومة خصوصا وزراءها الجدد».
حكايات وروايات
وأخيرا إلى الحكايات والروايات وستكون هذه المرة لنبيل سيف في «الأهرام» عن المرحوم الشاعر كامل الشناوي ولمن لا يعرفه فانه كان من ظرفاء عصره واستمد حكايته من أوراق خاصة وروايات لأصدقاء لكامل ومنهم الراحل محمد حسنين هيكل وكانت الحكاية في مجلة «نصف الدنيا» التي تصدر عن مؤسسة الأهرام على أربع صفحات وعنوانها «أوراق الشاعر كامل الشناوي السرية الممنوعة من النشر» وأبرز ما فيها علاقته بالفنانة والمطربة نجاة الصغيرة، التي كتب فيها قصيدة لا تكذبي أني رأيتكما معا، التي غناها المطرب الراحل عبد الحليم حافظ المهم نترك نبيل يقول: «كان محمد حسنين هيكل آخر من زار كامل الشناوي مرتين يوم رحيله في مستشفى الكاتب في الدقي التي تبعد خطوات عن منزل هيكل، حيث زاره في العاشرة صباحا ثم عاد مرة أخرى ليطمئن عليه في المساء، بعدما شعر هيكل بانقباض في قلبه في تلك الليلة، وذلك بعدما شاهده هيكل وهو داخل خيمة أوكسجين لدرجة أن هيكل سأله عن موعد خروجه من المستشفى فاشار كامل بأصبعه بعلامة النفي، وكأنه يعرف أنها النهاية هذه المرة، وبعدها بـ3 ساعات وتحديدا في الواحدة من صباح يوم الثلاثاء 30 نوفمبر/تشرين الثاني سنة 1965 أسلم كامل الشناوي الروح عن عمر يناهز الـ55 عاما، وقبل أيام من الاحتفال بعيد ميلاده الذي كان في ديسمبر/كانون الأول.
بعد رحيل كامل الشناوي بـ6 أشهر زارت الفنانة نجاة الصغيرة الناقد الفني جليل البنداري في مكتبه، وما أن جلست أمامه حتى انفجرت في البكاء وهي تسأل أين كامل الشناوي أين كامل الشناوي؟ ثم أخذت تروي للبنداري قصة كامل الشناوي معها من وجهة نظرها، لدرجة أن البنداري تمنى أن يكون كامل الشناوي حيا ليدفع نصف عمره مقابل أن يستمع لرأي نجاة فيه.
هكذا كتب جليل البنداري مقاله الشهير ليلة السبت في صحيفة «أخبار اليوم» في منتصف عام 1966 تحت عنوان نجاة وكامل الشناوي بين الوهم والحقيقة، كشف فيه عن أن كامل الشناوي لم يكن يطيق كلمة من جليل البنداري نقدا أو أي ناقد أخر ضد نجاة، وكشف البنداري في مقاله أن كامل الشناوي قبل رحيله بأسابيع وصف له نجاة وصفا دقيقا، ولكن نجاة لم تحزن لفراقه ولم يبد عليها أنها تأثرت كقارئة من قارئات الكاتب والشاعر العظيم.
وأضاف إذا كانت علاقة كامل الشناوي بنجاة وهما فقد كانت علاقة نجاة بكامل الشــــناوي حقيقــة، فقد كان هو يحبها كما يحب الشعراء الأوهام واللــــيل والنجوم بعيدة المنال.
يكشف البنداري في مقاله القصة الحقيقية لقصيدة «لا تكــــذبي» قائلا عنـــدما وقــع عــز الدين ذو الفقار في غرامها وأخرج لها فيلم «الشموع السوداء» الذي غنت فيه «لا تكذبي» طلب القصــيدة من كامل للفيلم فرفض كامل وقال له أنا لا ابيع تجاربي العاطفية بالفلــــوس، إلا أن نجاة اســـتطاعت أن تؤثر على كامل الشناوي كــي يتنازل عن القصيدة للفيلم، وبعث عـــز الدين ذو الفقار إلى كامل يسأله عن المبلغ المطلوب نظير القصيدة فطلب كامل 2500 جنيه وكان أعلى رقم في مصر يدفع في قصيدة حيث دفع ذو الفقار المبلغ، ثم سرعان ما نشرت الصحف أخبارا عن قصة غرام بين عز الدين ونجاة.
في عام 1995، سئل الكاتب محمد حسنين هيكل في لقاء مفتوح عن كامل الشناوي فكان تأثير كامل الشناوي على هيكل كبيرا لدرجــــة أن الاستاذ هيكل لم يكن يصفه إلا بلقب كمولة، حيث كان دائما قائلا يا كمولة يا ريت تسجل ما تقوله على الورق فالأحاديث الشفهـــية مهما تكون روعتها وسحرها تنسى مع الوقــــت، ولا يبقى منها شـــيء، ورغم اختلاف حياة ومعيشة هيكل عن حياة كامل الشناوي اختلافا بمقدار 180 درجة، إلا أن هيكل لم يسلم من مقالب كامل الشناوي حيث فوجئ الاستاذ هيكل ذات يوم بالفنانة فايزة أحمد تطرق باب منزله وتدخل مباشرة، بدون أن يعرف أنها فايزة أحمد المطربة اللامعة لينكشف أنها جاءت بدعوة من كامل الشناوي لحضور حفل عشاء، وأن كامل تأخر في الطريق، ورغم ذلك يعرف هيكل لأنه لم يكن قادرا على أن يرفض طلبا لكامل الشناوي حتى لو كان فيه خرق لأصول وقواعد ونظام هيكل اليومي».
حسنين كروم