هزيمة مجلجلة في درعا: هل شاهد أحد وثيقة الاستسلام؟

حجم الخط
2

منهل باريش: أعلن الدكتور نصر الحريري، ظهر الجمعة، أن هيئة التفاوض سلمت «قائمة مرشحيها للجنة الدستورية للمبعوث الخاص للأمم المتحدة». وتزامن الإعلان مع توجه 15 ممثلا عن «لجنة المفاوضات» إلى بلدة بصر الشام شرق درعا للقاء الوفد الروسي من أجل مناقشة اتفاق الاستسلام هناك. ربما تعمد رئيس الهيئة العليا للتفاوض هذا التوقيت لتخفيف حدة الانتقادات الموجهة، وانشغال السوريين بمعارك الجنوب والمفاوضات التي ستبدأ بعد قليل.
في الواقع، كان تصريح المتحدث باسم الخارجية التركية، حامي أقصوي، أن المعارضة السورية أرسلت أسماء ممثليها في اللجنة الدستورية إلى المبعوث الأممي، ستيفان دي ميستورا، هو من أحرج الهيئة ودفعها لإعلان تسليمها قائمة مرشحيها للجنة الدستور حسب مخرجات مؤتمر سوتشي، الذي رفضت المعارضة المشاركة فيه، لكنها التزمت ما يتربت عليها طواعية.
عسكرياً، انهارت جبهات شرق درعا كاملة، وبدأ السقوط غير المتوقع في منطقة اللجاة ومن ثم إغلاق الكريدور الواصل بينها وبين درعا جنوبا مع سيطرة قوات النظام على بصر الحرير ومليحة العطش، وسقوط بلدات الصورة والحراك والمليحيتن الغربية والشرقية، وهي الممتدة على محور بصرى اذرع. ومع التقدم السريع هذا في شرق درعا، نجح وجهاء ابطع وداعل بتسليم البلدتين إلى النظام السوري في ريف درعا الغربي، على طريق دمشق درعا القديم. في حين فشل في التقدم عسكريا على طفس رغم القصف العنيف، حيث صدت فصائل الجيش الحر عشرات محاولات الاقتحام خلال أسبوع واحد ودمرت هناك عددا كبيرا من دبابات وآليات النظام بصواريخ تاو، مضادة الدروع.
واستمر التقدم جنوباً، وسقطت الغارية الشرقية والكرك وام ولد في ساعات قليلة، ولاح سقوط كامل الريف الشرقي في الأفق، عندما سيطرت قوات النظام والميليشيات الإيرانية على طريق بصرى الشام ـ درعا، إذ رصد إطلاق ناري بعد سقوط المسيفرة (شمال الطريق) ومن ثم السيطرة على السهوة وكحيل، وصيدا، وتقدمت قوات العميد سهيل الحسن، من مدينة درعا لتحكم سيطرتها على بلدة نعيمة المجاورة لمدينة درعا، والتي تعتبر أحد أبرز معاقل الجيش الحر في تاريخ الصراع المسلح في درعا، وتقدمت بعد إتمام سيطرتها على النعيمة شرقا باتجاه صيدا وطريق دمشق ـ عمان وطردت مقاتلي الجبهة الجنوبية من مزارع الشرعة، واللواء 38 دفاع جوي، غرب بلدة صيدا واللواء 99 ، شمال بلدة النعيمة بعد مواجهات عنيفة مع الفصائل التي اتخذت من تلك القطعات العسكرية مقرا لها.
وتقدم النظام على الشريط الحدودي الممتد من السويداء شرقا باتجاه معبر نصيب، وانتشرت شرطته العسكرية وجيشه على كامل الحدود الأردنية السورية، وبسطت سيطرتها على 9 مخافر حدودية ضمن حدود محافظة درعا الإدارية، هي المخافر التي تبدأ عند النقطة 71 في منطقة الجمرك السورية، وصولاً إلى النقطة 79 بعرض يمتد بين 1 كم إلى 3 كم عن الحدود الأردنية، أحكمت خلالها قوات النظام مع عناصر الشرطة العسكرية السيطرة على كامل الحدود مع الأردن من جنوب السويداء وصولا إلى المنطقة الحرة شرق والجمرك في معبر نصيب. وعزلت عشرات القرى جنوب بصرى الشام عن الحدود الأردنية، أهمها صماد، سمج، أرض الأطرش، طيسيا، خربة قولوة، أبو قطونة، المشافي، أبو راس، السماقيات، العمان، ندى ومقتلة القريبة من المخافر الحدودية.
وشهدت حوران أشد حملة قصف على الإطلاق منذ تدخلها في الحرب السورية في أيلول (سبتمبر) 2015. فقد تعرضت يومي الثلاثاء/ الاربعاء إلى مئات الغارات الجوية، وعشرات آلاف صواريخ الراجمات والمدفعية.
وتسببت الغارات في نزوح ما قدرته المنظمات الإنسانية بقرابة 320 ألف نازح فروا إلى الحدود الأردنية وإلى محافظة القنيطرة قرب الجولان السوري المحتل. عاد منهم قرابة 10 آلاف نازح توجهوا إلى بصرى الشام وأريافها، فيما ينتظر عشرات الآلاف انسحاب النظام من المسيفرة والجيزة والسهوة وكحيل، حسب التعهد الروسي لوفد الفصائل المفاوض في قلعة بصرى الشام الأثرية، حيث جرت المفاوضات بين الطرفين.
في السياق، ما زال الغموض يلف فحوى الاتفاق، ولم ينشر أي من الأطراف نص الاتفاق الذي جرى بين روسيا، وحضره اللواء ألكسندر سلوفيتش وقادة الفصائل الـ15 الذين اجتمعوا معه أربع مرات متتالية في قلعة بصرى الشام. ويزيد الطين بلة، أن كل القادة لم ينشروا نص الاتفاق الذي وقعوا عليه، حتى وسائل الإعلام العربية الكبرى التي نشرت أبرز ملامح الاتفاق لم تحصل على وثيقة الاتفاق، وهو ما يثير علامات استفهام كبيرة على ما تم القبول به. واعتبر بند «تسليم السلاح الثقيل» و «تسليم معبر نصيب الحدودي» وضم مقاتلي المعارضة إلى «الفيلق خامس ـ اقتحام» إضافة لعودة «مؤسسات الدولة» في كامل الجنوب السوري، وغابت التفاصيل المتعلقة بالسلاح الخفيف للمقاتلين والمدنيين، حيث تقدر أعداد السلاح الفردي المنتشر في الجنوب بما يزيد عن 300 ألف بندقية كلاشنيكوف، عدا عن باقي أصناف السلاح الفردي الخفيف والمتوسط.
ويعتبر مصير المقاتلين أحد أبرز نصوص الاتفاق خطورة، كونه يطال حياتهم الشخصية بشكل مباشر، في حال وافقت المعارضة على البند المتعلق بالسماح للشرطة المدنية، باعتقال من تطلبه النشرات الشرطية المعممة في وزارة الداخلية لدى النظام السوري، والمتعلقة بالمطلوبين جنائياً. هذا ولم يعرف فيما إذا وافق قادة الفصائل على تسليم جداول وذاتيات المقاتلين المندرجين في «الجبهة الجنوبية» أو تخلى الروس عنه.
وفي تفاصيل السلامة الشخصية، لم يشر إلى البند المتعلق بالعفو العام عن المقاتلين، وموضوع اقتيادهم إلى الخدمة الإلزامية في جيش النظام السوري.
إلى ذلك، تبقى مسألة السماح بتهجير من رفض الاتفاق إلى محافظة إدلب، شمال غرب سوريا، واحدة من أكثر المسائل حساسية أيضاً. وأشارت الأخبار المتواترة إلى أن روسيا وافقت على اخراج 7 آلاف مقاتل دون أهاليهم، لكن لم يتم تأكيد ذلك حتى اللحظة.
وقالت مصادر عسكرية في وقت سابق لـ«القدس العربي» أن روسيا تريد ابعاد مقاتلي حركة «أحرار الشام» الإسلامية وهيئة «تحرير الشام» و «جند الملاحم» من الجنوب السوري الآن.
ويعود السقوط العسكري السريع والصادم في حوران إلى عدة أسباب:
أولا، التدخل الروسي العسكري المباشر، قبل الاتفاق وخلاله. ونقل عن أحد المفاوضين أنه بعد رفض قائد فرقة «أسود السنة» محمد المحاميد الملقب «أبو عمر الزغلول» تسليم السلاح الثقيل، هدده اللواء الكسندر بقصف درعا بـ 40 طائرة سوخوي، وهو ما حصل فعلا بعد أقل من ساعة على انسحاب الوفد المعارض من جلسة المفاوضات ما قبل الأخيرة.
ثانياً، حالة عدم الثقة بين قادة الفصائل، بسبب خلافات سابقة على الزعامة والحساسيات المتعلقة بالدعم العسكري والمادي لبعض الفصائل، وخلافات مناطقية بين أبناء المدينة وأبناء الريف، وأخرى عشائرية بين أبناء العوائل الكبرى في درعا.
ثالثاً، الحرب الإعلامية والنفسية التي مارسها النظام والتي اعتبرت مرجعا شبه وحيد لما حصل في حوران بعد أن منعت غرفة العمليات المشتركة إعلاميي درعا من نشر الأخبار دون الرجوع إليها. وهو ساهم في سقوط البلدات بلدة بلدة، بعد نشر إعلام النظام السيطرة عليها قبل الهجوم ما زرع الارتباك بين المقاتلين على الجبهات. ودفع النظام بأعداد قليلة من المشاة في شرق درعا وسيطروا على أغلب البلدات. بعكس ما حصل في طفس غربي درعا، إذ شن النظام هجوما كبيراً عليها بعشرات الدبابات والمدرعات ولم يتمكن من اقتحامها بسبب حسن تنظيم فصائلها وتماسك مقاتليها بخلاف ريف درعا الشرقي، الذي سقط دون مقاومة كبيرة، إذا ما استثنينا بلدتي النعيمة وصيدا وهما اللتان قاومتا أفضل من مثيلاتهما في الريف الشرقي.
رابعاً، اختراقات النظام لفصائل المعارضة، غدا جليا أن أول اختراق في شرق درعا كان في اللجاة، وهو ما ساهم في تسليم المنطقة الوعرة جغرافيا، إلى النظام، ومرد ذلك إلى خلافات بين فصائل المنطقة ذات الانتماء العشائري، كذلك سلم قائد المجلس العسكري في الغارية الشرقية البلدة للنظام وأجرى مصالحة معه.
وبدأت الاختراقات بمصالحة ابطع وداعل، غرب درعا، ومن ثم امتدت إلى بعض المناطق التي بدأت تتداعى في ريف درعا الشرقي.
من الواجب تقييم هزيمة درعا بشكل أكثر واقعية، والإقرار بأخطاء فصائل الجيش الحر وحساباتها منذ التدخل الروسي في أيلول (سبتمبر) 2015 وعدم القاء كل ما حصل على التخلي الأمريكي عن الجنوب بعد التفاهم بين الدولتين.

11HAD

هزيمة مجلجلة في درعا: هل شاهد أحد وثيقة الاستسلام؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية