أثار مسلسل «يوسف الصدّيق» الذي يعرض في التلفزيون التونسي «نسمة» بالعاميّة التونسيّة، لغطا كبيرا في الصحافة وفي مواقع التواصل الاجتماعي، بل سجالا لا نخاله سينقطع قريبا. وقد رأى فيه كثيرون دارجة رخيصة تفتقد المقدرة على قوّة الوصف والتحليل، ولا تشارف روح النبيّ في جلالها وقداستها؛ وكأنّ الأنبياء في تقدير هؤلاء لا يتكلّمون إلاّ لغة فنّيّة عليا، أو هم ليسوا من معدن عامّة الناس في معيشهم وشؤون حياتهم؛ أو لا يقاسون بمقياسهم. والحقّ أنّنا لا نملك شيئا يؤبه له؛ عن لغة النبي يوسف وما حفّ به من أساطير، ولا هو تكلّم هذه الدارجة التونسيّة، ولا العربيّة الفصحى.
على أنّ ما يعنيني في السياق الذي أنا به، أنّه كانت إلى جانب الفصحى أو عربيّة الشعر والأمثال والخطب والحكم، لغة دارجة هي لغة التّعبير اليوميّ واللسان المتداول أو ما نسمّيه لغات العرب ولهجاتهم. بيد أنّنا نكاد لا نعرف شيئا عن هذه «العربيّة» التي كانت متداولة في هذه الأوساط. ونكاد لا نملك عنها إلاّ طوائف متفرّقة من الأخبار تتعلّق بظاهرة اللّحن والدّخيل والأخطاء اللّغوية التي شاعت بنسبة أو بأخرى في بيئات العلماء والكتّاب والشّعراء؛ ويمكن أن نحملها على أنها من أثر العربيّة المحكيّة أو المولّدة فيهم.
وكان لبعض علماء اللغة موقف محمود، فقد فسح الكسائي في العربيّة للغات «اللّهجات» الشاذّة أو النّادرة عكس سيبويه؛ وتوسّع في قواعد النّحو والصّرف حتّى تشمل القراءات جميعها، معتمدا مبدأ الاتّساع في الرّواية والقياس ومخالفة البصريّين، وما إلى ذلك من المسائل الخلافيّة التي لا يتّسع لها مقالنا. ولكنّها تعزّز من وجاهة القول بأنّ العرب خاصّتهم وعامّتهم لم يتكلّموا بهذه الفصحى المعربة إلاّ في فضاءات مخصوصة. وأمّا حرصهم عليها في كلّ ما دوّنوه، فقد كان من حرصهم على القرآن حتّى يظلّ مقروءا أبدا مفهوما أبدا. ومن ثمّة جرت كتبهم وسائر مصنّفاتهم على نسق واحد يكاد لا يختلف في الجملة. فهي أخبار وأشعار ولغة وجمع وتحقيق؛ تتطابق كلّها في وصف لغة «ثابتة « تكاد لا تتغيّر معالمها ولا أبنيتها. فلا غرابة أن صارت لغة القرآن هي الحكم بين اللغات والمقصود بها لهجات العرب.
يقول ابن خالوبه: «قد أجمع النّاس أنّ اللغة إذا وردت في القرآن فهي أفصح ممّا في غيرها، لا خلاف في ذلك». وواضح من كلامه أنّ هناك لغات أو لهجات أخرى، لكنّها لا تجاذب لغة القرآن في فصاحتها. والمسألة عنده وعند غيره تتعلّق بحكم قيمة أي بجودة اللغة وحسن المنطق؛ وليس بالاستعمال.
وما يستوقفنا في القرآن مثلا من آيات «حواريّة» يُسند فيها الكلام إلى قائله على نحو ما نرى في سورة يوسف وفي سورة مريم على لسانها ولسان قومها وابنها المسيح، وغيرهما مثل حوار الله مع إبليس؛ إنّما هي ممّا يسمّيه المفسّرون «الإخبار عن القول» و»حكاية القول» ويسمّيه المعاصرون «الخطاب المنقول»؛ أي أنّها حوارات لا تقع إلاّ في النصّ، ولا يمكن أن تقع خارجه؛ لأنّ الناس لا يتكلّمون في واقعهم ومعيشهم بمثل هذا الكلام المقفّى الموقّع الذي تنتظمه فواصل وأسجاع. وقس على ذلك سائر مصنّفات العرب مثل «الأغاني» وغيرها من روايات وأخبار مكتوبة بفصحى فنّيّة؛ فهي ليست إلاّ صياغة كتّابها أو الذين نقلوها من اللّهجة إلى اللغة. وما إشارات القدماء إلى استعمال عبارات عاميّة ورطانة نبطيّة في الشعر القديم وخاصّة المحدث، سوى دليل من بين أدلّة أخرى على هذه اللغة «الثانية» أو «العاميّة» أو «المولّدة» التي لم يقف التّأثرّ بها أو باللّهجات واللّغات الأخرى عند حدود اللّغة، بل تعدّاها إلى الأوزان الشعريّة الشعّبية، فقد نظمت قصائد على نمط شعراء الأدوار والمزدوج والدوبيت والرّباعي.
وتسترعي انتباهنا من هذه المسألة جملة أمور من أهمّها أنّ تصنيف الظّواهر اللغويّة عند العرب كان أساسه المعياريّة والمحافظة على فصيح الكلام. ولم يكن الهدف منه وصف قدرة المتكلّم أو كفايته اللّغويّة، وإنّما صوغ الأحكام التقييميّة، وتحرّي الصواب من الخطأ. ولم يكن بميسور الدّراسات اللغويّة والنّحويّة أن تتخلّص من حبائل المعياريّة، وهي التي خضعت لمقتضيات استعمال لغويّ مخصوص كانت تحكمه قيود دينيّة وأوضاع اجتماعيّة وثقافيّة شتّى. وكان غرضها أوّل الأمر خدمة التّفسير القرآني، ثم جنحت عن هذا القصد إلى «التّهذيب اللّغويّ « وإهمال ما لا توافق لغة القرآن وعربيّة الشعر، فقد كانت عندهم من العربيّة المولّدة أو العاميّة.
والكتب المؤلّفة في لحن العامّة تؤكد هذا المنحى؛ فقد كان غرضها إثبات الصّواب اللّغويّ وليس وصف كلام الناس. وربمّا زكّى هذا الوصف أنّ كثيرا من المصنّفات في اللّغة والنّحو والبلاغة كان دافعها نزعة تعليميّة واضحة تنشد من جملة ما تنشده، تمهيد طرائق تعليم الكتّاب أساليب الكتابة وتجويدها، أو تمكين الكاتب الناشئ من أسرار اللّغة وتطويعها له، ومن الاقتدار على ضروب الكتابة والتصّرف في فنونها. وكان المتقدّمون يسمّون هذه الكتب أدبا، فقد كان ذلك هو رسم الأدب في عصرهم. فكان من البديهيّ أن «تفرض» هذه المصنّفات الاستعمال الذي تعدّه أنموذجا للغة المثال أي اللغة المكتوبة وليس لغة الاستعمال اليومي. ومن الصّعوبة بمكان الإقرار بأنّ العربيّة كما نعرفها من الشّعر القديم تساوي تماما في كلّ شيء لغة البدو أو عامّة الناس. وهذه العربّية التي تضمّ أشعار أهل الجاهليّة وكلام الفصحاء والحكماء من العرب وكلام الكهّان وأهل الرّجز والسّجع وغير ذلك من بلاغتهم وصنوف فصاحتهم؛ لغة فنيّة خالصة كانت قد ترفعّت عن لهجات الخطاب اليوميّة منذ زمن بعيد أي قبل ظهور الإسلام بكثير. ولكن دون أن يسوق ذلك إلى خلوّها من أيّ أثر لهذه اللّهجات. والأقرب إلى الحقّ أنّ هذه اللّهجات كانت من الفصحى بمنزلة العامّية ولغة الحياة العامّة. وهذا رأي نسوقه بكثير من الاطمئنان ولا يضعّفه ما نعرفه عن أهل اللّغة والنّحو من علماء العربيّة الذين ظلّوا حتّى القرن الرّابع للهجرة يترحّلون إلى البادية ويلتزمون صحبة الأعراب للاستعانة بهم على كشف مكنونات اللّغة والنفاذ إلى أسرارها. فاللّغة التّي كانوا ينشدونها إنّما هي لغة الشّعر القديم، وليست لغة التّخاطب عند هؤلاء البدو. ولا أحد منهم حفل بهذه اللّغة أو جعلها والفصحى نسجا واحدا وكيانا بعضه من بعض.
ولكن أن يستخلص من ذلك أنّه لا وجود للغة بلا إعراب عند البدو على الإطلاق، فأمر غير مقبول وحجّة واهية كما يقول أنطون شبيتالر.
وفي حديث اللّغويين عن «السليقيّة» ما يؤكّد أنّ الاختلاف كان يضيق أو يتّسع بين الفصحى ولغة التّخاطب عند البدو. فإذا كانت الأولى معربة تكتسب بالدّربة والمراس والرويّة؛ فإنّ الثّانية متحرّرة من علامات الإعراب وتصاريف القواعد جريا على السّليقة. وربّما كان هذ ا «التحرّر» القاسم المشترك المميّز بين العربيّة المولّدة أو العاميّة ولغة التّخاطب عند البدو. وفي ما عداه احتفظت كلّ منهما بقواعدها وأعرافها وطرائق أدائها.
من المفيد إذن أن نميّز لغة الشّعر القديم من لغة الخطاب اليوميّة دون أن نفصل بينهما الفصل كلّه، والأقرب إلى الصّواب أن نقول إن ّ كلاّ منهما أثّرت في الأخرى، إذ كانت الفصحى تجري عل ألسنة المتحدّثين بهذه اللّهجات مثلما كانت اللّهجات تجري على ألسنة المتكلّمين بالفصحى. فالجاحظ مثلا يروي نوادر الأعراب معربة إعرابا كاملا، ويتصنّع اللّحن في أخرى بما يناسب الموضوع. ويبدو أنّ استعمال الإعراب خارج المحيط العلمي، كان يعدّ على عهده، تقعّرا وتشدّقا.
وحاصل الرأي أنّ العربيّة الفصحى المعربة لغة كتابيّة لم يتكلّم بها العرب إلاّ في فضاءات مخصوصة. وخير دليل لما نسوقه أنّ الكتابة لا تملك ـ كما يقول علماء اللغة ـ ما يملكه المتكلّمون من تعبيريّة الجسد؛ من حركات ونغمة في الصّوت توضّح الكلام الملفوظ، ومن ثمّة كان لزاما أن تستخدم في دقّة قواعد النّحو ومفردات اللّغة استخداما محكما وإلاّ جاءت غامضة غير مفهومة.
واللغة المكتوبة لغة خاصّة لا علاقة لها باللّغة المنطوقة، كأنْ تكون لغة دينيّة أو لغة شعريّة كما هو الشأن في العربيّة الفصحى حتّى أنّ بريتوريوس يعدّها «لغة فنيّة خالصة» تعلو بما لها من طبيعة مميّزة على كلّ اللّهجات. فإذا كان النبيّ يوسف يتكلّم بـ»التونسي»، فهذا سائغ مقبول؛ ولكن شريطة أن تكون هذه المحكيّة التونسيّة، فنيّة محكمة؛ لأنّ الأمر يتعلّق بعمل فنّي يفترض أن تكون له عاميّته المخصوصة لا المبتذلة. وهذا ما قصّر فيه أهل «الدبلجة»؛ فكان فؤاد يوسف من «الأنبياء» ولكنّ لسانه أو اللون التونسي المحلّي، أزرى به وأنزله سهل الأباطح.
كاتب تونسي
11RAI
منصف الوهايبي