قمّة سنغافورة: بين الإطارين العالمي والقومي للمسألة الكورية

حجم الخط
0

ما كادت «قمة سنغافورة» بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ اون تتصدّر «القيل والقال» العالميين، وتوحي بعالم أكثر استقراراً وأماناً وتعيد الاعتبار للفضائل «التعقّلية» للجنون، أو بالأحرى لـ«نظرية الرجل المجنون» في العلاقات الدولية، حيث يمكنك انتزاع مكاسب لصالحك بتظاهرك بالتهوّر شرط أن تعرف متى توقف مسرحيتك في اللحظة المناسبة والنافعة، حتى قفز التوتّر مجدّداً إلى الواجهة، بموجة من «الكزكزة» بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، على خلفية مزدوجة: رزمة الإجراءات الضريبية الأمريكية الموجهة ضدّ الصين، وعودة التوتر في بحر الصين الجنوبي الذي يعجّ بـ«ألغام» الممرّات المتنازع عليها.
فإذا استمهلنا الموجة الراهنة من التوتر الأمريكي ـ الصيني بحدّ ذاتها بعض الشيء، لتأخذ مداها ـ أو تستدرك، فإنّها تنفع مع ذلك للتنبيه بأنّ سياقي الانفراج بين الكوريتين وبين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، ليس محض انعكاس للعلاقات الصينية الأمريكية.
وإذا كانت الصين تمثّل بالنسبة إلى كوريا الشمالية الأخ الأكبر فإنّ وطأة هذا الأكبر كثيراً ما استشعرها قادة بيونغ يانغ، ابتداء من المؤسس كيم ايل سونغ في الستينيات في موقفه السلبي من «الثورة الثقافية» في الصين، مع إصراره في الوقت عينه على عدم أخذ طرف في النزاع السوفياتي ـ الصيني، بل اتخذ من هذا الانشطار في المعسكر الشيوعي ذريعة للانطواء على الذات، وبلورة أيديولوجية «جوتشيه» التي أزاحت مصادرها الماركسية ـ اللينينية عن الواجهة شيئاً فشيئاً، لصالح خلطة قومية ـ عسكرية ـ سلالية محافظة محتفظة في الوقت عينه بهدفية بناء المجتمع الإشتراكي، ومقدّسة للعائلة كأساس بنية المجتمع، وللعائلة الحاكمة «المقدسنة»، كنموذج مثالي لكل أسرة. بيدَ أنّ طموح الكفاية الذاتية التامة المكرّسة كعقيدة للوحدة العضوية بين «الشعب» و«الحزب الثوري» و«الزعيم» ظلّ بعيداً عن واقع «الاعتماد» الكوري الشمالي على الصين، كمصدر للطاقة والقوت والسوق السوداء، لكن هذا لم يجعل كوريا الشمالية تتحول إلى «بيدق» لبكين، كما أن الصين في مجلس الأمن ملتزمة التصويت إلى جانب العقوبات ضد كوريا الشمالية، يكاد يكون من دون انقطاع منذ 1993، وموقفها من نزع السلاح النووي لبيونغ يانغ ثابت، وعرف العام الماضي بالتحديد أقصى مدى لعقوبات تكبيلية صينية لبيونغ يانغ، الأمر الذي انعكس أيضاً تبادلاً للاتهامات ولغة التنديد في الإعلام الرسمي للبلدين، إلى أن أعيد تحسين العلاقات جزئياً في الأشهر الأخيرة، الأمر الذي سمح بلقاء مارس/آذار الماضي بين كيم جونغ اون والزعيم الصيني شي جين بينغ.
منذ خلافته لوالده، وكيم جونغ اون يستشعر بأنّ مراكز قوى يمكن أن تتربّص له في قيادة الحزب والجيش في كوريا الشمالية يمكن أن تكون مدعومة من الصين، وأغلب القيادات التي جرت تنحيتها أو تصفيتها في الأعوام الأخيرة ينظر لها كمقرّبة أو ذات «خطوط تواصل» مشتبه بها مع الصينيين. كما أنّ التقارب الصيني ـ الكوري الجنوبي في ربع القرن الأخير كان بحدّ ذاته عامل استياء أساسي بالنسبة إلى كوريا الشمالية، خصوصاً حين ترافق مع صعود قيادة كورية جنوبية تصلّبية تجاه النظام في الشمال، بعد وصول اي ميونغ باك إلى الرئاسة في سيول عام 2007، ولغاية عودة خط الاعتدال في مايو/ أيار 2017 مع انتخاب مون جاي إين، هذا وقد عاد حزب الأخير، الحزب الديموقراطي «مينجو» ليحرز النجاح الانتخابي قبل أيام، بعيد قمة سنغافورة.
انعقاد هذه القمة يأتي إذا على خلفية «اجتماع تناقضات». من ناحية، ضغط صيني على كوريا الشمالية للعدول عن سياساتها التسلّحية وتجاربها الاستفزازية في الإقليم، وهو في جزء منه يعكس التقارب الصيني ـ الكوري الجنوبي، فيما يعكس في جزء آخر الاقتناع الصيني بأن أي وضع ملتهب في شبه الجزيرة الكورية هو في مصلحة الأمريكيين في الوقت الحالي. من ناحية أخرى، عودة الروح لسياسة «الشمس المشرقة» الانفراجية تجاه القسم الشمالي من كوريا، بعد عشر سنوات تصلّبية عجاف للقوميين المحافظين في الجنوب، الذين سبق لهم أن وقفوا بالمرصاد أمام مساعي إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك اوباما «التهدوية» مع كوريا الشمالية، وكان لهم دور مفصلي في الإطاحة بـ«اتفاق بكين» 2007 و«اتفاق 2012».
في المقابل، ثمة مرشّح للانتخابات الرئاسية الأمريكية أقام مناقضة صاخبة أثناء حملته، بين نموذج «المبادرات والاتفاقات» المسيئة للمصلحة الأمريكية، التي تجسّدها سياسات اوباما، من كوريا الى إيران، وتبلغ ذروتها في الاتفاق النووي مع الأخيرة، وبين مبادرات يمكن أن تتحقق من خلال إظهار الولايات المتحدة لقدرتها على الإيذاء. وبعد انتخابه، لن يتردد دونالد ترامب، وعلى مسمع العالم كله، في الأمم المتحدة، من توعد كوريا الشمالية بالتدمير الشامل إن هي واصلت عملها الاستفزازي، وأظهر أنّه غير متردّد بمحو النووي بالنووي. لكن كوريا الشمالية صعّدت من تجاربها بعد هذا الكلام، وطالت المياه الإقليمية الأمريكية في هاواي، وأبرزت على طريقتها قدرتها الإيذائية لكوريا الجنوبية واليابان. لم يتبدّل هذا الجموح الشمالي إلا بعناصر ثلاثة لا يمكن اختزال الواحدة منها للأخرى، ولو أنّها ساعدت بعضها البعض: تصاعد الضغط الصيني على الشمال، عودة التيار التصالحي مع الشمال للحكم جنوباً، مبادرة ترامب في عز التوتر قبل عام لطرح إمكانية لقائه بالزعيم الشمالي، بل حتى دعوته إلى البيت الأبيض للتفاهم. من الطريف هنا قراءة موقف صحافية محافظة أمريكية، مشهورة بمواقفها إلى جانب اليمين الإسرائيلي، منى شارين، من قمة سنغافورة. ليس لأن شارين «ضليعة» بالشأن الكوري، بل لأنها تعكس «نفسية» معينة. فمنى شارين تعيب على ترامب أنه أتى تحت شعار إسقاط الصفقات الأوبامية الرخوة وفرض صفقات من موقع القوة، لكن بالنتيجة ترامب هو الذي قدّم تنازلات، وقبل بالندّية مع زعيم نظام شمولي مثل كيم جونغ اون، في حين لم يقدّم الأخير أي شيء، ذلك أن تحويل شبه الجزيرة الكورية إلى إقليم خال من السلاح النووي هو أساساً موقف رسمي لكوريا الشمالية، التي لم تعلّق عضويتها في منظمة منع انتشار الأسلحة النووية عام 2003، إلا كموقف ضدّ التهديد الأمريكي لها في إثر إدراج إدارة جورج دابليو بوش لنظامها في عداد ثلاثية «محور الشر».
بعيداً عن منى شارين، ستجد محللين آخرين يتلقفون إغراء المقارنة بين مشهدية «أوباما ـ راوول كاسترو» وبين الصور المبثوثة من قمة سنغافورة، في حين يقارن آخرون بين سلوكيات كوريا الشمالية وإيران. وهنا، بعكس الصهيونية الأمريكية منى شارين، ستجد صحافياً صهيونياً في «جيروزاليم بوست» كعاموس ازائيل، يخوض تحت عنوان «إيران ليست كوريا الشمالية» في الفروقات بين الحالتين، فمن ناحية كوريا الشمالية «دهرية» وإيران «أُخروية»، وبهذا المعنى كوريا الشمالية تخوض معركتها في «الآن والهنا» بحيث أنها يمكن أن تكون عدواً كاملاً إذا اعتبرت أنها يمكن أن تنتزع مرادها بالحرب، لكن إذا رأت الطريق مسدوداً أمامها فإنها لن تلبث حتى تتكيّف، كما أن نظامها «ملكي مطلق» وزعيمها قادر بالتالي على الانفتاح على الأمريكيين دون أن يجد «حرساً ثورياً» له بالمرصاد، وليس لكوريا الشمالية مدى لتدخلها كالمساحة الواسعة لحركة إيران في العالمين العربي والإسلامي.
نحن هنا، بشكل أو بآخر، أمام صيغتين. الأولى: «كوريا الشمالية ليست كوبا»، أي أن تسليفها أوراقاً غير مضمونة هو تسليف غير محمود العواقب، بخلاف كوبا التي لا تمثّل، رغم اختلاف نظامها، أي تهديد للولايات المتحدة. الصيغة الثانية «إيران ليست كوريا الشمالية»، بمعنى أن تعاقبية تصلّب ـ انفراج لا يمكن إسقاطها على النموذج الإيراني، فالنموذج الإيراني «متمدّد»، فيما النموذج الكوري الشمالي «انعزالي بطبيعته». تندرج الصيغتان ضمن منطق المقارنات بين سلوكيات ومآلات «الدول المارقة» في التوصيف الأمريكي منذ عقدين. وهي بهذا المعنى صيغ ليس فقط أيديولوجية، بل أساساً «دعائية». لا يمكن الركون إليها لفهم المسألة الكورية في راهنها وأفقها، كمسألة يرتبط فيها كل مسار نازع للنووي بمسار إنهاء الحرب بين الشطرين وكل مسار على هذا الصعيد بإشكالية إعادة توحيد كوريا لتأخذ مكانها بين الأمم الأسيوية الناهضة، فهذه ليست أبداً إشكالية خيالية بالنسبة لعموم الكوريين، شمالاً وجنوباً. بإغفال الإطار القومي للمسألة الكورية، لا قابلية للفهم، تماماً مثلما أنّه، وأياً كانت الشكوى من سياسات إيران في المنطقة العربية، فإنّ طرح مسألتها «النووية» بشكل معزول عن احتكار إسرائيل الإقليمي للسلاح النووي، يوجد أساساً عميقاً للمكابرة على الفهم. بقي شيء هنا، ليس بتفصيل: لم يحظ النظام الحاكم في كوريا الشمالية بجاذبية «اكزوتية» تقارن بما كان للصين وفيتنام وكوبا في أفئدة المعادين للامبريالية عبر العالم. فقط في السنوات الأخيرة لوحظ شيء من هذا القبيل، بسبب حشر واشنطن لهذا النظام مع الأنظمة التي تناوئها في الشرق الأوسط في خانة واحدة، هذا مع أن العلاقات الكورية الشمالية ـ الإيرانية مثلاً ظلّ تطورها محكوماً بعائق موازنة طهران علاقتها «العسكرية» مع كوريا الشمالية، بعلاقتها «الأجدى» اقتصادياً مع كوريا الجنوبية. كوبا كانت «فردوس» الثوريين بخلاف كوريا الشمالية. حتى عندما حاول اوباما ممازحة راوول كاسترو، فعلها من موقع يريد أن يقول في خلفية متخيلة ما، بأنّهما «تقدميّان في نهاية التحليل». يوحي ترامب بالعكس تماماً هنا، يوحي بأنّه استعاد نظرية «جوتشيه» الكورية الشمالية على طريقته، نوع خفيّ من التلاقي الأيديولوجي بين القوميين الشعبويين.
11HAD

قمّة سنغافورة: بين الإطارين العالمي والقومي للمسألة الكورية

وسام سعادة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية