أمي التي ذهبت مع الريح الجنوبِ..
وربما ذهبت مع الريح الشمالِ.. وربما
تركت لنا في درج زينتها.. مسابحَها
وللأختين أقلامَ الحواجب..
مشطَ ترس سلاحفٍ.. أو آبنوسٍ ربما
قُرطينِ.. مرآةً ومكحلةً..
ولي أعوادَ عسلوجٍ على طرقي..
التي ذهبت مع الريح الجنوبِ..
وربما ذهبت مع الريح الشمالِ..
تُدَلل الكلماتِ حين يخامرُ الكلماتِ سُكرُ النومِ..
وهي تعد أزرارَ القميصِ..
(تقول هل مزقتهُ؟ ولعبتَ! نَم! النوم مثل الموتِ قوتٌ)
ثم تسحب جسمَها كالظل..
وهو يذوبُ في ساقِ البنفسجِ في حديقةِ بيتنا..
تتغيرُ الأشياءُ حين تنامُ..
نحن هناكَ كالأشياء منسيونَ..
وهي تنامُ مثل الناسِ حتى لا زمانَ لها..
إذن
هذا المكان؟ أكان لي وحدي؟ أأمكنه الرحيلُ؟
ونحن في حلباتهِ كنا ندورُ..
أأقصرُ الطرقاتِ أطولُها إلى بيتي؟
ولي الزيتونُ ذاكرةُ الطبيعةِ.. لي عساليجُ النخيل..
قراقفُ البستانِ لي.. زرقاءُ.. أو فحميةٌ.. سوداءُ..
لكن أين مصحفُها الصغيرُ بخطهِ الثلُثي؟
لم تحفظ من القرآن غيرَ قصاره.. أمي..
وليس يفك عجمتهُ لها من لكنةٍ بدويةٍ فيها.. وفي.. سواي
٭٭٭
والآن حيث الأرضُ كل الأرضِ قبرٌ فارغٌ
من زهرةِ الصيف اليتيمةِ في حقول نيابوليسَ
إلى عساليجِ النخيلِ.. إلى عرَار الصمةِ.. النجدي.. ما بعد العشيةِ..
في مقيل القات في صنعاءَ..
(أذكرهُ.. نهاياتِ الثمانيناتِ.. أذكرُ صيفَها..
مُصعدا فيها وصدري ضيقٌ حرجًا..
وهم يستحلبون القاتَ..كنتُ أفت حزمتهُ..
أقول لعلها أوراقُ ليمونٍ)
إلى عدنٍ.. يحمضها هواءٌ داكنٌ..
طفحٌ على الخرنوب.. بني..
إلى قثاءِ مصر وبقلها..
الآن حيث الأرضُ كل الأرضِ قبرٌ فارغٌ..
من ناطحاتِ الأرز في لبنانَ.. سهمِ السرو في حرمونَ..
بيتِ الدلب في الأردن
(قل هل كان دلبا ما رأينا أم حبالَ صنوبرٍ؟)
والوقت ما بعد الظهيرة كان..
حيث المغطسُ النهري.. جرفٌ ناتئٌ ..
دغلٌ من الأعشاب في متعاكسِ الطرقاتِ..
يفضي بي إلى أبديةِ الصحراءِ..
حيث ذوات أجراسٍ تهس لنا..
إلى البلشونِ يغرزُ في غَرينِ الرمل ساقًا (هل يجف النيلُ؟)
لي نعلان ينزلقان حيث العشبِ يملأ كل سبختهِ..
ويهرب في فوانيسِ البواخرِ..
كنتُ منتظرًا نبيذَ النهر في قِدرٍ من الفخار..
منتظرًا سلالَ الخوص تحمل لي أنا المشاءَ أسماكًا..
إلى الوبَرِ المبقعِ فوق ظهرِ النهرِ..
والثورِ المجنحِ في سماءِ الرافدين..
إلى غراس الوردِ (وردكِ في أريحا)..
لي أنا خشبُ الورود ترابَ أمواتٍ نديا لم يزل
أنى نزلتُ مُعفرًا نومي
تُراهُ بنفسجيا!
من قميص النوم.. نومكِ.. أنتِ.. في مراكش الحمراءِ..
في الأوراس!
ذا لونٌ له حدان مثلكِ: أن نحب.. ولا نحب..
ونحنُ إذ نتسلق الأسماء كالأيام.. كالأعوام.. عند الحب..
ننسى زهرةً قطنيةً ستذوبُ.. في زبدٍ يسيحُ.. نقولُ كيفَ بها؟
وليست زهرةَ العشاق هذي.. بل زجاجُ عقيقِها..
٭٭٭
هل ثم فوق رصيف تحميل السفائنِ
غيرُ أصواتِ المحارةِ..وهي تقطر في المياهِ دمًا؟
وماءِ النيل هذا الأخضرِ المصفر..
هذا الأخضرِ المزرق.. لونًا ذاهبًا؟
هل ثم غيرُ رنين فولاذٍ على طرق الخيول؟
الآن حيث الأرضُ كل الأرضِ قبرٌ فارغٌ..
تبكي عليه المجدليةُ في جناح كنيسةٍ منسوفةٍ في الشامِ..
قل لي أي داليةٍ ستحرثُ يا وهيبي.. والشتاءُ يهل..
كل مسافةٍ عينٌ.. وتلك عروقهُ سوداءُ.. أو زرقاءُ..
أنجمهُ النديةُ خبرتني.. الطيرُ خبرني..
وأمي خبرتني..
الآن حيث الأرضُ كل الأرضِ قبرٌ فارغٌ..
لا تنسَ حين تخط.. أسراب الفواصلِ والأهلةِ..
أو علاماتِ التعجبِ والنقاط..
وهذه عربيةُ الأعرابِ.. والشعراءُ لا يأتونها أبدا من الأبوابِ..
هم يتسللون من النوافذِ لا يزيحون الستائرَ..
يفسدونَ عليكَ نعمةَ نومِها..
٭٭٭
قمرٌ يطل على المدينة كستنائيا.. ينير نداء أمي في البراري
حيث أغنيةٌ لها خرساءُ (رُقيتُها) تفيضُ على جبال القيروانِ..
وكنتُ أُسني إبرةَ الراعي.. ولي بتلاتُها الخمسُ الصغيرةُ:
قرمزٌ يبيض
أو يزرق لي
إذ تستريحُ الأرضُ بين ندائها وصداي
٭ شاعر تونسي
6shr
منصف الوهايبي