جبل مرّة في السودان جمال طبيعي فريد

حجم الخط
2

الخرطوم ـ «القدس العربي»: تعتبر منطقة جبل مرة في دارفور غربي السودان من أجمل المناطق على مستوى العالم وأكثرها تنوعا في الطبيعة والمناخ، وقد طغت أخبار المعارك والقتال في السنوات الأخيرة على هذا الجانب.
والمنطقة ليست مرتفعا جبليا واحدا كما يبدو من الاسم، بل تمتد إلى مساحات شاسعة تبدأ من مدينة كاس جنوباً إلى ضواحي الفاشر شمالاً، وتغطي مساحة 12.800 كلم. ويتكون الجبل الممتد من سلسلة من المرتفعات بطول 240 كلم وعرض 80 كلم، تتخللها الشلالات والبحيرات البركانية، ويعد ثاني أعلى قمة في السودان حيث يبلغ ارتفاعه 10.000 قدم فوق مستوى سطح البحر.
المنطقة التي يمتد فيها الجبل مأهولة بالسكان الذين يعيشون حياتهم في بيئة تتميز بطقس معتدل يغلب عليه طابع مناخ البحر الأبيض المتوسط، وهو أمر نادر في السودان، ويتيح هذا المناخ، إضافة لاستمرار هطول المطر لفترات طويلة، خاصية التنوع وزراعة الفواكه مثل الموالح والتفاح ونمو غابات متشابكة، كما أن هذه الأمطار الغزيرة توفر إمدادا مائيا مستمرا للأراضي الزراعية ما يجعل تربتها صالحة لزراعة المحاصيل الغذائية مثل الذرة والدخن.

غذاء طبيعي ومياه نقية

ويقول نجم الدين دريسة وهو يشغل وظيفة وزير الحكم المحلي في ولاية وسط دارفور التي تتبع ثلاث محليات منها لنطاق جبل مرة، إن المنطقة تتميز بجمال طبيعي خلاّب بسبب ارتفاعها الذي يصل لأكثر من 3000 ألف متر فوق سطح البحر، يضاف إلى ذلك التنوع المناخي واستمرار هطول المطر لفترات طويلة ووجود الشلالات والغطاء الأخضر الممتد على مد البصر، ويمتزج كل ذلك بتراث إنساني عميق وممتد عبر التاريخ، وهي بذلك منطقة أثرية إضافة للبُعد السياحي فيها الأمر الذي يجعلها منطقة عالمية في هذا المجال.
ويصف دريسة طبيعة الحياة في جميع مناطق جبل مرة بالمثالية من حيث الاعتماد على الطبيعة في الغذاء والمياه النقية الصحية حيث يعتمد الناس فيها على الزراعة التي لا تحتاج لأي إضافات كيميائية، إلى جانب الهواء الطبيعي المنعش وينابيع المياه التي تستخدم في العلاج.
ويقول إن المنطقة لا تضم قبائل دارفور المعروفة وحدها، بل هي نسيج اجتماعي فريد يضم معظم قبائل السودان، وتعتبر بذلك منطقة حضارة متكاملة وثقافات متنوعة انصهرت في الإطار العام للتكوين الثقافي والاجتماعي الموجود في دارفور.
ويرى وزير الحكم المحلي في ولاية وسط دارفور، أن المنطقة يمكنها أن تحقق عائدا اقتصاديا كبيرا إذا تم تطويرها من حيث البنى التحتية والخدمات السياحية، خاصة كونها تجمع بين مقومات الطبيعة البكر والحياة البرية والإنسان الكريم المتسامح الذي يتقبل الآخر.

قمم عديدة

ويبدأ ارتفاع المنطقة تدريجيا مع وجود قمم متعددة تنتشر فيها العديد من البحيرات البركانية التي تكونت على مدى السنين بسبب امتلاء الفوهات البركانية بمياه الأمطار، ومن تلك المصادر المائية شلال قلول وشلال نيرتتي ومرتجلو وسوني.
الغابات الكثيفة والشلالات الدائمة خاصة في منطقة قلول، أوجدت بيئة مناسبة للحياة البرية والحيوانات النادرة وتوجد حظيرة الردوم للحيوانات البرية إضافة إلى بحيرة كندي التي تعتبر من أهم وأبرز مناطق تجمع الطيور البرية المستوطنة والمهاجرة.
وتقع محمية الردوم في ولاية جنوب دافور وهي تنفرد بالطبيعة الخلابة وتزدان ببحيرة كندي للطيور المائية ويمكن الوصول إليها براً أو جواً إلى نيالا ومن ثم مواصلة الرحلة إلى الردوم. ومن أبرز الحيوانات الموجودة في الحظيرة: البقا الأكبر وأبو عرف والتيتل والكتمبور والحمراية والمور والبشمات وغزال سنجة والأسد والنمر وكلب السمع والحلوف أبو نباح، كما توجد العديد من الطيور المقيمة والمهاجرة.

أغاني جبل مرة

ومن الأغنيات التي تعبّرعن جمال هذه المنطقة أغنية «مرسال الشوق» التي كتبها الفنان عبد الكريم الكابلي وأهداها للفنان أبو عركي البخيت وتقول كلماتها: «مرسال الشوق يا الكلك ذوق، أغشى الحبان في كل مكان، وقول ليهم زرنا جبل مرة، وعشنا اللحظات حب ومسرة، بين غيمة تغازل ضل زهرة، وخيال رمانة على المجرى» ويغني الفنان خليل اسماعيل أغنية خالدة يقول فيها: «في سوني بغرب الجبل.. تشعر كانك جوة جنة.. سوني العروس في كرنفال.. مزدانة في روعة ونضار. عالم عجيب وجمال سحرنا».

مطر مستمر

ويكثر هطول المطر على امتداد المنطقة وتمتد كمية المطر بين (500-1000) ملم وتصل إلى أقصى درجة في اتجاه الغرب وفي المناطق التي ترتفع عن 200 متر عن سطح الأرض. وأدى هطول المطر بكثافة لظهور العديد من الأودية أكبرها وادي أزوم الذي يصب في بحيرة تشاد وهناك وادي ايدا ووادي الكوع وأودية بليل وسندو وكايا وقندي، ويعتمد السكان المحليون على هذه الأودية في زراعة الفواكه والخضراوات اعتمادا على مخزون المياه ويؤثر الغطاء النباتي المستدام في عملية الجذب السياحي.
وإضافة للجانب الجمالي والسياحي في منطقة جبل مرة، تتميز المنطقة بالعديد من الموارد وقد ذكرت وزارة المعادن السودانية العديد من التقارير التي تثبت وجود ثروات معدنية هائلة في المنطقة مثل الذهب واليورانيوم والمنغنيز والبترول، وأعلنت مؤخرا إحدى الشركات الألمانية نتائج مسح جيولوجي أكد اكتشاف كميات تجارية من البترول واليورانيوم والذهب ومعادن أخرى ومياه جوفية في المنطقة، يضاف هذا إلى الدراسات السابقة التي تشير إلى أن إقليم دارفور يحتضن كميات هائلة تعادل أنهاراً من المياه الجوفية هذا بخلاف الذهب الذي تشير الدراسات الأولية إلى وجود احتياطات كبيرة منه في جنوب دارفور وغيرها.

أنواع نادرة من الزهور

ويرى الصحافي أنور شمبال، أن الإمكانات الموجودة في جبل مرة لم تستغل حتى الآن ولو في حدها الأدنى. ويصف قمة الجبل بأنها من أجمل المناظر في العالم ويضيف «أن منطقة جبل مرة فريدة في تكوينها ومناخها وإنسانها حيث تضم نباتات وأشجار غير موجودة في بقية أنحاء السودان مثل التفاح والكروم إضافة لأنواع نادرة من الزهور تنتشر في الصخور وتشكل مشهدا في غاية الجمال ويزيد المنظر روعة في أنواع الزراعة على المدرجات الجبلية ووجود الشلالات والنبات المتسلقة خاصة في فصلي الشتاء والخريف الذي يعتدل فيه المناخ وتهطل الأمطار بشكل دائم».
ويرى شمبال أن الحكومات المتعاقبة أهملت المنطقة بشكل كبير ولم تستفد من الموارد الموجودة في ظاهر الأرض وباطنها، ويقول إن الحكومة الحالية ساهمت بشكل أكبر في ذلك من خلال الحرب التي أثرت بشكل واضح على الاستقرار في المنطقة ومن خلال تدميرها لأهم مشروعين فيها وهما مشروع جبل مرة للتنمية الريفية المدعوم من بعض الدول الأوربية ومشروع السافنا.

معوقات السياحة

ويرصد الباحث عبد الله محي الدين، من جامعة الخرطوم، معوقات السياحة في منطقة جبل مرة والتي أجملها في عدة نقاط على رأسها البنى التحتية المتمثلة في خدمات النقل والمواصلات. وتوصل عبر دراسة ميدانية إلى أن 45 في المئة من السياح يتنقلون سيرا على الأقدام و15 في المئة منهم عبر الدواب و5 في المئة بالسيارات الخاصة و35 في المئة عبر وسائل النقل العام.
وأشار إلى أن المعوّق الأساسي للسياحة في الفترة الأخيرة هو انعدام الأمن، إضافة لضعف الخدمات الصحية وخلو الكثير من المناطق من التيار الكهربائي وضعف خدمات الإيواء، مشيرا لتحسن خدمات الاتصالات بنسبة 95 في المئة.
وأشار الباحث لاشكالية واضحة في التسوق نسبة لوجود أسواق دورية (ليست يومية) وتدني الخدمات التسوقية المناسبة للسياح وصعوبة حصولهم على المواد الغذائية المناسبة لهم إضافة لقلة الخدمات الترفيهية نسبة لطبيعة سكان المنطقة وثقافتهم وتقاليدهم المحافظة ويصل إلى التقصير الحكومي في الترويج وغياب الإعلام السياحي.

إيرادات السياحة

يتميز السودان بإمكانيات كبيرة في مجال السياحة، لكن لا يستفاد منها لأسباب عديدة، ورغم التقدم الذي حدث في إيرادات السياحة خلال العامين السابقين، فإنّ الكثير من الخبراء يرون إمكانية مضاعفة هذه الأرقام.
فقد شهدت السياحة السودانية تطورا في الأعوام الماضية، ففي عام 2014 حققت أكثر من 855 مليون دولار بنسبة زيادة بلغت 19.3 في المئة عن العام 2013 فيما بلغ عدد السياح للعام ذاته نحو 683.618 سائح بنسبة زيادة بلغت 19.1 في المئة عن العام السابق وارتفعت إيرادات السياحة في 2015 إلى 930 مليون دولار وبلغ عدد السائحين 700 ألف.
ولتحقيق السودان أقصى فائدة ممكنة من السياحة، عكفت مجموعة من الخبراء على تحديد المواقع السياحية التي يمكن ضمها لقائمة التراث العالمي ليتوفر لها ـ بذلك ـ الدعم والحماية الكافية، وتشارك في هذا العمل وزارة السياحة، اليونسكو (الوطنية والعالمية) والهيئة القومية للآثار ومختصون في هذا المجال.
واعتبر الخبراء أن سلسلة جبل مرة في وسط وجنوب دارفور، من المناطق المدهشة، حيث يصل ارتفاعها لأكثر من ثلاثة ألف قدم فوق سطح البحر، وتتميز بمناخات متعدّدة، وبحيرات بركانية وآثار من العصر الحجري القديم، لكنها تأثرت بالنزاعات المسلحة وأصبحت غير آمنة.
وتتمثل فرص الاستثمار في المنطقة حسب الخبراء والمختصين في زيادة الطاقة الإيوائية وتأهيل وتحديث القرى السياحية في جبل مرة وإقامة معسكر سياحي دائم بالردوم وإنشاء مركز رياضي في جبل مرة لممارسة رياضة تسلق الجبال إضافة إلى إقامة فنادق علاجية في مناطق المياه الكبريتية وكذلك إقامة مركز سياحي على بحيرة كندي لهواة صيد الطيور ليكون في الوقت نفسه مركزا لدارسي ومتابعي حركة الطيور المهاجرة إضافة إلى إنشاء وتأهيل حدائق للحيوان ومتنزهات عامة ومشاريع ترفيهية.

جبل مرّة في السودان جمال طبيعي فريد
طمسته أخبار الحرب
صلاح الدين مصطفى

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية