تكتسح الشركات الصينية القارة الافريقية من شرقها إلى غربها، بوتيرة غير مسبوقة، وهي تحصد كل يوم صفقات جديدة في مجالات مختلفة، تتراوح من بيع عربات القطارات لكينيا إلى إنشاء أكبر ميناء تجاري في الجزائر بقيمة 3.3 مليار دولار. ففي غرب افريقيا فازت أخيرا الشركة الصينية المتخصصة بتجهيز خطوط السكة الحديد China Railway Rolling Stock بصفقة كبيرة في الغابون، البلد المنتج للنفط، ترمي لتنفيذ خطة واسعة من أجل إصلاح الشبكة الحديدية الحالية ومد خطوط جديدة.
تفاقم المديونية
وفي كينيا التي تعاني من أزمة مالية حادة، تملك الصين 72 في المئة من المديونية العمومية للبلد، بعدما كانت النسبة لا تزيد عن 57 في المئة في أواخر 2016، ما يمنح الصينيين القدرة على التحكم بالقرارات الاقتصادية للبلد، الذي يُعتبر إحدى القوى الاقتصادية الصاعدة في شرق افريقيا. ويُقدر حجم مديونية كينيا حاليا بخمسين مليار دولار. وانضمت كينيا في أيار/مايو الماضي إلى «المصرف الآسيوي للاستثمار في البنية الأساسية»، وهو مصرف صيني يمنح قروضا مُيسرة للبلدان النامية.
وفي الوقت الذي تتريث الحكومات الغربية والمؤسسات المالية الدولية في منح مزيد من القروض لكينيا، بعدما تجاوز حجم ديونها الخارجية نصف الدين العمومي الاجمالي للبلد، ما زالت الصين مستمرة بإقراضها. وخفضت مجموعة التصنيف الدولية «موديز» من تصنيف كينيا حسب الصحيفة الكينية «بزنس ديلي»، بسبب ارتفاع نسبة المديونية إلى مستويات خطرة، ما جعل صندوق النقد الدولي يُحجم عن تحويل قرض إضافي بقيمة 1.5 مليار دولار. وبالنظر لأهمية كينيا بوصفها القوة الاقتصادية الأولى في شرق افريقيا، باتت مسرحا لصراع غير خفي بين القوتين الاقتصاديتين الأولى (أمريكا) والثانية (الصين)، إذ وقع الكينيون مع الأمريكيين أخيرا على اتفاقات استثمارية بقيمة 100 مليون دولار. وإذا كانت أمريكا هي غريمة الصين في شرق افريقيا، فإن فرنسا تلعب الدور نفسه في غربها، حيث تواجه منافسة صينية قوية على النفوذ في منطقة تُعتبر تاريخيا «حصة فرنسا»، وهي المنطقة التي تنتشر فيها حاليا قوات فرنسية من تشاد شرقا إلى موريتانيا غربا، مرورا بالنيجر ومالي، فضلا عن الجنوب الليبي الذي تسعى باريس للسيطرة عليه بجميع الوسائل.
لكن الفرنسيين لم يستطيعوا التصدي للزحف الصيني الذي اخترق بلدانا فرنكفونية تعتبر تقليديا داخل المجال الفرنسي، ومنها الغابون الذي يستعد لاستضافة مشروع إقليمي ستُنفذه مجموعة «تشاينا ريلويز رولينغ ستوك كوربوريشن» الصينية المتخصصة في تصنيع عربات القطارات في العاصمة ليبروفيل. وستقوم شركة «زيانغ» المتفرعة عن المجموعة الأم بإنشاء مركز اقليمي للتدريب على صيانة عربات القطارات، وهو ما يدل على رغبة قوية لدى الصينيين في الفوز بصفقات مد خطوط السكة الحديد وبيع القطارات إلى بلدان المنطقة. ويقول الصينيون إن الخبرات التي سيُقدمونها للغابون تشمل تصنيع القطارات العاملة بالكهرباء والديزل على السواء، وكذلك عربات التراموي الصالحة للنقل داخل المدن، وجميع المراحل اللاحقة للتصنيع من ترويج وصيانة وإصلاح.
أكبر ميناء في شرق افريقيا
في هذا السياق تتفاوض الحكومة الكينية مع مصرف «إكسيم بنك» الصيني على شروط حصولها على قرض إضافي بقيمة 3.5 مليارات دولار سيُخصص لاستكمال خط السكة الحديد الجديد الرابط بين العاصمة نيروبي وميناء مومباسا، وهو أكبر ميناء في شرق افريقيا، على امتداد 480 كيلومتر. واللافت أن هذا الخط الجديد يحلُ محل الخط القديم الذي أنشأه البريطانيون قبل 100 عام، والذي كانت رحلاته تستغرق 17 ساعة، وأمكن تخفيضها حاليا إلى 7 ساعات فقط. وتختزل قصة خط الحديد البريطاني العتيق ونهايته على أيدي شركات صينية، عمق التحولات الجيوستراتيجية الجارية في القارة الافريقية. ولم يُخف وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسن خلال جولته الافريقية الأخيرة انزعاج الادارة الأمريكية من الانتشار الصيني في القارة، إذ رأى فيه «تهديدا للاستقرار الاقتصادي والسياسي في القارة على الأمد الطويل». وأوضح تيلرسن أن مبادرات الصين «معطوفة على الضغوط السياسية والجبائية تشكل خطرا على الثروات الطبيعية للقارة». وقال إن الاستثمارات الصينية في افريقيا «تعمق التبعية» معتبرا أنه «حتى إن كانت تلك الاستثمارات تعوض النقص في البنية الأساسية للقارة فإنها تُفاقم من المديونية ولا تؤمن أية فرصة عمل إضافية»، مُقترحا إنشاء مؤسسة جديدة لتمويل التنمية في افريقيا. ويُذكر أن الصين هي المُقرض الأول للولايات المتحدة، ولذا تساءل الافارقة تعقيبا على تصريحات تيلرسون «لماذا لا تبدأ أمريكا بنفسها؟».
ويُقدر الخبراء حجم القروض التي منحتها الصين للبلدان الافريقية منذ العام 2000 في شكل قروض ترمي لدفع عجلة التنمية الاقتصادية وإيجاد فرص عمل جديدة، بأكثر من 140 مليار دولار. ويُفترض أن تذهب غالبية تلك القروض إلى تنفيذ مشاريع في قطاع البنية الأساسية. لكن الصينيين لا يشترطون وجود الحوكمة واحترام حقوق الإنسان، لا بل كثيرا ما تكون قروضهم مشروطة بمنح الصفقات إلى شركات صينية. وقدَر «معهد بروكينغس» الأمريكي الحجم الاجمالي للقروض التي منحتها الصين للبلدان الافريقية، منذ بداية الألفية الحالية إلى اليوم، بـ94.4 مليار دولار ما ساهم في تمويل 3000 مشروع في افريقيا. وساهمت القروض والمساعدات الصينية في زيادة نسبة النمو بنقطتين أحيانا في بعض البلدان الافريقية، بالإضافة لتأمين 300 ألف فرصة عمل، بحسب تقديرات معهد «بروكينغس».
غياب الشفافية والحوكمة
ويمكن أن نلاحظ في السنوات الأخيرة أنه كلما تشددت البلدان الأوروبية في محاولة فرض الشفافية والحوكمة على الزعماء الافارقة، بما في ذلك استخدام سلاح القروض كوسيلة للضغط، إلا وحلت الصين محل الأوروبيين. وعلى عكس المؤسسات الأوروبية والدولية التي تطالب الأفريقيين باعتماد إصلاحات اقتصادية واسعة، من بين عناوينها الخوصصة ومكافحة الفساد والتقليل من تضخم عدد الموظفين في القطاع العام وإخضاع هذا القطاع لمعايير الانتاجية والنجاعة، فإن الصين لا تطرح مثل هذه الشروط السياسية وتُعلن مرارا وتكرارا أنها «لا تُحبذ التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى».
وفي معلومات خبراء اقتصاديين أن المبادرة التي أطلقتها الصين لمساعدة بلدان الساحل والصحراء المُثقلة بالديون، أتاحت لهذه البلدان التخلص من قسم من ديونها، والتي كانت تشكل 100 في المئة من ناتجها الاجمالي الخام في العام ألفين، والنزول بها إلى 18 في المئة فقط في العام 2011. غير أن حجم المديونية عاد ليرتفع مجددا اعتبارا من تلك السنة ليصل إلى 53 في المئة من الناتج الداخلي الخام في 2017. وفيما ينتقد الأوروبيون الصين على ما اعتبروه تساهلا من جانبها في منح القروض إلى بلدان أفريقية تحكمها أنظمة لا تعترف بالشفافية والمحاسبة، فإن الصينيين ماضون في توثيق العلاقات مع تلك الأنظمة، وهم يعقدون سنويا مؤتمرا للتعاون الصيني الأفريقي بالتناوب بين بيجين والعواصم الافريقية، وستكون الدورة المقبلة (السابعة) في سبتمبر المقبل في العاصمة الصينية.
الشريك الأول للجزائر
وفي شمال افريقيا حققت الصين اختراقات كبيرة، بخاصة في الجزائر، حيث أسند إنجاز مرفأ تجاري جديد في ساحل شرشال، إلى مجموعتين صينيتين موجودتين منذ زمن على شاشة الشركات الأجنبية العاملة في البلد، وهما «تشاينا ستيت كونستراكشن كوربوريشن» و»تشاينا هربورغ إنجينيرينغ كومباني». وتقدر قيمة المشروع، الذي سيكون أكبر ميناء تجاري في الجزائر، بـ3.3 مليار دولار. وبالرغم من الاتفاق الذي تم بين الجانبين الصيني والجزائري في 2016 على أن يكون المشروع جاهزا في غضون سبع سنوات، يبدو من الصعب استكماله في ذلك الميقات، بسبب تعثر الانجاز نتيجة عدم الاتفاق على صيغة الشراكة بين مؤسسات القطاع العام الجزائري المعنية بالمشروع والشركات الصينية. وسيشتمل الميناء الجزائري الجديد، بعد استكماله، على 23 رصيفا، وسيكون الثاني في شمال افريقيا بعد ميناء طنجة المغربي، الذي مازال حتى اليوم الوحيد في المنطقة القادر على استقبال السفن التجارية الكبرى. أما على الصعيد التجاري فتفوق الصينيون على فرنسا، التي أزيحت من رتبة الشريك التجاري الأول للجزائر، وحافظوا على تلك الرتبة الأولى طيلة السنوات الخمس الأخيرة. أكثر من ذلك توصلت الصين والجزائر في العام الماضي إلى اتفاقات شملت الصناعة والاستثمار في النفط والغاز والتعدين والصناعات الكيميائية والطاقات المتجددة والانشاءات وقطاعات أخرى. وتحدثت وسائل إعلام جزائرية عن تنامي نفوذ «اللوبي» الصيني الذي قالت إنه بات يتحكم في قطاعات واسعة من اقتصاد البلد.
وتتراوح المشاريع التي تمكن عناصر هذا اللوبي من تحصيلها من صفقات إنشاء العمارات السكنية إلى مشاريع البنية الأساسية إلى المسجد الكبير على ساحل العاصمة الجزائر، بالإضافة لميناء المياه العميقة في شرشال. وتحدثت صحف جزائرية عن محاولات اللوبي الصيني تنويع مروحته لتشمل أعضاء في «المجلس الشعبي الوطني» (البرلمان) ومجلس الأمة وإعلاميين ورجال أعمال. ومن الصومال شرقا إلى السينغال غربا، تسعى الصين لتوسعة دائرة أصدقائها وحلفائها وكسب مزيد من مناطق النفوذ على حساب الامبراطوريات العجوز التي لم تستطع مواكبة التغييرات السياسية والاجتماعية والسكانية في القارة الافريقية، التي تتميزُ بشبابها، إذ تقلُ سن نصف سكان القارة الافريقية عن العشرين. ويُتوقع أن يتضاعف عدد سكان القارة في أفق سنة 2050 ما يجعل الصينيين في وضع متقدم قياسا على منافسيهم الغربيين.
رشيد خشانة